كروبر – فلونا عبد الوهاب


فلونا عبد الوهاب

الساعةُ الثالثة وسبع دقائق بعد منتصف الليل، الطريق إلى كروبر… الساعة السادسة وخمس وعشرون دقيقة قبل شروق الشمس، الوصول إلى مستنقع الانتظار… نتبع الجدة التي ألفت الأرضُ خطواتها حتى استوقفتنا عند الجدار السّلكي لحشر أسمائنا في طوابير الهالكين. في انتظار رجوعها افترشنا الأرضَ تاركين للحصى صنع الأخاديد في مؤخراتنا المتجمدة، نتكئ على جدار من الوبر، وأكوامُ لحوم البشر تحيطنا من كل جانب…

أرواح كهلة خلف أقنعة الزوجات الشابات، وأمهات في عذاب متكرر، وقصص متكررة، يخرج تحسين من خلف الباب الكونكريتي يصرخ بالرقم 89، 90، 91، 92، 93، 94، 95، 96، 97، 98، 99، تقاطعه إحدى العجائز تحمل الرقم أحد عشر؛ مدعيةً أن سلطان النوم أمر بحبسها داخل السيارة! وبما أن سلطان النوم ليس له نفوذ داخل كروبر ينتهي الجدال سريعًا دون حلّ، ويُنهي تحسين العدَّ قبل أن يتوارى خلف الباب الكونكريتي، مناديًا بالرقم 100… نحبس الأنفاس، نتبادل النظرات الشاردة، البطاقة في يد الجدة تحمل الرقم 257…

في مستنقع الانتظار تتساوى الرؤوس؛ فالكل لهم مُدان خلف القضبان، هناك من يستر خيبته وهناك من لا يبالي بنشر الغسيل، أطفال يلتقطون ذكرياتهم مع حصى الطريق ونساء متذمرات وعجائز أضاع النعاس تسلسلَ زياراتهم، وعن يميني امرأتان تتبادلان مقاطع الأغاني عبر الهواتف النقالة وقصة عرس قريبتهم (الساحرة) التي سرقت الرجل من زوجته، في دين الرجال الزواج المتعدّد شرع الله المباح وفي دين النّساء سحر وشعوذة…

تحسين عند البوابة ينادي الأرقام بسرعة ينتشل المنتظرين من المستنقع لرميهم خلف السّور، أستبشر بالخير؛ لكن الجدة تقتل أحلامي الوردية مؤكِّدةً أن خلف السور يقبع العذاب، ما هذا النداء سوى خطوة نحو الجحيم…
طفلة بعيون جاحظة وملامح جامدة تختزن وجهي بصمت في ذاكرتها قريبة المدى، ومن خلفها تمنّيت لو ألتقط صورة لعيني ليلى العطار الماثلة في محجري إحدى الزائرات؛ إلا أنهما ممتلئتان بحزن العراق، تقف بصمتٍ والشمس تشرق من كثبان عينيها…
وهناك تقف امرأة تدعي أن الجميع مظلومون ودليلها أحكام القاضي غير المنطقية، الخمسون والخمسة والسبعون والمئة وخمسون سنة! فتقاطعها ذات النقاب بقصة قريبتها الساحرة التي خطفت الرجل من زوجته!

وراء الجدار الكونكريتي -ليس بالبعيد- سيارة تقل الزائرين إلى الباب رقم 4 كما كُتِب على الجدران، في الطريق طفل يحاول الترجل قبل وقوف السيارة تهدّده إحدى الراكبات أنَّ الشرطة ستعتقله، يجيبها بثقة أنه لا يخاف الشرطة؛ إذ أن الشرطة لا تعتقل الأطفال، هذا ما قاله والده عند أول زيارة…

تتخذ الجدة مكانَها ضمن السّرب لإيداع الأمانات النقدية بينما نفترش المستنقع الثاني ننتظر رجوعَها ونحن نراقب رجلًا ينادي لخلق طابور جديدٍ ونساء تهرول بين المستنقع والطابور الجديد بحثًا عن المياه لمراحيض أطفالهن، المراحيض تمتلئ بالقرف؛ الكل يحارب للوصول إليها، ولحظة الوصول يتقيأ الجميع؛ ويقررون حبس قرفهم لمكافئة مراحيض منازلهم… تأتيني رسائل متأخرة تسأل عن حالي، لا ردَّ لي، أغلق الهاتف وأنظر إلى ما خلف البعيد…

