كنا صغار – هدى جاسم

كنا صغار – هدى جاسم

كنا صغارا عندما كانت احلامنا وايادينا تمتلئ بالحلوى ، نتشبث بها وكأنها ايقونة استمرارنا بالحياة ، كنا صغارا نتجمع حول مدفأة صغيرة نسخن عليها رغيف الخبز لنتقاسمه بيننا قبل ان تعد لنا وجبة غنية بالحب وان افتقرت لابسط الاشياء ، نتشاجر ،نتصالح ، نحلم بلعبة مفقودة ، ونركض صباح كل يوم لمدارسنا وقد تساقطت حبات الثلج على طول الطريق الا من قلوبنا الدافئة بالحنين .. كنا صغارا نتجمع في غرفة واحدة ننظر بعين واحدة لشاشة تلفزيون واحدة ونهمس لبعضنا بموعد النوم المبكر فالاحلام تنتظر على ابوابنا لنحققها سريعا قبل فوات الاوان وقبل ان تتمزق ثيابنا من قدمها ولامفر من اللجوء الى باعة القديم لنجددها بحب وبدون خوف ..الكثير من امهاتنا لا تجيد القراءة والكتابة لكنهن يجدن فن الاحتواء والمضي باهدافنا نحو جادة الحقيقة لنتعلم ونصبح مايردنه لنا وكأن كل واحدة فيهن قد تخرجت من افضل الجامعات وتعرف كيفية تربية النشئ الجديد باحدث الاساليب .

كنا صغارا نلتحف بغطاء واحد من البرد وتحت سقف مروحة واحدة مع اشتداد الحر دون ان نطلب بغرف منفردة واعتزال  لنطور من شخصياتنا ومدركاتنا نحو العالم الخارجي ، كنا نحترم الكبار لدرجة الخوف ممزوجا بالحب ونعطف على صغارنا وان كان ابن الجيران ونعتبره واحدا من اسرتنا .

كنا صغارا بعقل كبير نعرف متى نطلب ومتى نصمت امام موجات الفقر والاحتياج الذي تمر به عوائلنا ،نحاول ان نؤكد للجميع ان لدينا كل مانريده وان احتياجاتنا متوفرة وان بيوتنا مستورة بالحب . احيانا نرتجف من البرد لكننا نتدفئ باحضان امهاتنا اللواتي يواسين موجات البرد بخبز تنور حار يوزع على كل من حولنا فنضحك ونلعب وننتظر يوما جديد بلا خوف ،نجوع ونصمت نبرد ونتذكر ان لنا امهات (دافيات ) بحنين لايوصف ،بل اننا كنا نعيد كلماتهن وكانها اغنيات في صباح مثلج نتدفئ به في كل وقت وحين .. كنا صغار نخاف ان نقتطع زهرة من الحديقة لان اخ لنا كبير حذرنا من اقتطاع الورد فهو اجمل في مكانه وان علينا ان نرعاه لا ان نقتله فقط من اجل عطر سيفوح للحظة ويتلاشى مع الوقت .. كنا صغارا سعداء باللمة والحنية والكلمة الطيبة والخوف من الخطأ مهما كان ضئيلا ، سعداء بلحاف ضم اجسادنا الباردة تحت حنيته ، وقدر قد لايحوي غير خبز اسمر وبصل وماء اطلقنا عليه « محروك اصبعه «، سعداء ونحن نركض بخطوات مسرعة نحو مدارسنا ونجلس الى رحلاتنا ونقف باحترام عند دخول احدى مدرساتنا وقلوبنا الصغيرة تخفق خجلا ممزوجا بالحب والخوف وخليط من مشاعر ونحن نرد عليهن تحية الصباح .

كنا صغارا وكبرنا، ضاع اللحاف الدافئ بالحنية والام التي رحلت واحلامها معلقة بنا واخوة كنا نخشى اقتطاع الورد من اجلهم واخوات خاطت لنا ثياب قديمة لتجدد احلامنا بها ، كبرنا وكبر الحزن معنا وصرنا مع الوقت نامل بعودة لايام الغرفة الواحدة والشاشات التي نعلق نظرنا نحوها وقدر تفوح منه رائحة الطيب ، كبرنا وصارت جدران بيوتنا ذكريات واحلامنا عودة وامانينا لقاء غير محقق .. كبرنا وصار الصغار يلتفون حول شاشات متفرقة وغرف منفصلة وقدور تحوي اكلات بلا طعم وورود قطفها الغريب قبل القريب بلا اي رادع من اخ يقول ان للورد مكانه ليفوح عطرا على الجميع .