
مزيج من الأسطورة والفولكلور والواقعية
لماذا نقرأ إسماعيل كاداريه ؟ – ديفيد بيلوس
ترجمة: خضير اللامي
في قراءته وجد ديفيد بيلوس ، أنًّ جميع العالم بصيغة أدبية : مزيجا كاملا من الإسطورة والفولكلور وواقعية محليّة ، في تصوّره للعالم هذا – فضلا عن ذلك ، يتميز بنوع نكاته الساخرة . إنّ السبب الرئيس والأهم ، في أوليّة قراءة إسماعيل كاديريه ، هو أنه كاتب قصص قصيرة عظيم ؛ فهو يسرد ، هذه القصص بإسلوب مدهش . وقد قدّم الكثير في هذا الحقل القصصي .
وبطريقة ما ، فهو شبيه ببلزاك ، بيد أنّ بلزاك حدّد نفسه في مكان واحد ، وزمن واحد ؛ هو باريس في عشرينيات 1820 – وبطريقة ما – بإستناء المحافظات الفرنسية في عصر النهضة ؛ حيث ينقلنا الى كل مكان : الى مصر القديمة ، والى الصين المعاصرة ، وإلى مكانات سياحية في البلطيق ، والى موسكو ، واستراليا ، والى الإمراطورية العثمانية . وهو بهذا ، شبيه بجوليس فيرني Jules Verne- وهو بهذا ايضا هو ؤهل في جولاته حول العالم .
فإنْ قرأت إسماعيل كادريه ، فإنّك ستغطي كل العصور، منذ اختراع الكتابة : ومنذ بناء الأهرامات العظيمة ، ومنذ جدال عصر الهكسوس، في ثمانينيات عصرهم في ألبانيا ، والى زمن الأحداث والأوضاع ، التي حدثت في أوربا الغربية حيث سقوط الكومونة .
والعدد الهائل لقصص اسماعيل كاديريه ، إنطلق في القرن التاسع عشر، والقرن العشرين . فقصة سقوط نيسان مثلا ، نُشرت في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وقصة العصر الحجري صدرت في 1940 . وصدرت قصة الجنرال الميت في خمسينيات القرن القرن التاسع عشر ، أما قصة إبنة الجنرال فصدرت في سبعينيات القرن التاسع عشر . إنّ هذه القصص وغيرها، تتيح لك قراءة التاريخ الألباني – فضلا عن تاريخ العالم – من خلال موشورالعمل السردي – وهذا سبب إيجابي ، يدفعنا الى قراءة الأعمال السردية لكاديريه . ولماذا أحببت أنا هذا بالذات . ذلك ، إنّ كاديريه قرأ كثيرا ليتكلم مع عالم متواز . وبعلاقة متينة مع شيء أحبه . إنّه يجمع العالم كلّه بصيغة أدبية إبداعية .
مؤهلات كاداريه
ويفكر كاديريه بالطبع بأشياء كثيرة ، فضلا عن كونه كاتب قصص قصيرة ، وكاتب مسرحي ، وكاتب مقالات أيضا . وكان يعمل محررا في حقل الصحافة . وهو في سيرته الطويلة هذه ، حصل على شهرة مبكرة ، بوصفه شاعرا في البانيا المعاصرة ؛ بيد أنّ قرّاء اللغة الإنجليزية يعرفونه بوصفه ساردا روائيا . وهذا ليس شيئا سيئا بالطبع ، لأنه الى حد بعيد في مسيرة نشاطاته التي صاغت هذا العمل أجمع .
لكن كاديريه لم يكتب جنسا واحدا حسب ، بل إنّ بعض أعماله القصصية ، كانت قصيرة جدا لا تتجاوز خمس صفحات ، كما في قصة : حلم ساعي البريد . أما القصص الأخرى ، فنطلق عليها الحكايات العظيمة التي تستقيم ما يقارب عن، 500 صفحة من القطع الكبير ، وربما أكثر . ومن بينها ، قصص طويلة وقصيرة ، مثل ، بنت أغا ممنون ، فضلا عن ذلك ، مارس كاديريه كتابة ما يسمى النوفيلا ، والتي يرغب أنْ يطلق عليها ” ميكرو نوفيلا . ” مثل : طيران اللقلق .” ومن بعد ذلك مارس كتابة : روايات متوسطة الطول ، كما رواية : انكسار شهر نيسان ” ومن بعد ذلك ، إزدهرت لديه الروايات الرومانسية – fleuves – من ضمنها حفلة موسيقية، والشتاء العظيم . وهكذا ، فإنّ صيغة البناء العادي يتضمن تنّوعا هائلا لنكتشف من خلال العمل الذي يكتشف هو الآخر العالم بأجمعه .
