محاور تتشكل ام شرق أوسط جديد – قاسم كريم

قاسم كريم

محاور تتشكل ام شرق أوسط جديد.. زيارة وزير خارجية ايران عباس عراقجي الى القاهرة

زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى مصر ، واستقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي له، بالإضافة إلى صلاته في مسجد الحسين بن علي في القاهرة، تمثل تطورًا مهمًا في العلاقات الثنائية بين البلدين، وتحمل دلالات سياسية وجيوسياسية عميقة. فيما يلي تحليل لهذه الزيارة من عدة جوانب:

1. التحول في العلاقات المصرية-الإيرانية:
– تحسن العلاقات بعد سنوات من التوتر:

شهدت العلاقات بين مصر وإيران توترًا كبيرًا منذ الثورة الإيرانية (1979) بسبب دعم مصر للعراق في الحرب العراقية-الإيرانية، واختلاف الموقف من القضية الفلسطينية (خاصةً دعم إيران لحماس مقابل تحفظ مصر).
لكن في السنوات الأخيرة، ظهرت بوادر انفراج، منها اتصالات دبلوماسية غير مباشرة عبر وساطات عراقية وعُمانية، وتصريحات متبادلة عن استعداد لتحسين العلاقات.

– السياق الإقليمي الحالي:
– التطبيع الإقليمي: تأتي الزيارة في إطار موجة التطبيع بين إيران والدول العربية، مثل المصالحة مع السعودية (بوساطة صينية عام 2023).
– التنسيق في ملفات إقليمية: مثل الأزمة السورية واليمنية، حيث تسعى مصر وإيران لتجنب تصعيد قد يؤثر على أمنهما.
– التنافس التركي-الإيراني: قد تسعى مصر لتحقيق توازن في علاقاتها مع القوى الإقليمية (تركيا، إيران، إسرائيل).

2. الدلالات السياسية للزيارة:

– إشارة إلى نية التطبيع الكامل:
استقبال الرئيس السيسي للوزير الإيراني يدل على رغبة القاهرة في فتح صفحة جديدة، ربما تمهيدًا لاستعادة العلاقات الدبلوماسية (المقطوعة منذ 1980).
– قد تشمل الخطوات القادمة فتح سفارات أو تبادل زيارات على مستوى أعلى (رئاسي).

– الرسائل الدينية والسياسية من صلاة الوزير في مسجد الحسين:
– مسجد السيد الحسين (الذي يُنسب لرأس الإمام الحسين بن علي) مكان رمزي للشيعة، واختياره لإقامة الصلاة قد يكون رسالة من إيران لتأكيد دورها كحامية للشيعة، لكنه أيضًا يُظهر مرونة مصر في استضافة مسؤول شيعي في مكان سني بارز.
– قد يكون الهدف كسب تعاطف الجمهور المصري عبر الرمزية الدينية، رغم الاختلافات المذهبية.

3. الأبعاد الجيوسياسية:

– موازنة التحالفات الإقليمية:
– مصر، الحليف التقليدي للولايات المتحدة والسعودية، قد تسعى لتنويع علاقاتها في ظل تغير التحالفات الإقليمية (مثل تقارب السعودية مع إيران).
– إيران تريد كسر عزلتها الإقليمية وتوسيع نفوذها في العالم العربي، خاصة بعد انضمام مصر إلى “مجموعة بريكس” (التي تهتم بها إيران).

– ملف غزة والعلاقة مع حماس:
– إيران تدعم حماس، بينما مصر تلعب دورًا وسيطًا بينها وبين إسرائيل. قد يكون هناك تنسيق غير مباشر لإدارة الأزمات في غزة.
– مصر حريصة على ألا تتحول غزة إلى ساحة صراع إيراني-إسرائيلي يؤثر على أمنها.

– التعاون الاقتصادي المحتمل:
– قد تبحث البلدان عن فرص تجارية (مثل تصدير الغاز الإيراني عبر مصر) أو استثمارات في إعادة إعمار سوريا واليمن.
– لكن العقوبات الأمريكية على إيران قد تعيق هذا التعاون.

4. التحديات والمخاطر:

– العلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل:
– مصر حريصة على عدم إثارة غضب واشنطن أو تل أبيب بالتقارب مع إيران، خاصة مع اعتمادها على المساعدات الأمريكية.
– إسرائيل تراقب أي تقارب مصري-إيراني بقلق، خاصة في ظل التوتر النووي الإيراني.

– الخلافات الأيديولوجية:
– مصر دولة سنية محافظة، وإيران تمثل القيادة الشيعية، مما قد يخلق توترات مع الأزهر والمؤسسة الدينية المصرية.
– ملف حقوق الإنسان (مثل علاقة إيران بحركات المقاومة) قد يكون عائقًا.

الخلاصة

الزيارة تمثل خطوة استراتيجية من كلا البلدين لتعزيز نفوذهما الإقليمي في ظل تحولات جيوسياسية كبرى (الصعود الصيني، تراجع النفوذ الأمريكي، المصالحات العربية-الإيرانية). لكن نجاح هذا التقارب سيعتمد على قدرة الطرفين على تجاوز الخلافات التاريخية وموازنة علاقاتهما مع القوى الدولية. إذا تكلل الأمر بتطبيع كامل، فقد يُعيد تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط، خاصة في ملفات مثل غزة واليمن وسوريا.