مهازل لا بد من وقفها (2)
لقد تعلمنا من ديننا ومن تاريخنا أن الله سبحانه وتعالى قد يُسَخِّرُ قوىً في أصلها معادية وذلك لخدمة أهل الحق لاعتبارات متعلقة بمصالح قد تتقاطع أحيانا ، ثم تعود الأوضاع بعد انتهاء الحالة الطارئة إلى حالة العداء الأصيلة بين الطرفين .. في ظل وضع من هذا النوع ، يتعين على أهل الحق إدارة المعركة بذكاء خارق لا يجعل لأهل الباطل على أهل الحق سلطانا بحجة (رد الجميل !!!) …
أنا على ثقة كاملة أن الشعبين السوري والمصري قادران بعد تجاوز أزماتهما وحسم معركتيهما مع أنظمة الاستبداد بعون خارجي أو بغيره ، أن يعيشا حُرًّين أبِيًّين بلا بشار ولا سيسي ، ولا خونة الحرمين الشريفين من آل سعود ، ولا آل الصباح ولا آل نهيان ولا آل خليفة ، وغيرهم من العتاة والطغاة والبغاة والسارقين لإرادة الشعوب العربية وحقوقها .
سيعرف الشعبان السوري والمصري بعدها كيف يديران نفسيهما في ظل ديمقراطية حقيقية تعزز أسس الحكم الرشيد والعادل والقوي والمدني في بلدين يُعتبران جناحي الأمة في وطننا العربي ، وسيعرفان أيضا كيف ينظفان بلديهما من أوساخ حزب البعث وأمريكا والسعودية والإمارات معا ، ليقيما نظاما ديمقراطيا مقاوما بحق على غير شاكلة نظام البعث والسيسي العميلين…
نحن لا ننكر أن أحداثا أكثر عنفا وقعت في أكثر الدول (تحضرا !!!) كأوروبا وأمريكا ، حروب أهليه ودماء ومعارك طاحنة آخرها الحرب العالمية الثانية ، حتى وصلت إلى حالة الاستقرار التي تعيشها منذ عقود ، ولكن من قال أن أوضاعنا كعرب تحتمل مثل هذه السلوكيات المزرية التي تكرس صورتنا السوداء أمام أنفسنا وأمام العالم ؟؟ وكيف لعاقل في وطننا الممتد من المحيط إلى المحيط ، أن يؤمن بأن أمة تعيش في ذيل شعوب الأرض تخلفا وذلا وأمِّيَّةً وهزيمة ، ثم هي تدخل في نفق مظلم بسبب أنظمتها المجرمة والمستبدة ، يمكن أن تنهض لتلعب دورا يعيدها إلى قلب الاهتمام العالمي المدني والحضاري؟
قد يقول قائل : هذه حالات شاذة في وطننا العربي ، وعليه فمن الظلم أن نعمم حكمنا على الجميع ، فما زال في الأمة خير كثير ، (والخير فِيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة) … نحن لا ننكر هذه الحقيقة ، وما زال إيماننا عميقا في أن أمتنا ستقوم من تحت الركام في يوم من الأيام لتأخذ مكانها تحت الشمس ، كما أرداها الله أن تكون : (كنتم خير امة أخرجت للناس.. ..
لكن يحق لنا أن نتساءل فيما إذا كانت امتنا هذه التي نراها هي القادرة على إحداث هذا التحول ، أم أن المقصود أمة أخرى ، ومن طينة أخرى تختلف عن هذه التي نراها تنتقل من عار إلى عار مع سبق الترصد والإصرار ؟؟!! لقد وضع الله شروطا للأمة التي تستحق أن تحمل شرف (الخَيْرِيَّة) وذلك في نفس الآية (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) ، والذي يعني ببساطة : أمة تحمل مشروع إصلاح شامل لنفسها ولغيرها ، تصحح به مسار الحياة ، وتصوغ به وجه الوجود على قاعدة الإيمان الحي والعقيدة الحيوية . فهل هذا ما نراه في أمتنا اليوم ؟؟!! شعبانا السوري والمصري يسجلان اليوم انموذجا لهذه الأمة التي نتمنى ميلادها ، على الرغم من خطورة التحديات وشراسة المؤامرات…
قرأنا وسمعنا عن تجنيد إجباري واسع ، وحشد شامل (للقوى الضاربة !!) في وطننا العربي وبالذات في مصر لدعم (المجهود الحربي) لرأس الانقلاب الفريق السيسي ، ولمصاحبته في (فتوحاته الربانية !!) ، وتشجيعه في صولاته الميدانية ضد أغلبية الشعب المصري المطالب بعودة الشرعية وباسترداد الإرادة التي سلبها الانقلاب … سألنا عن هؤلاء المجندين (للمعركة الفاصلة !!) ، فوجدنا أنهم لم يكونوا أكثر من قطعان من الفنانين والفنانات ، والراقصين والراقصان (الأحياء منهم والأموات!!!) ، وفلول النظام السابق ، وفتات القوى العلمانية والليبرالية التي وصفها الدكتور عمرو حمزاوي منظر اليسار المصري (بالعوالق) وقطعان المنافقين ، إضافة إلى عصابات بلطجية الجيش والداخلية ، ومنظومة قضاء شائخ وإعلامٍ مصاصٍ للدماء ومشايخ سلطة ورهبان وكرادلة وبابوات شرطة …
ذَكَّرَنا المشهد بهزيمة سابقة – مع الفارق – زلزلت أركان الأمة العربية والإسلامية ، وما زالت تتجرع كؤوسها المترعة مرارة وعلقما حتى اليوم .. إنها هزيمة 1967 ، يوم بات كبار القادة وقد ملأت الخمرة رؤوسهم ، وَعَشَّشَتْ الفاحشة في عظامهم ، فما استفاقوا إلا على وقع نعال اليهود تدوس هاماتهم وتدك كرامتهم ، وتفتك بالآلاف من الجنود الأبرياء الذين لم يحظوا بدعم من قياداتهم السياسيين والعسكريين إلا من صيحات المغنيات والمغنين من وراء الميكروفونات العفنة ، وعلى تصريحات أبواق النظام كأحمد سعيد الذي سطر أنصع صفحات النصر والظفر على جيش إسرائيل ، ولكن على أمواج الأثير …
حتى لا نذهب بعيدا ، لا بد أن نسأل فيما إذا كانت أوضاعنا نحن المجتمع العربي هنا في قلب الحوت الإسرائيلي مختلفة عنها هنالك في مصر أو سوريا وإن كانت – طبعا – بصورة أصغر بكثير ؟؟؟ الجواب طبعا لا ، وما معاركنا الصغيرة إلا شاهدَ عدلٍ على ما ذهبنا إليه … الحل لهذه المعضلة هو واحد من اثنتين : إلغاء كامل لشيء اسمه حياة سياسية ، وهذا بالطيع مرفوض عندنا وعند غيرنا ، أو إلغاء كامل لسلوك اسمه (انفصام في الشخصية ونفاق وانتهازية !!!) من فضائنا السياسي ..
إبراهيم صرصور – القاهرة
AZPPPL






