وعادة ما نقرأ كاديريه ، بوصفه كاتبا ، يتحدث حقا ، وبصراحة ،عن حياته في البانيا ، تحت ظل نظام الهكسوس . وبالتأكيد ثمة حقيقة خياليه ،أنّ جميع الأمكنة المختلفة ، زمانا ومكانا ، في عالم كاديريه تزيح الصور. ولكن ، لا يسمح لك أنْ تعرف ذلك ، ولا تحتاج أْن تبدي أيّ ملاحظة ، كي تقرأ كاديرية . فبإمكانك أنْ تقرأ قصصه ببساطة ، بوصفها سرديات قصصية . وبإمكانه أن يجعلك تستمتع برؤية الأشباح ، في حفلات الأعراس التي تسافر مئات الأميال ، في الليل على ظهر خيول طائرة ، بين الجثث التي تظهر لك من المقابر ، هنا وهناك… في كلّ أصناف الأشياء التي لا تبدو أنها جاذبة للقاريء المعاصر ، كما لكاتب هذه السطور . لكن مزجه الإسطورة والفولكلور ، مع صور العقول المعاصرة ، وواقعيات عقول معاصرة محلية أخرى، كي تهيمن عليك ، وجدت نفسي ، وأنتم أيها القراء ايضا ، أنّ عالم كاديريه ذو مستويات عدة ، بما فيها اللامنطقي واللامحدود فضلا عن الغرائبي .
وإنًّ واحدة من أكثرالأشياء اللافتة ، في عالم كاديريه التي تلوح في الافق ، هي حضورأساطير اليونان القد يمة ، وليست مثيولوجيات اليونان كلّها . ولكن ، هذه الأساطير، تُعدّ تهويلا لكراهية الإسرة . إنّ تأثير الفساد المرعب للاقتراب من السلطة ، أو القوى الحاكمة . والشيء الثاني الذي دائما ما يكون حاضرا لكاديرا هو الاقتراب من السلطة ، هو السرد الفولكلوري . وأطلق عليه ، بعد ذلك “البلقان .” وببساطة أفضل من تسمية الباني. لأنّ هذا حكايات هذا التراث موجود في كثير من اللغات الأخرى في المنطقة . وفي الحقيقة ، أنّ كاديريه يُمْسِرح بدقة ،هذا الموضوع في المناطق ذات الجذورالإثنية ، في ثقافات البلقان ، في ملف The File H ، وهو واحد من أهم الملفات ، في الدخول الى حكاياته الفولكلورية ، التي تعتمد على استغلال التاريخي على الأميركيين المعنيين على الحدود الالبانية في ثلاثينات سنوات 1930 .
وصيغة الأبعاد الثلاثة السائدة التي أريد أنْ أذكرها هنا، هي أنًّ كاديرا يكتشف في الغالب ، كل قصة من قصصه ، التي تربط بين الشخصي والسياسي . وليست السياسات بالمعنى الموضعي ، وهذا يعني ، كيف أن ّالمجاميع أوالاشخاص ، او السخرية من الأفراد ، تُمارس القوة ضدهم .
والميزة الأخرى ، لعالم إسماعيل كاديريه دعنا – نطلق عليها كاديريًّة – إنها الجو ، والمناخ ، الذي يقول الآخرون عنه وظيفة ، وغالبا ما يشبه الشخصية في حقوقها، والتي تجعل من مناخ سكوتلندة ، كما يبدو في المقارنة ؛ وكما لو أنه شافٍ ، وكما لو أنه نهر الريفيرا الإيطالي . وبوصفك قارئا فإنك سرعان ما تمسك بأبعاد تحوّلات ما يصفه كوديريه للأحوال الجوية – ضباب ، رذاذ ، ،أمطار ، ثلوج ، برد ، وغيوم – ومنذ أْنْ تحوّلت أجواء ألبانيا ؛ فهو في الحقيقة يشبه أكثر، نهر ريفيرا الإيطالي ، من ضفاف لوج لومون¨ Loch lomond. اذ أنه ليس من المعقول لأيّ مشهد طبيعي . ولكنْ مفتاح العلامات للمزاج الذي يعلمك أو يشير الى أنّ القادم ، لا يبعث في داخلك السرور ، ولكنها تفعل اكثر من ذلك : إنّ أيّ عذراء شقراء ولامعة ، تجلس منفرجة الساقين اللامعتين ، تجلب من أشعة الشمس ، حصادا ناضج البذور . وإنّ ذلك العمل ، لا يتضمن مسار شاحنة ، معبأة مفروضة على الأدب الالباني من قبل السوفييت للواقعية الاجتماعية . إنها حقا إسلوب خبيث نحت بإسلوب فريد ، لا يحظى بالتقدير ابدا .
