لويز غليك .. صوت سردي يضيء عتمة الإنسان بعد نوبل – عصام البرّام

لويز غليك .. صوت سردي يضيء عتمة الإنسان بعد نوبل – عصام البرّام

في عام 2020، حين كان العالم يترنح تحت ثقل الجائحة وتبدّل الموازين، لاحت من بعيد ومضة أدبية هادئة جاءت لتذكّر القراء بأن للإنسان في لحظات الاضطراب ملاذاً آخر اسمه الأدب. في ذلك العام أعلنت الأكاديمية السويدية فوز الكاتبة والشاعرة الأميركية لويز غليك بجائزة نوبل في الأدب، لتضيف اسماً جديداً إلى سجل الأدباء الذين أعادوا تعريف الكتابة بوصفها معبراً حساساً نحو الداخل الإنساني. ورغم أنها تُعرف في المقام الأول بصفتها شاعرة، فإن حضورها السردي واضح في معظم أعمالها، فالحدود بين الشعر والسرد عند غليك تذوب في أحيان كثيرة لتنتج نصاً يجمع بين صفاء اللغة وعمق الرؤية، نصاً يستطيع أن يخلق شخصيات ومشاهد كاملة من خلال كلمات قليلة لكنها مشحونة بالدلالة. ومن هنا جاء الاهتمام بها عربياً وعالمياً بوصفها إحدى أهم الأصوات الأدبية التي تمتلك قدرة على إنتاج سرد شعري لا يقل في قوته عن الرواية التقليدية.

امتداد طبيعي

وُلدت غليك في مدينة نيويورك عام 1943، ونشأت في أسرة يغمرها الشغف بالقراءة، ما جعل من الكتابة امتداداً طبيعياً لطفولتها. عانت خلال سنوات شبابها من اضطرابات الأكل ومن شعور دائم بالافتقار إلى الاستقرار الداخلي، لكن الكتابة كانت العلاج الذي قادها إلى مصالحة الذات. من خلال مراحل متعددة من حياتها، تشكل لديها وعي بأن الأدب ليس ترفاً بل ضرورة وجودية، وأن السرد ـ سواء أكان شعراً أم نثراً ـ هو الطريقة المثلى لفهم ما يختبئ في ثنايا الروح من أسئلة وذكريات وآلام. هذا الإيمان بالكتابة بوصفها خلاصاً انعكس واضحاً في أعمالها التي تميل إلى الغوص في العلاقات الإنسانية المتصدعة والبحث عن الأصل المفقود في كل تجربة وجودية.

حين نقرأ لغليك نجد أن صوتها الأدبي يقوم على البساطة الظاهرة التي تخفي وراءها عمقاً هائلاً. فهي لا تحتاج إلى زخرفة لغوية ولا إلى بناء صاخب، بل تعتمد على جملة حادة، مكثفة، تشبه الضوء الذي يقتحم العتمة دون ضجيج. ولعل هذه السمة هي ما جعل الأكاديمية السويدية تصفها بأنها تمتلك “صوتاً شعرياً ذا جمال صارم يجعل الوجود الفردي عاماً”، وهو وصف يقدم مفتاحاً لفهم عالمها: عالم يبدو للوهلة الأولى شخصياً، لكنه يكشف عند التمعّن عن مشترك إنساني راسخ.

من أبرز أعمال غليك التي يمكن النظر إليها بوصفها روايات شعرية متكاملة تلك المجموعات التي تبني سرداً داخلياً يبدأ من الذات ويتسع ليلامس الوجود والحياة والموت. في مجموعتها “حديقة إيروس” الصادرة عام 1968، تقدم صوتاً شاباً يبحث عن الهوية من خلال علاقة الفرد بجسده وبالطبيعة. وفي هذا العمل، تقترب غليك من تقاليد الميثولوجيا اليونانية لتعيد صياغة الأساطير في إطار معاصر يعكس صراع الإنسان بين الرغبة والواجب، وبين الحب والخسارة. يتجلى هذا الميل إلى توظيف الأسطورة أيضاً في مجموعتها الشهيرة “أريل”، وهي إحدى المحطات البارزة في تجربتها، حيث تتخذ من شخصية آرتميس رمزاً للمرأة التي تخوض معركتها الدائمة من أجل الاستقلال. هنا يظهر السرد الشعري بصفته جسراً بين الحكاية والأسطورة، فيتحول النص إلى عالم تتقاطع فيه العوالم القديمة مع النفس الحديثة.

