معطيات الانتقال إلى اتحاد خليجي

معطيات الانتقال إلى اتحاد خليجي
سعيد بن عامر السليمي
تصاعدت في الشهور الأخيرة، وعبر مقالات صحفية، ومقابلات مذاعة ومتلفزة، الأحاديث عن اقتراح انتقال التعاون بين دول الخليج إلى اتحاد، وانتقال مجلس التعاون إلى المجلس الاتحادي لدول الخليج، بل ان بعض الصحف تحدثت عن وحدة خليجية كاملة، على ما نقلته جريدة الأيام البحرينية وما وصفته بأحاديث المجالس أو الشائعات. وربما كان هذا تخوفا من التدخل الإيراني الذي يمكن مقاومته بأساليب غير هذا الأسلوب الذي لم تنضج شروط تحققه بعد.
لقد بدأت المملكة العربية السعودية بالحديث عن الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد. أما الكويت، وقطر، والإمارات، فلها تحفظاتها غير المعلنة بهذا الشأن، ولكن أيا من تلك الدول لم تعلن موقفها بشكل رسمي.
أما عمان فقد أعلن الوزير المكلف الشؤون الخارجية في عمان موقفا واضحا وصريحا من أن فكرة الاتحاد، على الرغم من حسن نية القائلين بها، إلا أنها لا تلائم الأوضاع الحالية في دول الخليج، ولذا فإن أفضل صيغة للعلاقات الخليجية، من وجهة نظر الوزير العماني، هي صيغة التعاون، بما يعنِي ضرورة تطوير ذلك التعاون.
وبعد هذا فهل اجتاز مجلس التعاون لدول الخليج العربية مستوى التعاون ومفهومه كي يتم الانتقال إلى مستوى الاتحاد أو الوحدة؟
إن الوقائع ومجريات الأمور تشير إلى غير ذلك. وفي هذه الحالة فإن الاتحاد، إذا ما تمّ، سرعان ما سينفرط في ظل هذه الظروف.
صحيح أن التعاون بين دول المجلس نجح في ميادين معينة، ولكنه لم يصل إلى مستوى الاسناد والتساند فيما بين تلك الدول، خاصة في قضايا المجتمع. وحسب المعلومات المتوفرة فإن الإسناد المالي الخليجي لسلطنة عمان والبحرين والذي تقرر رسميا لم يتمّ لحد الآن كما أن عُمان لم تطالب به. ولا أدري هل تسلمت البحرين ما خصص لها من تلك المعونة أم لا.
كما إن هناك اختلافات أكثر عمقا، ففي الوقت الذي تلتزم فيه بعض الدول الخليجية بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ترى بعضها الآخر يسعى جاهدا لذلك التدخل وكأنه رسالته التاريخية.
وأنا، هنا، أطرح سؤالين
1 ــ هل تماثَلَ الوعي الاجتماعي في هذه الدول بحيث يمكن أن يتحقق الاتحاد بينها بنجاح؟ الجواب، بالتأكيد، كلا. ففي الوقت الذي تنال فيه المرأة حقوق المشاركة في مختلف المناصب الرسمية والشعبية في عُمان، مثلا، فإنها في مناطق أخرى ما زالت تناضل وتجاهد وتكافح من أجل أن يُسمح لها بسياقة سيارتها. في حين تحولت إلى دمية ملونة في أرجاء أخرى.
2 ــ هل تساندت دول المجلس في حلحلة القضايا الاجتماعية فيما بينها؟ الجواب، أيضا، كلا. ففي الوقت الذي تجد فيه بعض الدول الخليجية صعوبات في إيجاد منافذ شغل وعمل لكفاءاتها المحلية، وإيجاد مجالات عمل للباحثين عنه، نرى دولة خليجية أخرى، تستورد عمالة أجنبية تبلغ ثمانية أضعاف عدد سكانها بما يصفه بعض الباحثين بالاستيطان، وهو استيطان فعلا. فالاستيطان ليس مقصورا على الاحتلال العسكري.
حتى ان الدكتور حسين غباش من الإمارات العربية المتحدة يكتب مقالا بعنوان عن الهجرة والاستيطان والمستقبل الغامض ليعطينا صورة صادقة لواقع مأساوي مظلم، فيقول يتأكد يوما بعد يوم أن المجتمعات الخليجية الصغيرة قد دخلت، بسبب من تعاظم الوجود الآسيوي فيها، في أتون مأزق تاريخي يصعب تصور امكانية الخروج منه.
لم يعد الأمر يهدد الهوية الثقافية التي همشت، والثوابت الوطنية التي اهتزت، بل يشكل خطرا مستقبليا على ما تبقى من الوجود البشري العربي ذاته. بعيداً عن المشهد الخارجي المبهر، فإن الصورة من الداخل تثير القلق، بل الريبة. الشوارع تعج بكل الجنسيات، إلا بالمواطنين، وبشكل خاص في الإمارات وقطر. الأغلبية هندية، تليها الباكستانية، البنغالية، الأفغانية، الفيليبينية، والإيرانية، ولحقتها مؤخرا الهجرة الصينية .
