ماكرون يبدأ مرحلة الواقعية السياسية الجديدة حيال سوريا

باريس,-(أ ف ب) – باشر الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون رسميا مرحلة جديدة من الواقعية السياسية حيال سوريا من أولوية مكافحة الإرهاب الى التقارب مع موسكو منهيا بذلك حقبة من الدبلوماسية طالبت برحيل الرئيس بشار الأسد ووضعت القرار السياسي للنزاع في صلب الملف.

وبشكل مفاجئ، حدد الرئيس الفرنسي موقفه في فقرتين خلال مقابلة مع ثماني صحف أوروبية نشرت الخميس قائلا “”لم أقل بوضوح ان إزاحة الاسد تشكل شرطا مسبقا لكل شيء، لان أحدا لم يقدم لي خليفته الشرعي”.

وهذه الصيغة تضفي صبغة رسمية على انعطافة بدات بعد هجمات تشرين الثاني/نوفمبر 2015 في باريس، الا انها أثارت الاستهجان في أوساط المعارضة السورية التي تعتبر فرنسا أبرز داعميها منذ فترة طويلة.

وكتب خالد خوجة، من المعارضة السورية على حسابه في تويتر “هذه التصريحات مفاجئة ففرنسا كانت ضمن أربع دول فقط من كل مجموعة نواة +الأصدقاء+ إلى جانب بريطانيا وتركيا وقطر داعمة لرحيل بشار الكيماوي”.

كما كتب المعارض أحمد رمضان على تويتر أيضا “عار على فرنسا ان لا يرى رئيسها إيمانويل ماكرون بشار عدوا لها او للبشرية”.

وفي باريس، رفض “سفير” المعارضة منذر ماخوس التعليق قبل “فهم” المعنى الدقيق لما قاله ماكرون.

وطالما كانت فرنسا لسنوات عدة إحدى أكثر البلدان المعارضة بشراسة للأسد الذي ينظر إليه على أنه المسؤول الرئيسي عن سفك الدماء وبأنه “جاذب” للإرهابيين من جميع أنحاء العالم.

وكان وزراء خارجية الرئيس الاشتراكي السابق فرنسوا هولاند يكررون عبارة ان “الأسد وداعش هما وجهان لعملة واحدة”، ومن الممكن تلخيص عقيدتهم على النحو التالي: “لا للأسد ولا للدولة إسلامية”.

لكن هذه العقيدة أصيبت بالوهن بعد هجمات عام 2015 التي خُطط لها في سوريا، وقرر هولاند حينها ان الاولوية هي للمعركة ضد الإرهاب في الازمة السورية مع تاكيده بانتظام أن الاسد لا “يمثل المستقبل” في بلد دمرته ست سنوات من النزاع وحصيلة مرعبة مع 320 الف قتيل وملايين النازحين واللاجئين.

– براغماتي –

وهناك ايضا تغيير آخر، فالحل السياسي للنزاع لم يعد في صلب المسألة كما يبدو.

وخلال المقابلة أكد ماكرون “نحن بحاجة إلى خارطة طريق دبلوماسية وسياسية” لكنه لم يذكر الأمم المتحدة مرة واحدة.

ورغم ضعفها وفشل المفاوضات السورية في جنيف، يبقى قرار مجلس الأمن رقم 2254 الصادر عام 2015 حتى الآن معيارا لحل النزاع.

من جهته، أوضح مصدر دبلوماسي ان “تغيير النهج واضح. نطالب منذ سنوات برحيل الأسد لكن ذلك لم يؤد إلى نتيجة. أما على الصعيد الدبلوماسي، فلم يتم احراز اي خطوة وجنيف لا تقدم شيئا يذكر (…) لا يمكننا أن نستمر بهذا الشكل”.

وتابع ماكرون انه بالنسبة الى سوريا، فان “خطوطي واضحة أولها: المعركة المطلقة ضد كل الجماعات الإرهابية. هؤلاء هم أعداؤنا. نحن بحاجة إلى تعاون الجميع للقضاء عليهم، وخصوصا روسيا”.

وباريس التي كانت منذ بضعة أشهر تتهم موسكو بالتواطؤ مع “جرائم حرب” خلال استعادة حلب، أصبحت متقاربة بشكل واضح مع روسيا الحليف الذي لا يتزعزع لنظام دمشق، وتأمل في العودة الى الساحة للاستفادة من غياب الرؤية لدى الأميركيين.

وكان ماكرون التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أواخر أيار/مايو في فرساي، ورغم لهجته الحادة فقد اقترح بوضوح شراكة جديدة تقوم على مكافحة الإرهاب.

وكان وزير الخارجية جان إيف لو دريان أيضا في موسكو الثلاثاء لوضع الأسس لهذه العلاقة الجديدة في إطار “الثقة”.

الا ان ماكرون أبدى حزما بإعادة تاكيد “الخطوط الحمر” مثل “الأسلحة الكيميائية ووصول المساعدات الإنسانية”، التي قال إنه سيكون “صعبا” حيالها.

وكرر القول إن فرنسا ستشن الضربات في حال استخدام الأسلحة الكيميائية الا انه لم يوضح شيئا عن الكيفية التي يعتزم بموجبها فرض خط أحمر في الشان “الإنساني” أو إذا كان أبلغ الروس بمطالب محددة.

وقال كريم بيطار، الخبير في شؤون المنطقة ان ماكرون “براغماتي وليس انفعاليا وهو يضع أولويات. كما انه لا يرتاح الى بوتين أو الأسد. دعنا نقول اننا في منتصف الطريق بين الواقعية وعدم الاكتراث”.