مهازل لا بد من وقفها (1)
إنقلاب عسكري
نتابع بمرارة الحوادث التي صاحبت وما تزال تصاحب الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال السيسي ضد التجربة الديمقراطية الوليدة في مصر بعد مئات من السنين العجاف التي نخر فيها سوس الاستبداد والدكتاتورية في عظام مصر حتى كدنا نفقد الأمل في إمكانية نهوضها ، حتى جاءت ثورة 25 يناير لتقلب الموازين ولتعيد لنا الأمل المفقود ، ولتضع مصر على طريق النهوض من جديد ..
نتابع أيضا الصور الصادمة والمؤلمة التي صاحبت وما تزال ، هذا الانقلاب العسكري الوحشي من قتل وسحل وحرق واعتقال واعتداء على المساجد والكنائس تنفذه عساكر وبلطجية الجيش والداخلية ، لم تشهد لها مصر مثيلا في تاريخها المعاصر ، والتي عكست عمق المأساة التي يعيشها عالمنا العربي ، ومدى الانحطاط الذي وصلت إليه قطاعات من الشعب المصري من الليبراليين والعلمانيين الاستئصاليين الظلاميين ( لا اعني المتنورين منهم الذين يقفون مع الشعب وحقوقه وليس ضده ) ، والتي صَدَّعَتْ رؤوسنا بالحديث عن الديمقراطية وتداول السلطة السلمي والحريات وحقوق الإنسان .
فلما فشلت في تحقيق أحلامها عبر صناديق الاقتراع واستنادا إلى الإرادة الشعبية ، سقطت الأقنعة عن وجوههم الشائهة والبشعة ، وظهروا على حقيقتهم الدموية ، فكانت المسافة بينهم وبين أن ينضموا إلى الانقلاب العسكري الذي أطاح بكل القيم الديمقراطية ، قصيرة …
وقفوا بالأمس ضد العسكر وصرخوا بملئ أشداقهم : يسقط ، يسقط حكم العسكر ، وذلك أيام الجنرال العجوز طنطاوي ، فلما فشلوا في الحصول على ثقة الشعب المصري في خمس استحقاقات انتخابية شهد لها العالم بالنزاهة والشفافية ، انتقلوا إلى صف العسكر ، وانحنوا أمام جنرالاته ليلعقوا أحذيتهم طمعا في تحصيل الفتات المتساقط من موائدهم ، أو أملا في أن ينصبهم هؤلاء على مصر سادة عبر فوهات الرشاشات والمدافع ، وأن ينقلهم إلى القصور الجمهورية على ظهور الدبابات العسكرية بدل صناديق الاقتراع …
من الملامح المأساوية للمشهد أيضا ظهور دول عفنة كالسعودية والإمارات والكويت والبحرين وغيرها ، من الذين سرقوا ثروات الأمة العربية وصادروا أرادة شعوبها لمصلحة أنظمتهم التي قامت على الفساد والإفساد والتحالف مع شياطين الإنس والجن وإن لبسوا زورا وبهتانا مسوح الأولياء والصالحين ، وادعوا خدمة الحرمين الشريفين وهم في الحقيقة أعداؤه والمفَرِّطُون برسالته العظمى … هذه الأنظمة التي لا تعدو أن تكون صنائع الاستعمار الغربي وخدمِهِ وحرَّاسِ مصالحه ، تقف اليوم مواقف مفضوحة ومتناقضة … فهي تقف إلى جانب الانقلاب العسكري في مصر ضد الشعب المصري ، وتمده بالمليارات من الدولارات منعا لإقامة نظام راشد سيكون نجاحه بداية نهايتهم من جهة ، ويقفون – قولا لا فعلا – مع الثورة السورية ضد نظام البعث المجرم في سوريا ..
واضح لكل ذي عقل أن هذه الدول الخليجية المتهافتة بمواقفها المتناقضة إنما تخدم أمريكا وإسرائيل وتنفذ بكل أمانة وصدق ودقة أوامرهما مقابل حمايتها من شعوبها التي بدأت تتململ وتبدي سأمها من استمرار حكم هذه الأسر العميلة والمعوقة لنهضة الأمة ووحدتها ..
صورة معقدة بعض الشيئ .. هذا صحيح … لكن الأكثر تعقيدا في نظري هو موقف بعض القوى السياسية اليسارية عندنا في الداخل الفلسطيني التي حملت لافتة : حيثما كانت أمريكا والسعودية وإسرائيل فنحن ضدها ، وذلك في وصف الحالة السورية مع النظام الدكتاتوري ضد الشعب الثائر ، في الوقت الذي يقفون فيه مع ذات الدول : السعودية وأمريكا وإسرائيل في الحالة المصرية مع نظام الانقلاب العسكري النازي ضد الشعب الثائر وضد الديمقراطية الوليدة …
صورة مخجلة ومقززة إلى ابعد الحدود ، وانتهازية حتى النخاع ….
من الواضح أن الذي يحرك هذه القوى السياسية اليسارية في الحالتين ليس المبادئ ولا الأخلاق ولا الاعتبارات الوطنية والقومية ، ولكنه الحقد على المشروع الإسلامي الذي يعرفون أنه الأقوى في تمثيل قضايا الأمة ، والأقدر على اكتساح الساحات العربية في إطار انتخابات ديمقراطية حقيقية … من الواضح أيضا أن هذه القوى مستعدة أن تقف في صف واحد مع الشيطان ومع الاستبداد والديكتاتورية والقتل والسحل والاعتقال السياسي ، شعارهم في ذلك حيثما كان الإسلام السياسي فنحن ضده ، حتى لو كان حلفاؤنا في هذه الحرب غير المقدسة أمريكا وإسرائيل والسعودية وأكثر الدول ظلامية وتخلفا ورجعية ..
لكم الحق في أن تسألوا : كيف للثوار أن يتصرفوا في ظل هذا الوضع المعقد ؟! الثوار في مصر يحملون ذات القيم والأهداف الثورية للشعب السوري وإن اختلفت وسائل الوصول إليها ، فكيف التعامل مع دول هي داعمة في جهة وعدوة في جهة أخرى وفي ذات الوقت ؟ الجواب على هذا السؤال يشير … اللهم اضرب الظالمين بالظالمين ، وأخرجنا من بينهم سالمين ..
إبراهيم صرصور – القاهرة
AZPPPL






