أما مجموعتها “زهرة البرقوق البري” فهي تجربة أكثر نضجاً، حيث يتسع السرد ليشمل التأمل في الزمن والإرث الإنساني. في هذا العمل، تبوح غليك بخوفها من الفناء وتعرض أسئلة الإنسان حول ما يبقى منه بعد الرحيل. تتناول العلاقات العائلية المتقطعة وندوبها التي لا تلتئم بسهولة، وتستدعي ذكريات الأمومة والبنوة لتصنع سرداً يبدو وكأنه رواية مكسورة إلى شظايا، كل شظية منها تحمل نبرة اعتراف ووخزة ألم. هذا الأسلوب المبتكر يجعل القارئ يعيش التجربة كما لو كان هو نفسه جزءاً من الحكاية، يستعيد معها تفاصيل عاشها أو يخاف أن يعيشها يوماً

وتعد مجموعة “الإنقاذ” واحدة من الأعمال التي تكشف مقدرة غليك السردية بشكل واضح. في هذا العمل تتخذ من الفقد نقطة انطلاق نحو رحلة داخلية طويلة تبحث فيها عن معنى الانكسار وما يعنيه أن ينهض الإنسان بعد السقوط. النص مليء بصور البحر والغرق والتمسك بالحياة، وهي استعارات تعكس صراعات الإنسان مع ذاته ومع الظروف التي تعصف به. هنا، تظهر براعتها في رسم رحلة تشبه سيرة ذاتية مكثفة، لكنها في الحقيقة تتجاوز الذات لتصبح سيرة مشتركة لكل من مرّ بتجربة الخسارة

دورة فصول

ولعل “أغاني الشتاء” هي المجموعة التي تبرز فيها قدرة غليك على خلق عالم سردي كامل عبر قصائد قصيرة. فاختبارها للبرد والظلام والغياب يشكل خلفية لمشهديات متتابعة تتناول فيها الذاكرة العائلية وعلاقة الإنسان بدورة الفصول. الشتاء هنا ليس مجرد فصل، بل هو رمز للمراحل القاسية التي يعبرها الإنسان، ولهذا تبدو القصائد كأنها فصول رواية مشدودة بخيط رفيع من الألم والحنين. وفي هذا السياق، يكتمل نضج تجربتها التي تتميز بالهدوء الظاهري الذي يخفي انفجارات داخلية يحسها القارئ بين السطور

إن الحديث عن لويز غليك هو حديث عن كاتبة تنتمي إلى ذلك النوع من الأدباء الذين لا يبحثون عن الأضواء، بل يفضلون أن يتركوا أعمالهم تتحدث عنهم. فهي شديدة التحفظ، نادراً ما تظهر في الإعلام، وتكتفي بالكتابة كطريق وحيد للتعبير عن ذاتها. وربما كان هذا الانعزال أحد الأسباب التي جعلت عالمها شديد الخصوصية، عالم تتشكل فيه اللغة كما لو كانت صدىً لصوت داخلي لا يسمعه إلا من يقترب من النص بروح متفتحة ومستعدة للإنصات. وما يميز هذا الصوت أنه يمكن أن يتحول إلى سرد داخلي متدفق يجعل القصيدة أشبه بمشهد روائي، حتى وإن كانت لا تتجاوز عدة أسطر

وقد جاء فوزها بجائزة نوبل ليشكل لحظة اعتراف عالمي بمكانتها وبمنجزها الممتد على مدى عقود. فقد استطاعت أن تقدم نموذجاً مختلفاً للكتابة الأدبية، نموذجاً يرفض القوالب الجاهزة ويبحث عن الجوهر في أبسط التفاصيل. إن سردها الشعري يقدم صورة الإنسان في هشاشته وقوته، في انكساراته ونهوضه، وفي بحثه الدائم عن معنى يتجاوز العابر ويصل إلى ما هو أعمق. وهذا ما جعل أعمالها، على اختلاف موضوعاتها، جزءاً من المكتبة العالمية التي تُقرأ بوصفها أعمالاً تعيد اكتشاف الإنسان من جديد

اليوم، بعد مرور سنوات على فوزها بنوبل ورحيلها الذي ترك صدىً واسعاً في الأوساط الأدبية، تزداد أهمية قراءة أعمال لويز غليك. فهي تقدم نموذجاً للكتابة التي تذكّرنا بأن الأدب ليس مجرد حكاية تُروى أو شعر يُنشد، بل هو محاولة لفهم العالم ولإعادة بناء الذات في لحظات اليأس والأمل. إن عالم غليك الأدبي، بما يحمله من سرد داخلي متماسك، سيبقى شاهداً على قوة الكلمة وقدرتها على التغيير، وعلى أن الأدباء الذين يكتبون من القلب يصلون في النهاية إلى قلوب القرّاء مهما كانت المسافات.