وها نحن نرى إلى جنب هذه الحالة، دولا أخرى لديها فائض في الأيدي العاملة، فنية وغير فنية، ولديها كفاءات قادرة على العمل في الإمارات وقطر وغيرهما. ولكن الأبواب موصدة في وجهها.
ويؤيد الباحثون المعنيون بشؤون الخليج هذا الاستبيان الواقعي حين يقررون أنه تصل نسبة العمالة الأجنبية في الإمارات إلى 90 بالمائة من عدد العاملين والموظفين، وفي الكويت إلى 60 . وهناك اليوم قرابة سبعة ملايين آسيوي في الإمارات وحدها التي لا يتجاوز عدد مواطنيها 800 ألف مواطن وتشكل نسبة الهنود 60 من مجموع تعداد الوافدين، أي قرابة أربعة ملايين .
ويستنتج الدكتور غباش من هذه الأرقام الناطقة أن خلف المباني الشاهقة وبريق الثراء ثمة مأساة وطنية وقومية في طور التحقق. إذ لم تعد المسألة، كما جرى وصفها سابقا، مسألة خلل في التركيبة السكانية، بل تحولت، بعد ثلاثة عقود من الوجود الفاعل، النشط، إلى مسألة استيطان آسيوي واضح وطاغ .
وهو يراه مشهدا مقلقا جدا. حتى ان مجيد العلوي، وزير العمل البحرينِي السابق يقول إن الهجرة الأجنبية تهدد وجودنا… وإذا لم يتحقق هذا التهديد اليوم فسيتحقق في الجيل القادم . والجيل القادم يعيش بيننا الآن. إذن، لم يعد التغيير السياسي إلا مسألة وقت قصير. إنه داهم على الأبواب .
ويستمر الدكتور غباش تمثل الإمارات وقطر أضعف حلقتين في المنطقة، تليهما الكويت والبحرين. ولكن، على الأقل توجد في الكويت جالية عربية كبيرة .
ويستدرك هناك استثناءان. عُمان تبدو محصنة بثقافتها وتاريخها العريق. والسعودية بفعل ثقلها الدينِي، ولكنه ليس حصنا أمام الباكستانيين والأندنوسيين والبنغلاديشيين وغيرهم، إذ يمكن أن يأتي استيطانهم في المدن الكبرى خاصة بحجة الدين .
وأتساءل ما الذي تخسره دول الخليج لو تعاونت فيما بينها في حل هذه الظاهرة، فأساسا هي مجتمعات من أصول واحدة أو متقاربة؟
نحن لا نتكلم هنا على استيراد مصريين ولبنانيين وسوريين وأردنيين وغيرهم من العرب، بل نحن نطمع فقط في تشغيل أهلهم وأقاربهم والأقربون أولى بالمعروف حسب ما يقوله القرآن الكريم. وذلك من أجلهم هم ومن أجل المنطقة ككل.
مجلس التعاون لدول الخليج العربية لم يتطرق في أي قرار له إلى إلزام الدول الخليجية التي تشكو من تخمة في العمالة الأجنبية بتشغيل الأيدي العاملة الفنية والمؤهلة والأشخاص من ذوي الكفاءات والتخصصات المحتاج إليها من بين أهل الخليج أنفسهم. علما أن مثل هذا الإلزام سيخلص الدول المعنية من مشاكل تلك العمالة، وسيؤدي إلى تعميق مشاعر الوحدة بين أبناء مجتمع هو موحد أصلا وفرعا، ولكنّ صلة القربى والكفاءة واللسان الواحد والعقيدة المشتركة والإخلاص لا تشفع لهم ليحلوا محل تابعي أكثر من مائة وثلاثين جنسية تعمل في دولة خليجية واحدة.
وحتى الأموال التي قررها مجلس التعاون لبعض أعضائه فلن تكون منحة وإنما ستكون استثمارا وعلى مدى عشر سنوات، حسب ما ورد في تصريحات رسمية متناثرة. وسبق أن أشرنا إلى أنها لم تصل بعد إلى من خصصت لهم.
إن التجارب العربية في الوحدة والاتحاد تعطينا مؤشرا أن ذلك لا يتحقق إلا بالتكامل الذي لا نراه حاصلا في الدول الخليجية، إلا في حالات قليلة. بل نلاحظ عكس ذلك تماما. كازدواج المشاريع، وتلاعب بعض الدول بعلامات الجودة لدولة أخرى، وغير ذلك كثير..
بل وصل الأمر حتى إلى المواسم السياحية. فحين ابتكرت سلطنة عمان مهرجان خريف صلالة في شهري يوليو وأغسطس، وهما شهرا الحر الشديد في دول الخليج، سارعت دول أخرى لمنافسة صلالة ذات المناخ العذب الضبابي الجميل، بابتكار مهرجانات في التوقيت نفسه، علما أن الجمهور المستهدَف هو نفسه في كل الحالات، وعدده محدود بطبيعة الحال.
لا مجال للحديث عن تطوير صيغة التعاون إلى اتحاد إلاّ بتوفر شروط ليست لائحة في الأفق، بعد، مع الأسف.
كاتب من سلطنة عمان
/5/2012 Issue 4205 – Date 21 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4205 التاريخ 21»5»2012
AZP07