محنة الفكر

محنة الفكر
ان الرؤية الجديدة للحياة هي التي تنظر الى وحدة الزمن التي تشمل الماضي والحاضر والمستقبل وتوجه كل ذلك الى الرؤية الجدلية التاريخية . فالافكار والاحداث والفلسفات لا يمكن ان تمثل طبقة معينة هي الطبقة الحاكمة الارستقراطية المسيطرة ، فهذا التمثيل يمكن وصفه عنصريا واستلابيا بينما المواقف والافكار والحركات الاصيلة هي التي تكون صلة الوصل بحركة الواقع التاريخي الجديد والى جانب الجماهير الشعبية ، فالواقع التاريخي المتجدد هو (الماضي الحي الذي يعكس فضلا على الخلفية الحضارية للمجتمع الاستعداد المتجدد في الامة لتجاوز نفسها باستمرار) .
ان لفشل الديمقراطية وتغلب حكومات الطغيان وقع اليم في نفوس المفكرين كما انه يعد نكسة تصيب الشعوب وتضل العقول وقد اوهمت الحكومات المستبدة الناس بانها تنشئ الجيل الجديد نشأة حسنة ورغم مهارة الدعاية الديكتاتورية فقد ظل المفكرون يرون في انظمة الحكم هذه خنق للحريات وتمويه للحقائق وان بدأت في ثوب قشيب لتستر عيوبها ونواقصها. وهكذا بقي الديكتاتور يرفع شعارات تزين حكمه لكنها شعارات باطنها اباطيل وتعطيل حرية الفكر وسلب الارادة الشعبية حيث يقتات الديكتاتور على بواعث الاجرام وحوك الدسائس هو وبطانته للفتك بمخالفيه في الراي واذا طال الحال على ذلك اصبح الميل الى التفكير رذيلة من الرذائل ونقيصة يحاسب عليها المفكرون الذين يحاول الطغاة ملاحقتهم ومطاردتهم ومحاسبتهم وبذلك ينزل الفكر من عليائه ويسود الفساد في المجتمع بل وتعطل الحياة لانحرافها عن اهدافها النبيلة وبذلك يتفرد الديكتاتور بترجيحه وتحبيذه المفكرين المنكوبين بالخضوع لسلطته العمياء وقد جربت الامم التربية القائمة على هذا النمط العسكري فوجدتها تؤدي الى عبودية العقل وفقدان القدرة على الابتكار والاستمساك بالاوامر والنواهي الخالية من المعنى .
لقد ظل الواقع لسنين طويلة محكوما بالقلق والاضطراب والرقابة على العقول ، فضاعت الكلمة الحرة المبدعة الصريحة وغابت الاراء الجادة والابداعات واصبحت الثقافة مكبوتة تسير في الظلمات والتيه والكلمة لا تخدم المعنى لانها لا تسعى الى الارشاد والتسديد لعقلية القارئ رغم ان هناك بعض الموضوعات القليلة جدا والتي تبلغ الى اسماع الناس فتؤثر فيهم لبلاغتها وانتقاء كلماتها ولربما سيحاسب الكاتب والمفكر من اصحاب الفكر السياسي المستبد لانه هو المهيمن على الثقافة عموما ولربما سيكون الثمن حياة الكاتب نفسه ولهذا اصبح المفكر والمثقف والفنان كلهم يعيشون المحنة والمعاناة والحرمان بسبب الاضطهاد ومراقبة الجلاد لهم باستـمرار .
فلابد اذن ان ينهض المفكرون والادباء والمثقفون والفنانون بواقع جديد ولابد من نظرة جديدة وجدية لمعالجة جراحات الماضي والتاكيد على الانسان بشكل عام وحرية الفكر وتوفير افاق جديدة وفك القيود عن الاقلام الحرة الشريفة لتقوم بوظيفتها على اكمل وجه وان حملة الاقلام النظيفة اليوم مطلوب منهم التمسك بخطاب ثقافي عام يستند الى الكفاءة والجدية في ظل مجتمع تسوده قيم الاخوة والتسامح والاحترام مجتمع يكفل للمثقف والمفكر حصانته ويصون كرامته ويضمن حقوقه ومستقبله . ولقد جالت اقلام بعض المفكرين والادباء والمثقفين والعلماء في العالم بالكتابة عن اسعاد مجتماعاتهم وتقدمها وقول الحقيقة ولقد كانت الصورة التي قدموها لنا من خلال الحياة اروع ما يكون فكان اولئك الشوامخ يكتبون كلما بدا لهم لا كلما طلب اليهم .
ان العجز الذي كان سابقا والكبت الذي يعانيه المفكر والمثقف ما كان يجب ان يكون اليوم ، فالنهضات الحقيقية للامم هي في احترام مفكريها ومثقفيها ، فالامة التي لا ثقافة لها لا تاريخ لها والكلمة الصادقة الحقيقية الشجاعة التي تنطلق من الاقلام المسؤولة هي التي تبدد الظلام وبدونها ينطفئ نور الكلام وتعود الحياة الى بداوتها وخشونتها . حملة الاقلام يؤدون رسالة كبيرة وهم كحارس البرج الذي يدفع الزيف عن الحقيقة فالكلمة اذا خرجت من القلب وقعت في القلب ، اما اذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الاذان والكاتب والمفكر والمثقف والفنان هم مرآة عصرهم كما قال سارتر .
لفتة عباس القرة غولي- ذي قار
AZPPPL