كورونا والشعبوية والأصولية – لويس إقليمس

من أمراض العصر

كورونا والشعبوية والأصولية – لويس إقليمس

آلامُ البشرية المعذبة كثيرة وعديدة لا تُحصى. فمنذ خلقِها، دخل الشرُ أبوابها بفعل امرأة، من حواء التي جرّبت ما حرّمه الخالق عليها وعلى بعلها آدم بعد أن وهبهما جنّة عدن للعيش الطيب فيها بكل ملذات أرضها وثمارها ومياهها وجبالها ومناظرها وطيورها وحيواناتها ودبيبها عندما حلّلَ لهما التمتع بهذه جميعًا وبغيرها ممّا لم يحلما به، إلاّ من ثمرة تلك التي حرّمها على الزوجين الفتيّين. ومع كبر وتنامي البشر، لم يتوقف الشرّ متمثلاً بأحداثٍ سردها لنا التاريخ وبعض الكتب المقدسة التي نقلت لنا نماذج بربرية بعيدة عن طيبة الخالق الذي تمنّى كل الطيبات وكلَّ الخير لخليقته حينها. كما دخلت البشرية من حينها في سلسلة أمراض واوبئة وحروبٍ ونزاعات وخصومات لا حصر لها ومتنامية لغاية يومنا هذا من دون أن تتوقف أو ترتاح وتيرتُها.

سؤالٌ ملحٌّ يتبادرُ إلى الأذهان: هل كان ضمن السرد الخلائقي للخالق “المجهول” مخطَّطٌ مسبق بترك الخليقة تنساق لهواها ونوازعها ورغباتها ومجمل شرورها كيفما تشاء وأينما تفعل من دون العودة لهذا الخالق الذي توجَّهُ له اليوم اتهاماتٌ بترك الحبل على الغارب للخارجين عن طاعته من دون تدخل ربّاني أبويّ للحدّ من شرور العالم المستفحلة وتزايدها يومًا بعد آخر؟ وهل في جعبة هذا الخالق الكبيرة الواسعة التي لا حصر لها، إرادةٌ ربانية مسبقة بالاستمتاع بمشاهد قاسية ومؤلمة في جلّها وعميمها، والمتمثلة عبر التاريخ بالآلام والحسرات والأمراض والحروب والجوائح وأنواع الشرّ والقتل وسمات الكراهية والحقد المتنامية بين الأمم والشعوب منذ فجر الخليقة ولغاية الساعة؟ فمن حقّ أيّ إنسان أن يعود لخالقه للسؤال والاستفهام عن أبوّة تفتقدها البشرية اليوم أكثر من أي وقت مضى. ومن حقّ الكائن البشري الضعيف والمقهور والمظلوم أن يتساءل بجدّ: إلى متى يبقى الألم والشر يكسران عظام البشر والمستضعفين قسرًا ووراثة بلا رحمة ولا شفقة؟ وإلى متى تبقى الكوارث والحروب والأوبئة تحاصر أهلَ الطيبة والإحسان وتنكلُ بطالبي السلام والأمان والاستقرار وتنغّص على نفوس وأرواح سائلي الرحمة والراحة في محدودية العمر البشري على الأرض التي يبدو عليها تعبُ السنين الثقيلة وعدم المقدرة على تحمّل التكاثر اللامنتهي في النموّ السكانيّ المتنامي وفي شرورهم المتزايدة يومًا بعد آخر بأشكال وطرق كثيرة، مستنبطة في أغلبها من حاجة البشر أنفسهم ومن شرّ أفعالهم وأفكارهم وسلوكياتهم؟

