مَن هو زعيم اَلمقالب؟- عبد الحق بن رحمون

عبدالحق بن رحمون

كما يحدثُ في سلسلة الرُّسوم المتحركة الموجهة للأطفال والفتيان، البطل ينتصر في النهاية، ويصبح البطل السَّابق المهزوم عدوا، لربَّما الخيال والتشويق والرومانسية هم من ابتكروا تلكم النِّهايات. إلا أن من يصنع المقالب للناس، ليكون بصورة الملاك، بأجنحة استعارية، سيأتي يوم وتصبح مقالبه نارا وهشيماً تحرق كل ذاته كل فكرة شيطانية أراد بها أن يسيء، ويريد أن يسلط نيرانها على الناس الطيببين. فالحيَّة التي اسمها مرادف للحياة، لا تستمر في العنفوان أو في الزحف إن لم تغير جلدها ولونها وثقتها ونفخها بلسانها في رمال متحركة. فكما تأكُل تُؤكل، وكما تَقتل تُقتل. والفاهم يفهم، ويضع نقطة ويعود إلى السطر.

إذن ماهي صفات زعيم المقالب؟ هل هو الذي يقف في حارة أو رأس الدرب، بحسب اللهجة المغربية يتأبط سيفا، أم هو الزعيم الذي يتواجد دائماً في مقدمة الجيوش، أو في مقهى هامشية متأبطا كميات من الحشيش والمخدرات القوية، ينتظر زبونا ليبيع له كمية من المخدرات بالتقسيط. ولرُبَّما صورة الزعيم هي ما قرأناه عن الدونكيخوت ورفيقه، ثم ما شاهدناه في الأفلام المصرية في الزمن الجميل. عموما زعماء المقالب، تخرجوا من نفس المدرسة التي على البال، التي يسهر فيها الزعماء من أجل التحصيل والتي تُخَرِّجُ الزعماء بالأشكال والألوان، زرافات وأفرادا، مثل السجائر التي تشعل بقوة ثم تصير في النهاية رمادا في المنفضة، وحتى إذا لم تكن تخرج هذه المدرسة ديكتاتوراَ، أو زعيم حزب أو منظمة، قد تخرج من بين صفوفها زعيم عائلة وأسرة أو زعيم شلة من الشلاهبية.

ومن مواصفات زعيم المقالب، أنه صاحب كلام، يتحدث ولا يفي بما وعد به، وكلامه مثل ماء البحر لايعول عليه في الشرب، وليس أي كلام فهو كلام السحرة.

أما كرسي الزعامة، فلا يصل له أي كان. فمن الشروط لكي تكون زعيم المقالب، عليك أن تكون لك شعبوية من خلال اصطناع الهرج والمرج، وخبط الطاولة في وجه الجميع، والادعاء أن أمرا مزلزلا سيحدث في وقت آجل أو عاجل، وعلى الأمة الانتباه. وفي المقابل نجد زعيم المقالب بمواصفات أخرى (صامتا) والناس القدامى، حذروا كثيرا من الصامتين، واعتبروهم الأخطر في تاريخ البشرية.

بصراحة القول: الزعامة هي الكاريزمية وهي فن وعلم، وتربية وأخلاق ومبادئ ووراثة بالجينات وليس نقطة وعودة إلى السطر.

والقليل، القليل، من يظن أن الزعيم هو من يسير اللعبة، سواء كان زعيما لحزب، أو زعيما لمجموعة اقتصادية أو تجارية. الزعيم له مرجع وظله الذي يستوحي منه دفوعاته، وخططه عند اللحظات الصعبة يستنجد به لإخراجه من المزالق والأزمات، وشخصية الظل هو مفتاح الزعيم،    لا يستفيد من الإكراميات السخية، ولا يخون زعيمه. في الغالب يظل زاهدا، وكاتم أسرار. ولا ينتبه لنفسه أنه تقولب، وأنه ضيع وقته سدى، إلا بعد إسدال الستار على سلسلة الرسوم المتحركة أو المسرحية. لأنَّ لكل بداية نهاية.

وهناك زعيم قتلته ذبابة، أو طبسيل، وزعيم أضحكه حمار، وزعيم أرقصه قرد، وزعيم كتب تاريخ شعبه بخط وزيره المنفي في قاع الخابية، وزعيم ظن أنه دجاجة فباض بيضة. وهناك زعيم شيوعي متقاعد ركب ظهر الفيل، ولعب في الأرجوحة بسيرك المرجان. وهناك شبان من كتائب صناع السفن الغارقة غاضتهم نهاية فيلم تيتانيك، ورشقوا زعيم السفينة بالحجارة، وهناك راقصة قلدت رقصة الغزالة، وأهدت روحها لابن أوى قبل العشاء، لأن الكل مطالب بالركوب في سفينة نوح ما عدا زعيم المقالب الذي غرق .

ومن الأسلحة المحظورة الآن بالمغرب، تناول وجبة العشاء في الصحون، وذلك بسبب ماجرى مؤخرا في حادثة بإحدى الملاعب الرياضية بالرباط والتي سميت بواقعة الصحون الطائرة. وتاريخ غرام المغاربة بالصحون تعود إلى عدة قرون، لكن في ثمانينيات القرن الماضي، ستزدهر هذه الهواية التي ابتليت بها جميع الأسر وخاصة من نوع (طْبَاسَلْ الطاووس) وصارت تخصص لها خزانات فاخرة، لتعرض في واجهاتها الزجاجية أنواع الصحون، في الوقت الذي كانت تغيب في كل بيت خزانة للكتب أو مكتبة صغيرة. لهذا فإن الانسانية مستقبلها مهدد بأسلحة جديدة من نوع الصحون الطائرة .

عبدالحق بن رحمون