هل السينما في طريقها إلى الإنقراض ؟ – منهل الهاشمي

هل السينما في طريقها إلى الإنقراض ؟ – منهل الهاشمي

موت السينما

(السينماتوغراف) كلمة مشتقة من الاغريقية والتي تعني الصورة المتحركة. بدءاً لابد من تعريف السينما للإجابة عن السؤال أعلاه بموضوعية وعلمية. السينما هي عرض سلسلة من الصور المتواصلة الثابتة تتناول موضوع ما مصورة على شريط خام من السليلويد ثم يحمّض ويطبع ويمنتج بآلة مونتاج لغرض عرضه على الجمهور بآلة العرض السينمائي في أبنية أو قاعات مخصصة لذلك. هذا هو مفهوم أو تعريف السينما أو الفلم السينمائي المتعارف عليه كلاسيكيا بحسب ما علمناه وتعلمناه في صفوفنا الأكاديمية.

في عقد التسعينيات من القرن الماضي ظهر للوجود ما يعرف بالسينما الرقمية وفيها يتم التصوير على شريحة (رام) ثم يمنتج رقميا بواسطة الحاسوب ليعرض بأجهزة عرض رقمية مثل (الداتا شو) وسواها في دور العرض (السينمائي).

فإذاً بات هناك تغيير في صميم وجوهر فن (السينما) وكينونتها وصيرورتها، وهنا نتحدث من زاوية تقنية بحتة بخلاف التغييرات الأخرى المترتبة عليها من الناحية النظرية والفكرية والجمالية والإنتاجية والاجتماعية :

الشريط الخام السليلويدي / رام

الكاميرا السينمائية / كاميرا رقمية تجمع بين خصائص الكاميرا السينمائية والتلفازية

تحميض وطبع الشريط السينمائي / الانتفاء للحاجة رقميا

المونتاج بآلة مونتاج سينمائية (المافيولا) / المونتاج حاسوبيا

العرض بدور سينمائية خاصة / دور العرض ليست بالضرورة أن تكون سينمائية.

ترى بعد ذلك ما الذي تبقى من فن السينما المتعارف عليه… وأية (سينما) هذه ؟!!. ولو حاولنا أن نقرب الفكرة فنقول مثلاً : ماذا لو انّ السيارة التي هي عربة من حديد ومعدن تسير على الأرض بأربع عجلات بمحرك ذاتي الدفع يعمل بالاحتراق الداخلي للبنزين ستصبح بحكم التطور التقني الرهيب والمتسارع يوميا بإمكانها الطيران بالجو؟! وعلى فكرة والشيء بالشيء يذكر فقد شاهدت مثل هذه السيارة _ الطائرة المدهشة في أحد مقاطع الفيديو في اليابان أو الصين وهي تسير بالشارع وحين يصادفها الزحام تطير في الجو فتتخطاه لتهبط في بدايته !. عموماً يا ترى هل سيكون بوسعنا توصيفها بأنها سيارة ؟ وكيف سيكون ذلك وأصلاً تسميتها سيارة إشتقت أصلا من مفردة (سير او تسير) على الأرض (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ) سورة يوسف الآية 19. كما أنّ الطائرة مشتقة من طيران أو تطير في الجو ؟! كيف سيكون توصيفها أو تصنيفها إذّاك ؟!

صميم المسألة

فإذاً الإشكالية هنا باتت تكمن في صلب وصميم المسألة ومبدأها الجوهري بحكم ما هي عليه من صيرورة وكينونة. وفي المستقبل وقد لا يكون بعيداً بحكم التطور التقني والرقمي الرهيب المضطرد كما اسلفنا سيعلن عن موت (السينما) فعلياً وإن لم يعلن إسمياً. بمعنى آخر سيكون هذا تحصيل حاصل وبلسان الحال لا المقال !!. وسيكون فن السينما التقليدي مكانه المتاحف الفنية بأجهزته ومعداته وحتى إسمه الكلاسيكي المعهود. وستتحول دور العرض السينمائي إلى إحدى أماكن فنون التراث القومي يعرض فيه إحدى كلاسيكيات السينما القديمة قبل العصر الرقمي لمن للراغبين بمشاهدة (سينما) وفق التقاليد الكلاسيكية المعهودة قديماً من الأجيال السابقة من باب الحنين للماضي (النوستالجيا) باعتبار انها خصلة موجودة بالطبيعة البشرية أو قد يكون ذلك من باب المحافظة على الفنون القومية التراثية والشعبية. وستكون هذه العروض لما يعرف ب(النخبة) وليست شعبية جماهيرية كما هو معروف ويكون فن السينما آنذاك حاله حال فن الأوبرا تراثا قوميا لذلك البلد وسيكون بشكل محدود جداً لا تزيد عن أصابع اليد الواحدة في البلد بعدما كانت بالمئات أو العشرات.

