

بدل رفو
في مدينةٍ ما..
دخلتُ مقهى المجانين
وكأنني أدخلُ داخل صدري
بعد حربٍ طويلة،
حافياً من الأكاذيب
التي علّمتني الحياةُ أن أرتديها.
كانوا هناك..
يضحكون بلا سبب ،
يبكون بلا إعتذار ،
وجوهٌ خارجةٌ على القانون ،
قلوبٌ تشرب تعبَها
كما يُشرب الخمر .
لم ينظروا إليّ بدهشة،
نظروا وكأنهم يعرفونني
حتى بعد أن أُتقنتُ التخفّي ،
كمن سار الطريق نفسه
وعاد بقدمٍ ناقصة
وقلبٍ أكثر اكتمالًا.
وقفتُ بينهم..
فوقفوا
لا إحتراماً ،
بل تمرُّداً
على كل من قال لنا يوماً
اخفضوا رؤوسكم
كي لا تُرى هشاشتكم.. !
هنا..
الهشاشة تاجٌ ،
والوجع قصيدةٌ،
والجنون وطنٌ صغير
لا يُطرد أبناءهُ
حين يزدادون نزيفاً..
تقدّمتُ خطوة
فَشعرتُ وكأن الأرض
تخلعُ عني خوفها،
وإن روحي
لأول مرةٍ
تعود إلى جسدها
بسلامٍ شرس ..
قلتُ لنفسي :
كفاكِ محاولة النجاة بطرقِ مؤدبة.. فالنجاة
تحتاج أحيانًا إلى أنيابٍ،
وإلى صرخةٍ
تشقّ الهواء الى نصفين .
جلستُ معهم..
وجَلسوا معي
كل حياةٍ خبّأتها
تحت أظافر الليالي،
وضعتُ قلبي على الطاولة
لا ليُرمى،
بل ليُرى.
ليعرفوا أنني واحدٌ
من العابرين
الذين تعبوا من التنكّر لدموعهم.
قال أحدهم
وهو يشعل عقب سيجارة، آخر ما تبقّى من صبره
بكلمةٍ أكبر من المدينة:
لا تخضع،
فالذين أرادوا عقلك
لم يفهموا يومًا
شكل قلبك.
ضحكتُ ضحكةً
هدمت نصف تاريخي،
ضحكةً حرّة
خرجت من سجن
فُتح بابهُ ببطءٍ شديد..
وأدركتُ:
الجنون..
ليس خيانةً للعقل،
بل إنقاذٌ محترفٌ للروح
حين تتورّط
في العالم الخطأ.
وأدركتُ أيضًا..
أنني لم أكن غريبًا
كنتُ فقط
في المكان الخطأ،
بين الناس الخطأ،
أدافع عن قلبي
كأنه جريمة.
أما هنا..
فلا جريمة في البكاء،
ولا عيب في السقوط
ثم النهوض مائة مرة،
ولا خطيئة
في أن تكون أنت:
بوجعكَ،
بقوّتكَ،
بانكساركَ الجميل.
هنا
حين وقفوا لي،
رأوني كما أنا
لا كما صنعتني الأقنعة،
صرختُ في داخلي:
أنا واحدٌ منكم،
يا أبناء الضوء المكسور،
يا شعراء الخراب الجميل،
يا ثوّار القلوب
التي لم يستطع العالم
أن يروّضها.


