وكثيرمن شخصيات كاديريه ؛ أنها أحيانا غير متأكدة ، فيما اذا كانت مستيقظة ، أو في دورسبات . إنها مقدمة نموذجية للحياة الداخلية ؛ تبدأ بغطرسة : تبدو له أنها …. لم يكن متأكدا تماما . وهكذا …. والحدود بين أنْ تكون قادرا أن ترى بوضوح ، أو لست قادرا على ذلك . وإنّ الحدود بين أنْ تكون قادرا . وهكذا ، حين تكتمل الرواية ؛ إن كانت إعادة قراءة لإسطورة ، مثل راكب الشبح شبه تاريخي، في رواية جنرال الجيش الميت . إنك لستَ متاكدا تماما إن كنت في حلم ، أو لا ؟ ويدافع كاديريه عنا ، باتجاه شك الإختلاف ، بين اليقظة والحلم . ويدفعنا للتفكير بالطرق حيث الحياة كما حلم . وبأي طريقة كابوس تجعلك تؤمن بالحياة
احلام قلعة
وهكذا ، وعلى النحو المشار إليه أعلاه ، فليس من الدهشة أنْ تكون أحلام القلعة – هي العمود الفقري، وعالم السارد الخيالي المتشابك : إنها رواية ذلك المكان ، في مركز إنشاء المجتمع الشريرالأوتوقراطي المتشعب ، والمكّرس للتلاعب في معالجة الأحلام ، وهو مركز تلك المؤسسة الحساسة ، والشاب المضطرب الذي في الحقيقة ، لا يعرف ماذا يفعل ولماذا قد انتهي من الجري طيلة كل هذا العرض؟!.
وأخيرا ، وفي حالة كل الندب التي هي خارج عنها ، ومنذ أنْ لم تكن جذابا الى العقول الضبابية ، تجعلك داخل وخارج قبعات الأحلام ، حيث هطول الامطار ، وسقوط الثلوج . وينبغي أن اظيف ، وبإصرار، أنّ كاديريه كان حقا يسخر . وعليك أنْ تغمر نفسك عميقا في هذا العالم المتوازي .
ولكن عليك ايضا ، أنْ تفعل ولو مرة واحدة ، أنّ تصعّر خدّك ، كنوع من الدعابة ، والسخرية على حد سواء ، ظرفيا ولفظيا . وربما من الإدهاش أنْ تأتي حفريات خبيثة حتى في ترجمات متعددة ومزدوجة .
وقد ذكر كاديريه أكثر من مرة ، أنّ قراءه ونقاده ، لا يعيرون كثير إنتباه لسياقاته الأدبية، لدعم هذا الإسلوب ، في قراءة أعماله ، وهنا ، أود التوضيح ، أنّ إسلوب كاديريه ، في سرد القصص القصيرة ، لم يتغير مقدار ذرة ، عِبر ستين سنة من عمره ، رغم المتغيرات الإجتماعية والجغرافية والسياسية ، ويتضح هذا ، من خلال نسيج أعماله الإبداعية .إنها تبدو كما لو أنّ كل عالم كاديريه المتخيَّل ، لا يمكن التعرّف عليها منذ أن نهض بمشروعه بالعمل ، وأنّ الأربعين أو الخمسين ، قصة ورواية ، التي انتجها منذ ذلك الحين ؛ هكذا تستمر، وليس من الدهشة ، أنّ قلعة الاحلام وفي تلك الرواية ، ثمة انجاز وملحمة شفوية تأخذنا الى الخلف تماما في عمل The File on H. والآن ، وهذا ما يشبه تماما إسلوب بلزاك ، في إخراج الشخصيات في عمل ” الكوميديا الإلاهية..” ولكن من وجهة نظري ، أنّ هذا اكثر مهارة ، لأنها لا تربط كثيرا تلك الحبكات السردية للرواية ، بوصفها نسيجا كاملا ، مع الإشارة ، والمرجعية في آن ، للعمل السردي الروائي بوصفه نسيجا متكاملا ، للإشارة والمرجعية معا ، أنه انجاز صاعق ، وهو في الوقت ذاته ، يعني أنّ كل قصة ، نقرأها لا تعني القصة ذاتها – إنّها إسهام لذاكرتنا ؛ وإستيعاب في القصص الأخرى التي نقرأها ، كما أنها إسهام يضاف الى ذاكرتك ، ومشاعرك ، في عالم مختلف يحلّ عليك ؛ كما غريب في حلم .
وبالطبع ، كلما قرأت اكثر ؛ كلما أدركت أكثر ، لآلاف الخيوط ، تلك التي تربط عمل كاديريه باللغة الإنجليزية ، وهذا زمن جيد ، واحسرتاه ! ثمة واحد من ثلاثة حسب .. برنستون ، نيوجرسي ..
إنّ كاتب المقال اعلاه ، ديفيد بيوس ، حاصل على درجة بروفيسور ، باللغة الفرنسية للاداب في جامعة برنستون ،كما قام بترجمة عدد من الاعمال الادبية ، فضلا عن ذلك قام بكتابة بيوغرافيات جورج بيرك، وجاك تاتي وكتابة مقدمة لدراسات الترجمة مثل : هل هذه سمكة في اذنك.. واخركتاب له ، هو : دراسة عن رائعة فكتور هيغو البؤساء ..
























