مشروع قانون حماية المسعف التطوّعي – علي التميمي

مشروع قانون حماية المسعف التطوّعي – علي التميمي

يُعدّ مشروع قانون حماية المسعف التطوعي، المُحال من مجلس الوزراء إلى مجلس النواب، خطوة إيجابية تُحسب للحكومة، لما ينطوي عليه من أبعاد إنسانية وقانونية بالغة الأهمية، تتعلق بحماية الأرواح وتعزيز ثقافة الإغاثة والإسعاف في المجتمع.

ينطلق المشروع من قيمة إنسانية عليا، تتجلى في قوله تعالى: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة/32)، حيث يهدف إلى تشجيع الأفراد على التدخل لإنقاذ المصابين في الحوادث والكوارث، دون الخشية من المساءلة القانونية أو الاجتماعية.

يتألف المشروع من تسع مواد، تميز بين ثلاثة مفاهيم رئيسية:

  • المسعف التطوعي: وهو من يبادر إلى إسعاف المصاب وتقديم العناية الأولية له.
  • المنقذ: من يقوم بنقل المصاب أو إنقاذه في حالات الطوارئ.
  • المُخبر: من يُبلغ الجهات المختصة عن الحوادث أو الكوارث.

وقد منح المشروع الحماية القانونية لهذه الفئات، فنصّ على عدم مساءلتهم جزائياً أو مدنياً عن أفعالهم، إلا إذا ثبت ارتكابهم للجريمة ذاتها، وفي هذه الحالة تُعدّ المبادرة بالإبلاغ ظرفاً مخففاً.

خطوة لافتة

كما تضمّن المشروع تعديلاً مهماً على المادة (47) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971، بإضافة نص يمنع مساءلة المُخبر بسبب إبلاغه، وهو توجه تشريعي يُعزز الثقة بين المواطن والسلطات.

وفي خطوة لافتة، ألغى المشروع الفقرة (ثانياً) من المادة (370) من قانون العقوبات، المتعلقة بجريمة الامتناع عن إغاثة الملهوف، وهو أمر يثير نقاشاً قانونياً، إذ قد يُفهم منه رفع التجريم مقابل توفير الحماية، وهو توازن دقيق يحتاج إلى مراجعة تشريعية متأنية.

ومن الجوانب الإيجابية أيضاً، إلزام المؤسسات الصحية بمعالجة المصابين فوراً دون انتظار الإجراءات الأمنية، وهو ما يعالج إشكالية خطيرة كانت تهدد حياة المصابين بسبب التأخير.

كذلك أوجب المشروع على الجهات التحقيقية عدم توقيف المُخبر، والاكتفاء بتدوين إفادته وإطلاق سراحه لحين استكمال التحقيق، وهو إجراء عملي يُشجع على الإبلاغ دون خوف.

كما نصّ على إصدار تعليمات تنفيذية مشتركة بين وزارتي الصحة والداخلية، بإشراف مجلس القضاء الأعلى، لتنظيم آليات التطبيق، وهي خطوة جوهرية لضمان فعالية القانون.

ومن أبرز ما جاء به المشروع، تجريم التهديد أو المطالبة بالفصل العشائري بحق المسعف أو المنقذ، وفرض عقوبة تصل إلى السجن لمدة (15) سنة، وهو نصّ شديد الأهمية في البيئة العراقية، حيث تُعدّ الضغوط العشائرية من أبرز معوقات العمل الإنساني.

ورغم أهمية المشروع، إلا أنه يستدعي الإسراع في إقراره من قبل مجلس النواب، لما له من دور في إنقاذ الأرواح، خاصة مع تزايد الحوادث المرورية في العراق.

كما يُستحسن دعم هذا التوجه بإجراءات موازية، مثل التوسع في نصب كاميرات المراقبة على الطرق الخارجية، لما لها من دور حاسم في توثيق الحوادث وتوفير الأدلة، أسوة بالتجارب الناجحة في بعض الدول.

خلاصة القول:

إن مشروع قانون حماية المسعف التطوعي يمثل نقلة نوعية في تعزيز العمل الإنساني، لكنه يحتاج إلى تدقيق بعض مواده لتحقيق التوازن بين الحماية وعدم الإفلات من المسؤولية، بما يضمن بناء منظومة قانونية عادلة وفعالة.