مرّت ساعة ونصف والجدة ما زالت تقف في طابور إيداع الأمانات، ونحن نفترش الحصى، نلتهم الطعام المتجلّد، نستمع لقهقهات مراهقتين؛ إحداهما ترفض طاعة حبيبها، ذلك أن هذا الأسلوب لا يناسب شخصيتها، هي تبحث عن من يضربها؛ يعنفها (غرام وانتقام)، وهو يبحث عن أمينة وحريم السلطان…

لنتجاوز طابورًا عشوائيًّا آخر لا يتجاوز ثلاثين مترًا احتجنا لأكثر من ساعة ونصف ربما، فهنا فُقِدَت عقارب الساعة، صار الوقت بالتخمين، وبدأت قصص سي السيد وزيجاته المتعددة؛ يتلوها شيخ القوم ويحرك مشاعر المحرومات إلى درجة أنه أنسى إحدى العجائز آلام ظهرها ونهضت لتقاسمه الحديث الذي يدغدغ فيها الذكريات…

بعد أن تجاوزنا القصص والطابور وخُتِم على الساعد الأيمن، وصلنا درك المستنقع (إيداع ملابس المسجونين)…
بعد انتظار شبه عقيم لولا روح الله، ظهرت الجدة بعد ساعة ربما! من غرفة التعري (هنا تُفَتَّش الجدات والشّابات إلى حد شبه التعري)… هناك رأيت الجدة وهي تقف بخديها الخجلين وهي تحاول جاهدةً إعادة قدمها إلى حضن الحذاء… في تلك اللحظة أحنيت ظهري عند قدميها؛ أُعِين تلك العظيمةَ على ارتداء حذائها مع أنها كانت قادرةً على امتطائه دون مساعدة، لكنني كنت أخبرهم بتلك الانحناءات: ما الجدة إلا أميرة… سيارة أخرى تأخذنا إلى سكان ما وراء السور حوالي النصف ساعة ربما، كنا في انتظار الغائبين، وهنا سقط التعب وتم الحنث بالأقسام والأَيْمَان أن لا عودة مرةً أخرى إلى الجحيم، هنا أدركت سبب تكرر زيارات الجدة للمستنقع دون كلل…

في الباحة المسورة حين عانقتُ الغائبَ منحتُ فرصةَ أن أعانق فيه طفولتي بشدةٍ رافضةٍ أصواتَ -انتهى وقت العناق- منحتُ الحرية للدموع، أسقطتُ ما يثقل الأجفان منها، أما هو فمنحني قبلةً على يدي وعاد إلى ما خلف السور بعد أن تعاهدَتْ أرواحنا على لقاءٍ قريب عند أبواب الجحيم…

في لحظات اللقاء القصير كنت أستشعر من بريق عينيه كم نحن منهكون سكان ما خلفَ السور، لا سلام داخلي ننعم به، كم من المهام المؤجَّلة التي نلهث كلَّ يوم لإتمامها، كم من الأرواح المتشبثة في أعناقنا، كم من الأحلام العالقة في معبر الأقدار… بينما هو الطير الذي يستيقظ ليجدَ رزقَه مقدَّرًا من مأكل ومهجع (برغم تواضعهما)؛ لا أرواح تتشبث في عنقه ولا يملك حلولًا لأحد، همه الوحيد أن يفرد جناحيه للسماء…

بعد ختم الساعد الأيسر بختم الزيارة، سائق العودة ينهي رحلتنا بأغنية (تايبين) التي منحتني ابتسامةً ساخرة وأنا أنهي مشاهدة مسرحية العبث… تنتهي الأغنية، يتسامى صداها كاشفًا نواح أمٍّ في المقعد الأمامي…

فلونا عبد الوهّاب- سيرة ذاتية

– رسّامة وروائيّة، وعضو هيئة عامّة في اتّحاد أدباء العراق.
– حاصلة على شهادة بكالوريوس من قسم علوم الحياة
النّتاجات الأدبيّة:
– صدر لها رواية (لو)، عن دار الحكمة، لندن، 2018.
– صدر لها نصوص شعرية (ذات)، عن دار وتر، البصرة، 2022.
– صدر لها مجموعة قصصية (التبغ الأحمر)، عن دار أبجد، 2023.