هذيان أمام معطفي القديم الأسود

 هذيان أمام معطفي القديم الأسود

 مروان ياسين الدليمي

أنَا الهائمُ في تبددٍ لاحدود له

لاأدري فيما إذا كنتُ أدّعي أنَّ مكانا أعرفُهُ لطالما حلمتُ به

يلتفُّ حولي مثلَ شهقةِ أمرأةٍ ساعةَ نشوتِها

لي نجمةٌ معه ُ، تنتَسبُ لي وحدي

مُذ خاطبتُ السّماءَ بلهفةٍ

وله كلامٌ مبتكرٌ معي ، مثلُ فأسٍ بيدِ حطَّابٍ يعشقُها

من فرطِ الغياب الذي باتَ  بيننا

اشعُر أنَّ في قلبي  مرارةً كأنها نَكبَة  .

هناك

يرقدُ مشدوداً بيتُنا في نفسِ  مكانهِ

طاوياً عمري في حصيرةِ ايّامِه

وحدَهم اصدقائي المهرِّجون يُتقنون المَشيَ إليه عند غيابي

في ساعاتٍ يكونُ فيها مزاجُهُم مُنتكسا كعادتِهم.

 في مرآتي التي تركتُ فيها  وجهاً يُشبهني كثيرا

الدَّغل أزهرَ بكل الألوانِ عليها

وروحي التي تُشبهُ قصَبا ندياً

هي اليوم تتعمَدُ تضليلي بأحزانٍ ليست لي

إلاّ انني ماعُدّت أقوى على التمييزِ مابينها وبين وجهٍ يحملُهُ وجهي .

الحكمةُ غَفَلتْ أن تمشِّطَ شعرَها لأجلي مثلما الوقتُ دائما يخدعُني

فيكررُ دورَتَه مثل سكين معي .

من  حولي كهّانُ القبيلةِ يرتجلون بابسطَ مايكون كلُّ ما أفكر فيه

ليس لديهم من لعبةٍ سوى أنْ يَحرثوا سيرةَ مطرٍ لايفارقُ نافذتي

ولستُ متأكدا فيما إذا كانوا يحرصون على تغطيتِهِ بمناديلَ من ورقْ

-هل قلتُ ورقْ   ؟

-نعم  ، ورقْ .

-ورق  !

 وماذا يعني فشلهم في أنْ ينجزوا مهمّةً مباركةً مع زوجاتِهم  ؟

كأنها بالنسبة لهم مجردُ خسارةٍ في لعبةِ قمار .

ماذا يعني أن تجرحَنا صحراءُهم   ؟

مجردُ خسارةٍ في لعبة  .

ماذا يعني أنْ لايكون للمدينةِ أملٌ، مثلَ  نهرٍ من الموسيقى  ؟

مجردُ خسارةٍ  .

 ماذا يعني أنْ أشكَّ في ضَياعِ نجمةِ طفولتي من يدي  ؟

 مجردُ خسارةٍ في لعبة ،

لكنها

فادحة .

 اقصى ما أكتشفُتهُ ، أنهم نجحوا في أنْ يَحقنوا سنابلَ قامتِنا بسنينَ لاتفوحُ منها رائحةُ ذكورة .

ورغم تقوّس طفولتِنا مثلَ خزائنَ قديمة ٍ،

مازال يغمُرنا فرحٌ عابرٌ كلما أخطأنا الطريق

ليسقطَ طريقٌ آخرُ بين ايدينا .

كلُّ ليلةٍ نحتمي  بحكايةٍ من غريبٍ يسكنُ بيننا

كما لو اننا نرتدي ثياباً تفوحُ منها رائحةٌ تركَها الأمسُ قبل رحيلِه  .

غالبا ماأعثرُ عليَّ  حينَ افتَقدُني

مَركوناً في زاويةٍ قصيّةٍ مِن روحي

احدّقُ بوجهٍ أراهُ ولاأراهْ

هو الآخرُ تركَ السّماءَ خلفَ ظهرِهِ

وجاءَ مع المشردين يستجدي رائحةَ التُّفاح  .

لاجدوى

ليس معي سوى قديسين متقاعدين يكتبون على الهواء :

عناوين َبيوتٍ كانوا يعرفونها

اسماءَ مواليدَ ليسَ لهم ابَاء

أرقامَ سياراتٍ مسروقة

عددَ الطائرات التي تذهبُ ثم تعودُ كلَّ ساعةٍ من فوقِ رؤوسِنا

واشياءَ كثيرةً لم يعدْ ممكنا أنْ نفتَح اذرُعَنا لها بعد أنْ ودّعت براءَتها

واقتفَتْ نداءً خافتا لاظلَّ له .

أكثرُ مما يعرفُ الحَمَامُ مشيةَ الصياد

أحتفي بحفنةٍ من ليلٍ يعرفني

يَصْلُحُ أنْ يكونَ ترياقا لأحلام ٍمركونةٍ على طاولتي

تربكُني عند يقظتِها

وأنا وحيدٌ في وحدتي .

إعتدتُ بعد أنْ تنطفىءَ  النجومُ  من الوحشة

أنْ استعيرَ صوتي من رخامٍ  مكدّسٍ على ظهرِ ريحٍ  شمالية

 أو مِن غموضِ ملائكةٍ خذلتهم محطاتُ انتظارْ

فهاموا يبحثون عن رعشةٍ

خارج الوقتِ المخصص لايصال البريدِ الى الانبياء .

لي  في كل جيبٍ من معطفي القديم الاسود

نافذةٌ تستريحُ الشّمسُ إليها من  الحر

وغيومٌ تمكثُ فيها طيلةَ الشتاء .

في  بيتِنا المُنزلقِ مِن كفيَّ

مالذي سيحطُّ على سَعفِ نخلتِنا الوحيدة

مِن بعد انتظارٍ يَشيخُ افلاطون على دكّةِ ايّامِه  ؟