كورونا جائحة بحجم الصدمة

في زمن كورونا الذي لم يعرف أن يميّز بين الفقير والغني، السيّد والعبد، الرئيس والمرؤوس، الصغير والكبير من كلا الجنسين على السواء، لم تتوقف سيول الشرّ بالرغم من إمكانية عدّ الجائحة تحذيرًا ربّانيًا باشتداد غضب الخالق على خليقته الماردة ودنوّ محاسبته للبشر غير الأسوياء وعديمي الرحمة والمحبة فيما بينهم، وكذا بسبب ضيق آفاق التفاهم والابتعاد عن الحوار الإيجابيّ بين الأمم والشعوب والدول على السواء ومن دون استثناء قومٍ دون آخر. وهذه من الأسئلة العتيدة والواقعية التي تكتسب أهمية أكبر مع تفشّي فايروس الجائحة المستجدّ “القديم أصلاً” الذي شكّل صدمة للعالم هذه المرّة أكثر من نظرائه من الأوبئة السابقة التي شهدها العالم في سنوات منصرمات، مع إمكانية تمكّن هذه الجائحة الحديثة المميتة من جهود البشرية المضنية الساعية من أجل حصر تأثيره وإيقاف مدّه وتفشّيه بجهود الطيبين والطيبات الباقين على الأرض وممّن أكرمهم الخالق القدير على كلّ شيء أن يكونوا حمائم سلام ورسل خير ومحبة ورحمة للبشر والبشرية. وليس مستغربًا ولا بعيدًا أن يذكّرَ بابا الفاتيكان، وهو أعلى سلطة روحية مسيحية مؤثرة، خلال مقابلة له في تموز 2020 عمّا أصابَ البشرية من امتعاض وقلق من آثار الجائحة المستجدّة التي جلبت معها فايروسات أخرى قاتلة ومقلقة، منها اقتصادية وأخرى اجتماعية.  فقد أنجبت هذه الجائحة بنفسها وأنتجت فايروسات لا تقلّ خطورة في تأثيرها على مجتمعات ودول وشعوب بسبب سلوكيات البشر من ناحية، ومن ناحية أخرى بسبب السياسات الخاطئة التي تتبعها زعامات الأحزاب وحكومات الدول وأرباب الشركات الاحتكارية الكبرى عبر سعيها جميعًا لفرض أدوات الهيمنة والسطو والتسلّط غير العادل على كلّ شيء بذرائع واهمة وحجج لا ترضى بها الإنسانية ولا يقبل بها مريدو تحقيق الحق والعدالة والمساواة بين الشعوب والأمم. ومن هذه الفايروسات العصرية الظالمة التي تطرّق إليها بابا الفاتيكان أيضًا، ” فايروس اقتصاد السوق الجامح، والظلم الاجتماعي العنيف، حيث يموت الناس كالحيوانات”، كما يقول. وقد رسم قداستُه صورة مخيفة لمشكلة عدم المساواة التي نشأت أو ستنشأ بفعل هذا الفايروس الاقتصادي والتي من شأنها أن تخلق هي الأخرى أمراضًا اجتماعية لا تقلّ خطورة عمّا خلّفه ومازالَ يخلّفه فايروس كورونا في هذه الأيام كنتاج واقعي لاقتصاد السوق المريض القائم أصلاً ومدى تأثيره الحقيقي على المجتمعات والدول الفقيرة والنامية بصورة خاصة. ومثل هذا الاقتصاد المنهك ناجم بطبيعة الحال بسبب النموّ غير العادل لثروات البعض على حساب عامة شعوب الدول التي تعاني من الفقر والحرمان وعدم احترام حقوق الإنسان ومن تجاهل للقيم الإنسانية الأساسية من جانب فئات قليلة أو أشخاص قليلين يحكمون السيطرة على منافذ الاقتصاد العالمي ومخارجه ويمسكون بثروات البلدان والعالم من دون ان تتحرك أحاسيسُهم الإنسانية أو تشعر بمخافة الله وقدرة السماء.  وإذ يقرُّ العقلُ والمنطق بأبجدية التجارة الحرّة في ما يُسمّى بـ “اقتصاد السوق الحرّ” أو “نظام السوق الحرّ” المعتمِد أساسًا على نظام الربح والخسارة في أيّ نظام حياتيّ معاصر، إلاّ أنّه بالمقابل لا بدّ من توفّر النية الحقيقية والإرادة الصادقة لقيام سوق موازٍ لا يخرج عن أدبيات “نظام اجتماعي” له ضروراتُه الاجتماعية وبما يمكن تسميتُه بنظام “السوق الاجتماعي”. وهذا الأخير، يمكنه اعتمادَ شيءٍ من المقاربة المعقولة ولو في حدودها الدنيا في التطابق والتقارب بين مفهومي “التنمية الاقتصادية” و”العدالة الاجتماعية” حينما ينجح مثلاً في تضييق الهوة بين الضرورتين.

وبصرف النظر عن مقومات الربح والخسارة وحيثياتها ونتائجها والتي تدخل في حسابات اقتصاد السوق الحر في عالم اليوم كما أسلفنا، إلاّ أن البارز في هذا النظام الطاغي غيابُ الأدوات الخجولة التي يمكن بها تحقيق مفهوم هذه العدالة الاجتماعية الغائبة كثيرًا في سلوكيات أصحاب القرار وفي دهاليز “نظام السوق الحرّ” المعنيّ والذي يعاني أساسًا من الفوضى والاستغلال وحبّ تكديس الأموال والثروات على حساب الفئات الفقيرة والمحرومة في الدول النامية. وما أكثرها في عالم اليوم.

