ما‭ ‬تكفي‮…‬‭ ‬فماتت-د. فاروق الدباغ

اليوم‭ ‬قالوا‭ ‬لي‭:‬

ما‭ ‬تكفي”‮…‬

وبعدها‭ ‬بساعات‮…‬‭ ‬ماتت‭ ‬ابنتي‭ ‬بين‭ ‬أحضاني‭.‬

اسمها‭ ‬زهراء‭.‬

خمسة‭ ‬عشر‭ ‬عامًا‭ ‬فقط‮…‬

وكانت‭ ‬كل‭ ‬حياتي‭.‬

أمها‮…‬‭ ‬ماتت‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬تحرير‭ ‬الموصل‭.‬

نجت‭ ‬زهراء‭ ‬يومها‮…‬

وظننت‭ ‬أن‭ ‬النجاة‭ ‬تعني‭ ‬أنها‭ ‬كُتبت‭ ‬للحياة‭.‬

قبل‭ ‬أسبوع‮…‬‭ ‬كانت‭ ‬تضحك‭.‬

تقف‭ ‬أمام‭ ‬المرآة،‭ ‬تسألني‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬شعرها‭ ‬جميلاً‭.‬

كنت‭ ‬أقول‭ ‬لها‭: ‬“أنتِ‭ ‬أجمل‭ ‬بنت‭ ‬في‭ ‬الدنيا”‮…‬

فتضحك،‭ ‬وكأن‭ ‬العالم‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬بخير‭.‬

ثم‭ ‬جاء‭ ‬المرض‮…‬‭ ‬بلا‭ ‬موعد‭.‬

حرارة‭ ‬مفاجئة‭.‬

ارتباك‭ ‬في‭ ‬الكلام‭.‬

جسدها‭ ‬ينهار‭ ‬أمامي‭.‬

قالوا‭ ‬لي‭:‬

صدمة‭ ‬إنتانية‭ (‬Septic‭ ‬Shock‭)‬

لم‭ ‬أفهم‭ ‬الكلمة‮…‬

لكنني‭ ‬فهمت‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬لا‭ ‬ينتظر‭ ‬أحدًا‭.‬

ركضت‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى‭ ‬الحكومي‭.‬

ازدحام‭.‬

أصوات‭.‬

وجوه‭ ‬مرهقة‭ ‬لا‭ ‬تنظر‭ ‬طويلًا‭.‬

كنت‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬طبيب‮…‬‭ ‬عن‭ ‬جهاز‮…‬‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬شيء‭.‬

نظروا‭ ‬إليها‮…‬‭ ‬ثم‭ ‬إليّ‭.‬

وقالوا‭ ‬بصوت‭ ‬اعتاد‭ ‬العجز‭:‬

“ماكو‭ ‬إمكانيات‮…‬‭ ‬جرّب‭ ‬أهلي‭.‬”

“أهلي”‮…‬

تعني‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬لها‭ ‬سعر‭.‬

وصلت‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى‭ ‬الأهلي‭ ‬وأنا‭ ‬أحملها‭ ‬بين‭ ‬ذراعيّ‭.‬

أرضية‭ ‬السيراميك‭ ‬كانت‭ ‬تلمع‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬النظافة،

تعكس‭ ‬ضوء‭ ‬السقف‭ ‬الأبيض‮…‬

كأن‭ ‬المكان‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬الفوضى‮…‬‭ ‬ولا‭ ‬يعرف‭ ‬الموت‭.‬

اقتربوا‭ ‬بسرعة‭.‬

نظروا‭ ‬إليها‮…‬‭ ‬ثم‭ ‬سألوني‭:‬

“وين‭ ‬أمها؟”

قلت‭:‬

“ماتت‭ ‬بحرب‭ ‬تحرير‭ ‬الموصل‮…‬

هاي‭ ‬نجت‭.‬”

سكتوا‭ ‬لحظة‭.‬

ثم‭ ‬جاء‭ ‬السؤال‭ ‬الحقيقي‭:‬

“عندك‭ ‬فلوس؟”

لم‭ ‬يسألوا‭ ‬عن‭ ‬حرارتها‭.‬

لم‭ ‬يسألوا‭ ‬عن‭ ‬ألمها‭.‬

فقط‮…‬‭ ‬كم‭ ‬تملك؟

أخرجت‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬جيبي‭.‬

ورقة‭ ‬واحدة‮…‬‭ ‬مئة‭ ‬دولار‭.‬

كانت‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬لدي‭.‬

مددت‭ ‬يدي‭ ‬بها‮…‬

كأنني‭ ‬أقدّم‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬حياتي‭.‬

نظروا‭ ‬إليها‮…‬‭ ‬ثم‭ ‬إليّ‭.‬

قالوا‭ ‬بهدوء‭:‬

“ما‭ ‬تكفي‭.‬”

بهذه‭ ‬الكلمة‮…‬

أُغلق‭ ‬الباب‭ ‬الأخير‭.‬

عدت‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭.‬

لا‭ ‬مستشفى‭.‬

لا‭ ‬خطة‭.‬

لا‭ ‬أحد‭.‬

فقط‭ ‬أنا‮…‬‭ ‬وهي‮…‬‭ ‬والوقت‭ ‬الذي‭ ‬ينسحب‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬يديّ‭.‬

جلست‭ ‬قربها‭.‬

أنفاسها‭ ‬تتسارع‭.‬

عيناها‭ ‬تبحثان‭ ‬عني‭.‬

قالت‭ ‬بصوت‭ ‬خافت‭:‬

“بابا‮…‬‭ ‬راح‭ ‬أطيب؟”

في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‮…‬

تمنيت‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬الكذب‭ ‬ينقذ‭ ‬الأرواح‭.‬

لكنني‭ ‬صمتّ‮…‬

وكان‭ ‬صمتي‭ ‬هو‭ ‬الجواب‭.‬

في‭ ‬الليل‮…‬

حملتها‭ ‬بين‭ ‬ذراعيّ‭.‬

حرارتها‭ ‬تحرق‭ ‬صدري‮…‬

ويدي‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬شيئًا‭.‬

أنفاسها‭ ‬بدأت‭ ‬تتباعد‮…‬

ثم‮…‬‭ ‬اختفت‭.‬

بهدوء‭.‬

قاسٍ‭.‬

لا‭ ‬يُحتمل‭.‬

اليوم‮…‬‭ ‬ماتت‭ ‬ابنتي‭ ‬بين‭ ‬أحضاني‭.‬

وأنا‭ ‬الآن‮…‬

لا‭ ‬أسأل‭ ‬عن‭ ‬المستشفى‭.‬

ولا‭ ‬عن‭ ‬الأطباء‭.‬

أنا‭ ‬أسأل‭:‬

كيف‭ ‬تنجو‭ ‬طفلة‭ ‬من‭ ‬حرب‮…‬

ثم‭ ‬تموت‭ ‬لأن‭ ‬“ما‭ ‬تكفي”؟

وكم‭ ‬حياة‭ ‬أخرى‮…‬

ستُقاس‭ ‬بهذه‭ ‬الكلمة؟