
اليوم قالوا لي:
ما تكفي”…
وبعدها بساعات… ماتت ابنتي بين أحضاني.
اسمها زهراء.
خمسة عشر عامًا فقط…
وكانت كل حياتي.
أمها… ماتت في حرب تحرير الموصل.
نجت زهراء يومها…
وظننت أن النجاة تعني أنها كُتبت للحياة.
قبل أسبوع… كانت تضحك.
تقف أمام المرآة، تسألني إن كان شعرها جميلاً.
كنت أقول لها: “أنتِ أجمل بنت في الدنيا”…
فتضحك، وكأن العالم ما زال بخير.
ثم جاء المرض… بلا موعد.
حرارة مفاجئة.
ارتباك في الكلام.
جسدها ينهار أمامي.
قالوا لي:
صدمة إنتانية (Septic Shock)
لم أفهم الكلمة…
لكنني فهمت أن الوقت لا ينتظر أحدًا.
ركضت بها إلى المستشفى الحكومي.
ازدحام.
أصوات.
وجوه مرهقة لا تنظر طويلًا.
كنت أبحث عن طبيب… عن جهاز… عن أي شيء.
نظروا إليها… ثم إليّ.
وقالوا بصوت اعتاد العجز:
“ماكو إمكانيات… جرّب أهلي.”
“أهلي”…
تعني أن الحياة لها سعر.
وصلت إلى المستشفى الأهلي وأنا أحملها بين ذراعيّ.
أرضية السيراميك كانت تلمع من شدة النظافة،
تعكس ضوء السقف الأبيض…
كأن المكان لا يعرف الفوضى… ولا يعرف الموت.
اقتربوا بسرعة.
نظروا إليها… ثم سألوني:
“وين أمها؟”
قلت:
“ماتت بحرب تحرير الموصل…
هاي نجت.”
سكتوا لحظة.
ثم جاء السؤال الحقيقي:
“عندك فلوس؟”
لم يسألوا عن حرارتها.
لم يسألوا عن ألمها.
فقط… كم تملك؟
أخرجت ما في جيبي.
ورقة واحدة… مئة دولار.
كانت كل ما لدي.
مددت يدي بها…
كأنني أقدّم ما تبقى من حياتي.
نظروا إليها… ثم إليّ.
قالوا بهدوء:
“ما تكفي.”
بهذه الكلمة…
أُغلق الباب الأخير.
عدت بها إلى البيت.
لا مستشفى.
لا خطة.
لا أحد.
فقط أنا… وهي… والوقت الذي ينسحب من بين يديّ.
جلست قربها.
أنفاسها تتسارع.
عيناها تبحثان عني.
قالت بصوت خافت:
“بابا… راح أطيب؟”
في تلك اللحظة…
تمنيت لو أن الكذب ينقذ الأرواح.
لكنني صمتّ…
وكان صمتي هو الجواب.
في الليل…
حملتها بين ذراعيّ.
حرارتها تحرق صدري…
ويدي لا تملك شيئًا.
أنفاسها بدأت تتباعد…
ثم… اختفت.
بهدوء.
قاسٍ.
لا يُحتمل.
اليوم… ماتت ابنتي بين أحضاني.
وأنا الآن…
لا أسأل عن المستشفى.
ولا عن الأطباء.
أنا أسأل:
كيف تنجو طفلة من حرب…
ثم تموت لأن “ما تكفي”؟
وكم حياة أخرى…
ستُقاس بهذه الكلمة؟
