فالحياة ليست فقط ربحًا وخسارة فحسب، ولا حسابات في هذه وتلك. إنّما ما يحكمُ الحاجة والضرورة قبل كلّ شيء وأيّ شيء هو التركيز على كيفية توفير قوت البشرية بأسهل الوسائل وأكثرها ديناميكية وأيسرها نيلاً بحيث لا تخلو من نسمات الرحمة التي تقصدها وتوفرها قدرة السماء، مع الحفاظ على الكرامة البشرية والضرورات الحياتية للإنسان أينما كان.  فليس من المنطق القبولُ بتسيّد حفنة تجارّ ومقاولي شركات كبرى لاقتصاد السوق والتحكم بثروات العالم وتناميها على حساب صراخ الجياع وآهات العطاش وحسرات المحرومين من أبسط وسائل العيش الكريم. والسبب بسيط، لكونهم أبناء الله الخالق الذي خلقهم على صورته ومثاله ليكونوا أحرارًا لا عبيدًا أو أدوات بيد فئاتٍ جاحدة ومستكبرة ومتعالية على النعمة التي هُم فيها بحيث لا يخشون مخافة الله ولا يقبلون بتبنّي رحمة السماء ولا الاستجابة لحاجات الإنسان المحتاج.

الشعبوية والأصولية أعداء الروح

 لقد سبق لبابا الفاتيكان أيضًا، بوصفه صاحبَ أرفع مركز دينيّ عالميّ أن ذكّرَ مرارًا وتكرارًا بأشكال القلق المتنامي بسبب صعود مرض آخر قبل عقودٍ زمنية ليست ببعيدة، متمثلاً بصعود مرض “الشعبوية” وسط مجتمعات بدأت تكشّر عن أنيابها وتقف حجر عثرة أمام فرص التفاهم والحوار والتكاتف والتعايش بين المجتمعات والأمم والشعوب والدول بسبب سعيها للانغلاق على ذاتها، عادّا هذه الآفة بكونها ” مضطهدة للروح وقاتلة للنفس” في آنٍ معًا. والخوف كلّ الخوف، من جنوح زعامات أممية وأحزاب سياسية من مغبة الانجرار لهذه السكة المقلقة في قطار البشرية المتأزّم أصلاً بسبب تقاطع المصالح وحب الهيمنة على الغير واستبعاد سبل الحوار والتعايش الطبيعي بحسب عطايا السماء ومحبة الخالق للبشر حين خلقِهم وتكرّمِه بالأرض وما عليها من ثمار وموارد عديدة لا تُحصى لكي “يكثروا وينموا ويتعايشوا”.

قبل أكثر من عام، أصدت جريدة “لاستامبا” الايطالية، لجملة انتقادات لاذعة وردت على لسان بابا الفاتيكان ضدّ المروّجين للفكر الشعبوي في دول الغرب، واصفًا ما يقومون به من دور لا أخلاقيّ بتصرّفات انغلاقية غير مقبولة لا تقلّ في خطورتها عمّا شهدته أوربا على وجه الخصوص إبان تنامي هذه الظاهرة مطلع الثلاثينات من القرن الماضي إبّان الحقبة الهتلرية المرّة (1933م). فالتمتّع بالسيادة لا ينبغي أن يعني مفهومًا انعزاليًا أو انغلاقًا على الغير وعلى بقية دول وشعوب العالم التي تبحث عن الاستقرار والتعايش السلميّ وتسعى للحصول على لقمة عيش محترمة عبر التفاهم والتحاور ومن دون أن تفقد كرامتها وإنسانيتَها وحقها في العيش الكريم على أرض الله الواسعة أينما وجدتْ راحتها ونشدتْ استقرارها. وهذه جميعًا لا يمكن الحصول عليها طبعًا، إلاّ بوجود علاقات دولية واجتماعية طيبة ومستقرّة لا تخلو من احترام ومودة ورحمة وإنسانية نابعة جميعها من روح التعاون والتفاهم والحوار الهادئ غير المستفزّ أو المنغلق على الذات.

إنّ لجوء أصحاب التيار الشعبوي لاستمالة فئات مهزوزة من شعوبهم من غير المدركة لمدى خطورة هذه الظاهرة على مجتمعاتهم أولاً وعلى غيرهم من مجتمعات العالم الراغبة بشيء من التشاركية والمساواة والعدالة في مصادر الثروة ومنافع الناتج الوطني، يمكن أن يقوّض فرص السلام والاستقرار ويهدّد سبل التعايش السلمي بين الأمم والشعوب ليس لصالح شعبٍ أو دولة دون غيره أو غيرها، بل تنظيم ذلك في حدود ما تقتضيه “العدالة الاجتماعية” وتفرضه الحاجات الإنسانية في حقبة من الزمن.