السينما منذ نشأتها رسمياً عام 1985 وهي تجاهد للبقاء والديمومة بوجه أي فن آخر مستحدث بل أنّ أحد نقاد السينما يقول : تاريخ السينما ليس سوى حربه المستمرة مع التلفاز للبقاء والوجود. وهي التي استهلت مشوارها بسرقة جمهور كبير من المسرح وجذبهم إليها رغم عراقته التي تعود إلى خمسة قرون قبل الميلاد بسبب قدراتها الاستثنائية كصورة متحركة على محاكاة الواقع والحياة والتعبير عنهما وعن رؤية صانعها لهما والتعبير عن المشاهد… والإنسان عامةً. لكن بظهور التلفاز للوجود وانتشاره منذ مطلع الاربعينيات من القرن الماضي فقد اذاق السينما من نفس الكأس الذي اذاقته للمسرح فقد سرق جمهورها منها بشكل رهيب في البداية خصوصا وله نفس طبيعتها الفنية كصورة متحركة مع الصوت وهو موجود في المنزل فلا يستدعي الخروج وعناء الذهاب لمشاهدته كما هو الحال مع السينما بتعبير آخر فجمهوره مدلل. مع هذا لم تعلن السينما الإستسلام ولم ترفع الراية البيضاء بوجهه فعملت جاهدة وبفضل التطور التقني والتكنولوجي وبعد إضافة الصوت قبل ظهور التلفاز في عام 1927حين كانت تصارع المسرح أضافت اللون لاحقاً ثم ما يعرف بالشاشة العريضة (السينيراما) الثلاثي الشاشات ثم تقنية (السينما سكوب) ثم نظام الصوت المجسم (الدولبي سيستم) وصولا إلى ما يعرف بالسينما المجسمة ثلاثية الأبعاد3d) ) المحاكية لأبعاد الواقع الفعلي (طول _ عرض _ عمق) في محاولة منها للحفاظ على جمهورها من التلفاز الذي بدا هو الآخر خصما عنيدا فسرعان ما حسّن من تقنيته وطورها بصورة وصوت فائقة الوضوح والجودة والدقة والنقاوة (هاي كوالتي) وصولا إلى ما يسمى (السينما المنزلية) أي السينما المنزلية ذات الشاشة الكبيرة جداً الموفرة لمشاهدها البيتي أغلب ظروف ومتطلبات المشاهدة السينمائية في دار العرض إن لم يكن كلها وصولا إلى عصر الأقمار الصناعية والقنوات الفضائية وخصوصا بعد الوافد الفني الجديد الجبار (الفيديو) والذي عمل بها ما عملته بالسينما !.

تطورات متواصلة

 وفي الواقع فأنّ هذه الإضافات والتطورات المتواصلة لكلا الوسيطين السينمائي والتلفازي هي التي حافظت على بقائهما وديمومتهما وحافظت أيضا على جمهورهما طيلة عقود طويلة من الزمن حتى جاءت نقطة التحول الفاصلة والتاريخية في العقد التسعيني من القرن الماضي مع بدء ظهور الثورة الرقمية وثورة الإنترنت التي هي في تسارع يومي مذهل حينها لجأ بعض صناع الأفلام السينمائية إلى صنع افلامهم رقميا بدل صناعتها الكلاسيكية كونها توفر الكثير جداً من الأموال والجهد والوقت ناهيك عن انها تتيح لنا فلما غاية في الجودة والدقة والنقاوة والجمالية صورةً وصوتاً. والسينما كما هو معروف تقوم على الثالوث (فن _ صناعة _ تجارة). وبذلك أصبح الفلم لدى بعض المخرجين يصنّع بالكامل بالأجهزة الرقمية (كاميرا رقمية _ حاسوب للمونتاج والمؤثرات الصورية والصوتية والخدع وغيرها) وبعد إنجاز النسخة النهائية (الستاندارد) يتم تحويله أو نسخهِ على الشريط السينمائي الكلاسيكي (السليلويدي) ويعرض بدور السينما بآلة العرض السينمائي (البروجكتر) التقليدية والمطورة بالتأكيد. وبعد شيوع السينما الرقمية عالمياً وتوافر أجهزتها ومعداتها إستغنى أغلب المنتجين والمخرجين عن تحويل فلمهم الرقمي إلى الشريط السينمائي الخام نظرا لكلفته الباهظة مع أجهزة العرض السينمائي واكتفوا بعرضه من خلال الأقراص الرقمية المدمجة DVD) ) بأجهزة (داتا شو) وسواها من الأجهزة الرقمية المتقدمة. وهذا ما سينعكس بدوره على دور العرض السينمائي المعهودة فحتى طريقة العرض بدأت بعض الشركات السينمائية وبالإتفاق مع القائمين على بعض مواقع الإنترنت ببثها عبر شبكات النت العنكبوتية ومن خلال الأقمار الصناعية في دور السينما من مركز أو موقع واحد ل(يبث) الفلم إلى عدة دور سينما في ذات اللحظة بثا مباشرا كما هو الحــــال في القنوات الفضائية.

نخلص من كل ذلك إلى أنّ تسمية الأفلام المصنعة رقميا بالأفلام السينمائية هي تسمية غير صحيحة أو دقيقة علمياً وواقعيا وفعليا والصحيح هو تسميتها بالأفلام الرقمية وبذلك فأنّ فن السينما ما عاد كذلك بل أمسى (الفن الرقمي) وهو فن جديد قائم بذاته والذي يجمع ما بين خصائص السينما والتلفاز لكنه ليس بهذا ولا ذاك… وهو ما سيعدّ (الفن الثامن) !.

{ ناقد وباحث سينمائي اكاديمي