

عبد الجبار العتابي
دخلت دار سينما الخيام لأول مرة في العام 1978 بعد أن اغرتني جملة (فلم رعب) على واجهة فيلم اجنبي تعرضه الدار، وانا الشغوف بالأفلام الهندية فقط.
أدهشتني الرسوم في صالة العرض الشاهقة، وقد زينت الجدران الجانبية والثانوية بلوحات فسيفسائية رائعة جدا، صممت خصيصاً في إيطاليا، وبرسومات غاية في الجمال خاصة بعد انعكاس الاضواء من خلفها.. وان قيل لرسام ايطالي مغمور، وهي ترمز الى رباعيات الخيام، وتم استيراد السيراميك والصحيات من اسبانيا، اما السقف فكان مضاءا بمصابيح مرتبة بشكل محسوب يوحي بمنظر السماء والنجوم.
وحسب الكاتب حامد المالكي فان أصحاب الخيّام تعاقدوا مع الفنان جواد سليم ليزيّن جدران السينما، لكنهم ازاحوه لصالح فنان إيطالي مغمور، ولو أكمل جواد الرسوم، لأصبحت السينما، بل حتى عمارتها لا تقدر بثمن، فضلا عن التبريد وجمال المكان ومقاعدها الحمراء المتوهجة مثل زهر الرمان، فأحببتها وعاودت زيارتها وقد كانت تعرض افلاما مميزة وحديثة.
تؤكد المصادر التي بحثت فيها ان مالكها هو السيد اسكندر اسطيفان، وهو صاحب فندق (الخيّام) الذي يقع في الشارع نفسه، وهو تاجر أرمني معروف وليس كما يشاع من انه زوج المطربة (المسيحية) عفيفة اسكندر.
افتتحت دار السينما في شهر آيار من العام 1956 ، ويؤكد العارفون بأحوالها انها وصفت حينها بإنها أحدث دار سينما في الشرق الاوسط من حيث الرفاهية والراحة والفخامة والاناقة، باعتبارها اول صالة سينما تصمم بمقاييس عالمية حيث الصالة مكيفة والشاشة بعرض قياسي (50 قدم) وحيث الستائر الحمر التي تتحرك كهربائيا شيئا فشيئا فيما انعكاسات الاضواء الجانبية كانت تضفي عليها سحرا أخاذاً .
تشير المعلومات الى ان تكاليفها بلغت 300000 ثلاثمائة ألف دينار عراقي حينها، وان اجهزة العرض السينمائي لها استوردت من ارقى المعامل في بريطانيا..
وكان فيلم الافتتاح هو (هيلين الطروادية Helen of Troy من إخراج روبرت وايز، 1914- 2005م) ، تمثيل جاك سيرناس وروزانا بوديستا، وهو من انتاج العام 1956 ، أي العام نفسه الذي افتتح فيه دار السينما .
تحتوي السينما على 1500 مقعد، وزعت على عدد من الدرجات والكابينات العائلية التي تسمى (اللوج) حيث تم استيراد هذه المقاعد من الولايات المتحدة الاميركية، وصممت بشكل متحرك ليكون اكثر راحة لجلوس المشاهد، وتميزت بروعة الافلام الاجنبية المعروضة فيها، ولها ميزة اخرى وهي ان هناك مبدأ الحجز عبر الهاتف، فيما عروض حفلاتها تتواصل الى خمسة ادوار في اليوم، آخرها ينتهي في الساعة الثانية ليلا، ويؤكد العارفون بشؤونها انها كانت تستقبل نحو 12500 متفرج يوميا .
ومن الاحداث المهمة التي خلدتها سينما الخيام هو العرض الذي قدمه أسطورة موسيقى الجاز ديف بروبيك في عرض حي في شهر آيار من العام 1958، وحسب الزميل علي عبد الامير ففي حفل بروبيك وفريقه الرباعي في مسرح سينما الخيام ببغداد، استمع متذوقون من ابناء الطبقة المتوسطة المتعلمة، ودبلوماسيون الى أنغام ومقطوعات من اسطوانة “تايم آوت” التي أصبحت أول اسطوانة لموسيقى الجاز تبيع أكثر من مليون نسخة و اسطوانة “خذ خمسة” الموضوعة اليوم في “قاعة المشاهير” بالمبنى الرئيسي لمؤسسة “جائزة غرامي” التي يحلو لي تسميتها بانها “أوسكار الموسيقى”.
و يقول الكاتب غسان رسام: قال لي ديف بعد سنين منذ قدومه بغداد ان ايامه القصيرة في بغداد كانت من اجمل ما رآه في جولته وانه بهر بالعراقيين وحفاوتهم الاسطورية، حسب كلامه، وكذلك اتقانهم الانجليزية افضل حتى من الهنود.
اما الحدث الاخر فهو فيلم (ام الهند / Mother India) انتاج العام 1957 والذي حضر احد عروضه الزعيم عبد الكريم قاسم في العام 1959، ويقال انه حضر برفقة حارس واحد، وأصرَّ على دفع تذكرة السينما، وجلس بين الناس.
وحسب الزميل الناقد السينمائي علي حمود الحسن فان من الأحداث البارزة في تاريخ سينما الخيَام البهيج، هي اختيار شركة (اليوم)، التي يرأسها المخرج الرائد قاسم حول، لعرض باكورة أفلامها (لحارس / 1967)، الذي نجح نجاحاً كبيراً، اذ سبقته دعاية منظمة من خلال الصحف البغدادية، فحضره جمهور غفير بضمنهم رئيس الوزراء يومئذ طاهر يحيى، وعبد الرحمن عارف و(حرمه) وغيرهم، وكانت السينما (مقبطة)، وقد سمع الجمهور حوارا يبحث فيه الرسام عن الحرامي، وهو يصرخ: (وينه.. وينه ) فأشار الجمهور بصخب الى طاهر يحيى، الجالس في إحدى مقصورات الطابق الثاني، وكان يومها يُلقب بـ (ابو فرهود)، ومع ذلك أكمل الرجل الفيلم، بل إنه أسهم في تمديد عرضه لأسبوعين، بعد امتناع إدارة السينما من تمديده، وأمر بالتحقيق معهم .
حينما تمر بشارع الخيام لا تنظر الى دار السينما، اعبرها، أو انصح كان تذهب الى طريق آخر ، لانك ستحزن خاصة اذا ما كانت لديك ذكريات .
إذن.. شاخ الجمال وغابت المتعة..(سأمرّ على الشارع صباحا لأراه مجددا)























