

ضحى عبدالرؤوف المل
كاتبة من لبنان
ترتكز رواية “أفندينا” للروائي المصري” محسن الغُمري “ على أحداث تاريخية حقيقية تحكي حياة شخصيات واقعية واجهت مصيرها عبر نوع من السرد تنوعت فيه الحقائق مع مخيلة الكاتب الذي اختفى كلياً أو على الأقل هذا ما يشعر به القارىء الذي تركه يواجه ما سلط عليه الضوء بعيداً عن الإنفعالات الحسية، كما هي الحال في روايات أخرى. ليندمج فيه السرد الواقعي مع الخيال عبر المراجع التاريخية الموثقة بموضوعية وعقلانية ومنطق سرد الحقائق،متنقلا بحذر مع الطبيعة التاريخية آنذاك للمنطقة جغرافيا، والتي شكلت مصدراً مرجعيا لحرب لم تكن آنذاك سعودية مصرية، وإنما عثمانية مع القبائل المتناحرة على أرض الحجاز. لنصل إلى معادلته التي يريد أن يؤكد عليها دون تدخل منه أو كما يوهم القارىء، والنتيجة هي أن مصر كانت دولة قائمة بذاتها بينما ما سوى ذلك كان في صراعات مع الدولة العثمانية ولم يكن قد تشكّل كما هو الآن ” فهؤلاءيتقاضون معه، على أساس أن مصر دولة مستقلة وليست بولاية عثمانية، وهذا مكسب له ولمصر”، وهو بذلك ينقل المركز الجغرافي لمصر عبر الذاكرة التاريخية إلى الأسس التي يجب أن تكون عليها في الحاضر الحديث في ترسيم تاريخي. لا أقول هنا جغرافي، وإنما التحولات التاريخية منذ الحكم العثماني ، ومؤثراته على الطبيعة السياسية والإجتماعية خاصة منذ نشأة عباس حلمي تحديدا لقد تخلى التاريخ عن عباس ، تاركاً في الظل الحديث عن قدراته ومميزاته الرفيعة كإداري ، له مبادىء ونظام في الحكم والإقتصاد” وما قبل ذلك هو كدوافع تؤسس لما وصلت اليه الآن مصر أو ما تأثرت به تاريخيا ، واستمر بعد ذلك بانماط مختلفة. وربما ما بين توسعة رقعة أملاك محمد علي خارج مصر ، والإمتداد العسكري لمصر رافقه قمع التهديد الديني من السيطرة على بلاد الحجاز، وهذه بحد ذاتها تؤدي الى تحقيق هدفه وهو الإنفراد بحكم مصر. فهل الموضوعية التاريخية في رواية “أفندينا ” لإبراز المؤثرات الجغرافية على المنطقة الآن؟أم هي شهادة عادلة يستحقها عباس حلمي كما جاء في مذكرات نوبار باشا؟ وهل قدم محسن الغُمري رؤية أوسع لتاريخ مصر السياسي والجغرافي معا وأهميته حاليا؟ أم هي جدلية التاريخ مكانيا وزمانيا وانسانيا في رواية تاريخية محورية مستوحاة من المخطوطات والمراجع والقصص الكبرى ؟ وهل تقودنا رواية أفندينا إلى اكتشاف أهمية مصر تاريخيا قبل أن توجد الدول الأخرى كالتي موجودة الآن؟ أم أننا نتقهقر سياسيا ونفتقد للآمان الذي كان في القرون السابقة رغم الحروب الطويلة وسلبياتها على خزينة الدولة والاقتصاد؟ وهل التقاطع والتعارض بين الرواية والمخطوطة التاريخية هما في حبكة شّدّها محسن الغمري وربطها بالمفاهيم السردية التاريخية ؟
تنوعت تقنية السرد التاريخي في رواية أفندينا، واتخذت منحى يكشف عن فترة مهمة في تاريخ مصر التي تأثرت بالجزء المهم من شخصيات حاكمة امتدت من الأب للابن، فالحفيد ضمن عائلة حاكمة لها بصمتها في تاريخ مصرالحديث، كما كان لها الأثر قديما ، وبالتالي لها امتدادها الجيني شئنا أم رفضنا ذلك، وتحدد طبيعة وتقاليد اختلطت في منحاها الشرقي والديني، وإن بدا تأثير التربية على الشخصية الحاكمة، كما هي الحال مع أحمد بن رشيد الإحسائي والطفل عباس. الا أنها ببصمة مصرية انحفرت في الذاكرة التاريخية، وهذا يجعلنا نتساءل إلى أي مدى تأثرنا بالحكم العثماني رغم أن مصر كانت كدولة قائمة قبل أن تكون الدول الأخرى؟ وهي أقدم الدول في الشرق الأوسط ككيان جغرافي وسياسي، فالرواية تمثل فرصة للكشف عن جزء من تاريخ المنطقة جغرافيا في فترة حددها بداية، وهذا يكشف عن تحويل ما هو مخبأ في بطون المخطوطات والمراجع التاريخية إلى رواية تتداخل مع تاريخ منطقة الروائي مُحسن الغمري التي فتحها على تفاصيل مرتبطة بالجذور المصرية المتينة لا سيما النسيج الحسي للروابط العائلية آنذاك، والنضالات الأخرى التي واجهت المعتقدات المتشددة، وباتقان فني مشهدي ومقدرة في تحريك الأحداث الدرامية التي لا تخل بالحكاية التاريخية التي لمح لها بالمقدمة . لتكون في سرد هادىء ومتين لم يسمح فيه للاحداث أن تتفوق على السرد التاريخي السلس الملتحم مع الخيال الذي بدأ من مخطوط الشيخ صفاء الدين بن حسين بن نصرلي القولي ، المولود بناحية نصرتلي التابعة للسلطنة العثمانية .لذلك تعكس مخطوطته هذه قيمة الوعي باللحظة التاريخية التي مرت بها المنطقة في ذلك الوقت، وما استحضره ممن اجتذبتهم فهم الهوية المصرية في العالم العربي، ومن لعبوا دوراً مهما في ترسيخ بعض المفاهيم التي ما زالت حتى الآن، والتي بموجبها نفهم التطورات التاريخية في المنطقة ومؤثرات السلطنة العثمانية. لتعزيز نهضة المجتمع العربي. فهل الإمبراطورية العثمانية التي هيمنت على المنطقة لم يكن لها التأثير على جغرافية مصر التي حكمها الملوك بعد الفراعنة منذ سيدنا يوسف عزيز مصر، وحتى رحيل الملك فؤاد أم أن أفندينا ترمز إلى الامبراطوريات التي اشتقت منها كلمة أفندينا قبل أن تستخدم في الدولة العثمانية؟ أم أن ما شاع في مصر منذ حكم الأتراك لم يُلغى من ذاكرة أفندينا ؟