 فكلُّ ما يمكن قوله في صعود التيارات الشعبوية في صفوف فئات أو أحزاب متطرفة في الغرب وأميركا بصورة خاصة في السنوات الأخيرة، أنّ هذه التيارات الناشزة سوف لن يُكتب لها الحياة لفترة طويلة بسبب سقوطها الأكيد في مستنقع التمييز العنصري وتحريضها على تنامي الكراهية التي لن يكون من ورائها فائدة لشعوب مثل هذه البلدان على المدى الطويل. ذلك أنّ ديناميكية الحياة لن تتيح لها الهرولة حتى النهاية وراء ما تحملُهُ مفاهيمُها الضيقة التي لا حصرَ لها من مخاطر ومنزلقات اجتماعية وحياتية متعددة قد تعيق جهود إدامة شروط الحياة والرفاهة الاجتماعية حين السعي لحصرها بنخبة أو أمّة أو بلدٍ دون غيرها، تمامًا كما ستكون حال التيارات المنغلقة الأخرى التي هتكت بالبشرية في نزعتها الدينية والمذهبية والطائفية والفئوية والعرقية والمناطقية الضيقة.

وممّا لا يقبل الجدل، فإنّ صعود كلّ هذه التيارات بمفاهيمها الضيقة المنغلقة قد أتى بها زمن العولمة الذي خلط الأوراق وبدّد الأخلاق ومزّق الأمم والشعوب باتجاه مفهوم الهيمنة على الغير والتسلّط على الثروات والمقدّرات من دون وازع ضمير ولا خشية ولا استحياء. وهذا ما دفع البعض للتشكيك بدور “العولمة” وما أتت به من مثل هذه المفاهيم غير المنضبطة في حياة الشعوب عندما سعت دول وحكومات وزعامات لإفراغ محتواها من الغرض الذي وُجدت من أجله بأن يكون العالم قرية صغيرة من أجل توفير المزيد من القوت الكريم وسبل التقارب والتعايش والتفاهم بين الأمم والشعوب والدول.

وبدورنا، لسنا ننكر اليد الطولى لنظام العولمة الذي أُسيء تقديرهُ والغاية من خلقه، وبالتالي من الآثار المترتبة على سوء استخدامه في تنامي تيارات شاذة وخلق خصومات عالمية وزرع فتنٍ وشرور كثيرة. وفي مقدمة هذه الآفات والشرور، يأتي التيار “الشعبوي” الذي اجتاح أوربا وأمريكا بصورة خاصة ردّا على مفاهيم منغلقة وتيارات أصولية مهاجرة وقادمة من بلدان ومناطق غير مستقرّة يحمل روادُها ومحرّضوها في جعبهم وضمن أهدافهم أجندات مشبوهة لا تخلو من سوء النوايا المقصودة باتجاه تدمير ثقافة الغرب المنفتح وكسر شوكة شعوبه المسترخية أكثر من غيرها. وهذا ممّا ساعد ودفعَ أرباب التيار الشعبوي لفرض سطوته المتنامية هو الآخر بسبب ما تتمتع البلدان التي نشأ ونما وصعد فيها من رقيّ وتقدّم وتطوّر في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية المتميزة والأكثر بالنموّ والتطور والتقدّم أكثر من غيرها. ولا ننسى السبب الاقتصادي والمالي الذي فرض ذاته وتأثيره هو الآخر على السياسات العامة من حيث الهيمنة على رؤوس الأموال والإمساك بماكنة الاقتصاد العالمي، ما خلق حالة من عدم المساواة في توزيع ثروات الأرض التي أمر بها خالقُ الكون كي تكون متاحة لجميع خلائقه ضمن مفهوم المساواة والعدل الإلهي. وفي حالة خروج البشرية وزعاماتها السياسية والاقتصادية بصورة خاصة عن سكّة التفاعل الإنساني واصطفافها مع الروح العنصرية التي يفرضها التيار الشعبوي المتنامي أو التيارات الأصولية المتشددة، فذلك إشارة واضحة على عدوانية مقيتة ضدّ الروح الإنسانية التي زرعها الخالق القدير في نفوس البشر لتكون بذرة طيبة للتفاهم بين شعوب الأرض والأمم والدول وليس للصراع والتصارع والهيمنة المستبدّة بهدف القتل والتدمير والتخريب. فالله هو نفسُه هذه الروح. ومَن قتلَ النفس البشرية بدون ذنب، كأنّما قتل روحَ القدير الحالّة في نفوس البشر أجمعين!