مقبرة الزئبق

قصة قصيرة

مقبرة الزئبق

سهام فيوري

تعودت أن تضئ شمعة كل يوم ،تتأمل ضياءها وتتصور نفسها  مرتدية ثوبها الأبيض الذي اهدته اياها جارة لهم وشعرها الأسود المنسدل على كتفيها تتراقص على أنغام موسيقى هادئة طالما تمنت أن تسمعها .

هي هكذا إلى أن تنطفئ الشمعة لتنام   وهي تحلم بغد ربما يحمل إليها ماتتمناه..أن تمشي على قدميها. وتترك الكرسي المتحرك.

الاب.. وهو يراقبها.وفي كل يوم يزداد انينها   وتزداد معه آلامها.

وهو دائما يفكر ويتمتم مع نفسه ..أليست من طريقة لاخفف لها عن ألمها.

سوف اذهب بها الى احسن مستشفى

واخذ يفكر:  من أين لي بالمال ..أن المستشفيات الأهلية غالية جدا وكذلك الحكومية وانا لا أملك سوى راتبي فكيف لي بثمن علاجها او إجراء عملية جراحية لها .

ساجد الحل لا يمكنني أن أراها تتألم أكثر.

وبعد أيام واسابيع من التفكير ..نعم لا يوجد غير ذلك الحل ..

يبدو أنه وجد الحل.

اخذ يتمتم مع نفسه سوف أجري لك العملية  وتسيرين على قدميك  وأشتري لك ثوبا جديدا وخاتما وسيراك الشباب ويتوسلون بي لازوجك اياهم.

ولكني لن ازوجك الا لمن يستحق جمالك وعقلك انت ابنتي الحبيبة ولن إسمح لأحد ان يذلك.

سوف تشفين ..نعم سترين اني ساجري لك العملية واجلب لك الدواء والثياب وكل شئ..   فقط اشفي لارتاح.

الام..الى اين يارجل..

سوف أعود انتظروني.رد عليها

وغاب ليومين ،واذا به يعود حاملا صندوقا مغلقا بإحكام.

ارتابت زوجته وابنته وسألته مندهشـة

ماهذا؟

الزوج..اصمتي  يامرأة الجدران لها أذان .واحكم غلق الباب وراءه وسحب زوجته من يدها الى داخل الغرفة المجاورة والشرر والخوف يتطاير من عينيه.

وأخذ يتكلم معها وهو يرتجف..سوف نعيش ونضع سقف لبيتنا افضل من هذا الذي لايقينا من مطر او حر ونشتري كل مانتمناه ،تلفزيون وثلاجة وادوات مطبخ وكل ما نحتاجه.

وصمت ثم بدأ يتكلم بثقة وفرحه تبدو في عينيه…الاهم من هذا كله أن نعالج ابنتنا واذهب بها الى افضل مستشفى لأجري لها عملية لكي تعود وتمشي على رجليها وتترك الكرسي اللعين الذي تجلس عليه من سنوات.

ستشفى ونفرح بها واشتري لها الثياب الجديدة

ولك أيضا سأشتري الثياب وكل ماتحتاجينه.

الزوجة غاضبة :لن اذهب بابنتي لأي مكان ولن نشتري لها ثيابا جديدة قبل أن اعرف ماتخفي في هذا الصندوق ،وتعالى صوتها ليصل مسامع ابنتهما..

جاءت البنت تترنح على كرسيها المتحرك .

نعم يا أبي ماذا تخفي في هذا الصندوق ؟

وما أن سمع صوتها حتى انحنى عليها

..حبيبتي انه من اجلك ،ومن أجل العملية التي ساجريها لك في احسن مستشفى ..اريدك ان تشفي وتنهضي من هذا الكرسي اللعين كما الصبايا في عمرك وان تفرحي.   وتتزوجي..وتنجبي لي حفيدا.

وهنا حاولت الفتاة النهوض من الكرسي ولم تفلح ..وعادت لتسأل والألم في صوتها  ماذا في الصندوق يا أبي بالله عليك انا متعبة فلاتزيد من تعبي .

الأب  ..بصوت متلعثم.ومتردد .انه..انه…..زئبق

وتعالت صرخة من قلب مجروح

هل سرقت من أجلي ياأبي؟

تريد أن نأكل من مال حرام

وتريد أن اشفى من مال ليس من حقنا ..لا اريد ان اشفى ولا اريد ثياب جديدة

واخذت تبكي وهي تصرخ افضل أن اموت على أن اقبل بمال حرام

اذهب به بعيدا قبل أن يحرقنا ونحن احياء .

الزوجة بتوسل والدموع تملأ عينيها

أخرجه من البيت يا رجل قبل أن يحرقنا ارجوك.

الزوج ..للام: انت لاتفهمي..

   انا اتعذب لان ابنتي طريحة الفراش  وسجينة هذا الكرسي اللعين الذي تعبت من إصلاحه.

والزئبق هذا ثمنه غالي سوف ابيعه واجلب لكما كل شئ و:

 قاطعته زوجته مجددا :

اذهب بهذا البلاء بعيدا عني وعن ابنتي اذهب

الاب..حسنا اهدئي سوف أعيده غدا صباحا .

البنت امي أشعر بالبرد

الام..نعم حبيبتي سوف أشعل لكي المدفئة لتشعري بالدفئ .

البنت..لا ياأمي اريدك ان تشعلي لي شمعة كما كل يوم

الام..حسنا حبيبتي كما تشائين  تحركت الفتاة الى غرفتها وبدأت تتمتم مع نفسها ما اجمل ضوء  هذه الشمعة

امي اين ثوبي الأبيض

اريد ان البسه..   وارقص على ضوء الشمعة

…… لاحاول

واخذت تتكئ على كرسيها المتحرك وتستند عليه لعلها تستطيع أن تقف

ها انا اقف وهي فرحانة نعم استطيع ان …

وتهاوت على الكرسي لتقع على شمعتها واذا بلهيب الشمعة يمتد بسرعة البرق الى….. الصندوق المغلق

وحدثت الفاجعة

لقد اشتعل الزئبق وانتشرت النيران

في كل أرجاء البيت وبدأت الصرخات تتعالى والانين يزداد

البنت..ابي اين انت يا ابي اغيثوني اني احترق امي امي واخذت تزحف على الأرض وسط الدخان واذا بمنظرا مريع أمامها لقد التصق جسد والديها على الأرض من شدة النار ولم تعد ترى من جسديهما سوى بعض اللحم والملابس وخارت قواها والنيران من حولها ثم أغمضت عينيها وهدئت وابتسمت وهي تحلم بانها ترقص واقفة على أنغام موسيقى جميلة كانت تسمعها من أحد البيوت القريبة وبقيت هكذا الى ان هطل المطر..( تتخيل نفسها واقفة ترقص) انطفأت النيران امام صلوات الجيران الذين لاحول لهم ولا قوة امام تلك النيران الهائلة ولكن قدرة الله تعالى شاءت أن تنطفئ ليبقى جزءا بسيطا من اجسامهم المحترقة لدفنها.

وإلى الآن وفي كل ليلة تنبعث من بيتهم المحترق موسيقى ويتخيل للجيران أن فتاة جميلة بثوب ابيض ترقص على ضوء الشموع وهي تحلق..