قراءة في رواية نصف السماء لأرشد توفيق
جماليات بين الإبداعي والتسجيلي
إسماعيل البرادعي
تعد هذه الرواية ملحمة جديدة في ميدان الرواية العربية، فهي تحاكي أنواعا وأجناسا أدبية عدة، فمرة تعكس صورة الرواية الكلاسيكية المتضمنة محاكاة الذات، ومرة نراها دراما متعددة الشخوص والأحداث والأزمنة..
ولعل تركيبتها الجديدة والغريبة جزء من قيمتها الإبداعية، فقد طغت عليها المشاعر الإنسانية بشدة وبرع الكاتب في تأثيث الأحداث تأثيثا جيدا.. فخلق المكان وألبسه رداء الزمن الغابر ليقدم صورة شعرية عن الوفاء والطفولة وأحلام المستقبل المنشود وصعوبات الحياة..
هذه رواية جديرة بالبحث والدراسة بما تكتنزه ولعلها قد أعطت دافعا قويا للأدباء الشباب والنخبة المثقفة للسير وراء هذا الصنف الأدبي الجديد الذي من الواجب أن يتناوله النقاد بصدق وأكاديمية عالية.
بين العنوان والمتن.
لقد فتح الوعي النقدي الباب أمام مقاربات نقدية فاعلة عن النص وعلاقته بمكوناته كإسم المؤلف والعنوان إضافة للمصاحبات الإضافية للنص، مما أدخل القارئ في جدل قرائي بين بنية الخارج محيط النص الخارجي ومكونات النص النص بذاته …
لذا فإن تعريف كريفل للعنوان يعطي صدقا لقوله هو إعلان عن طبيعة النص وعن الأيديولوجية التي انبثق عنها.
مشيت إلى الغابة لأحس بالحرية فازددتُ حزنا، إن المقاتل الذي قضى ثلاثين سنة في الحرب يريد أن يضع رأسه على صخرة وينام لكن أحداً لا يدعه يفعل ذلك ص 289
هنا يصف مرحلة تغير حالته من سفير إلى لاجئ يوجعه حال الوطن، وكيف وصلت به الدنيا.إن للعنوان في النقد عموما أهمية خاصة كونه رأس هرم النص ويشكل مع المتن بنية ذاتية يصبح فيها القلب النابض للمتن مما يشكل معادلة تقدم للقارئ فتضبط عنده مسار القراءة يكون العنوان فيها نقطة إستراتيجية للنص نحو المحيط ومن المحيط نحو النص .
فإسم الرواية نصف السماء يعطي للقارئ إنطباعا شاملاً عن المسافة الزمنية والمكانية التي يريد الراوي الحديث عنها وهي السفر والبعد عن الأحبة والأصدقاء، وتحليلنا للعنوان المكون من جملة إسمية نصف السماء التي تتكون من مضاف نصف ومضاف إليه السماء . يشير وفق هذا التركيب النحوي بحد ذاته إلى مكنونات السرد التي تليه وهي الكثرة والتباين والتقلب في أوضاع الحياة السياسية والإجتماعية والآراء النفسية والذاتية. وهذا ما أكده الراوي في مقدمته للعمل الروائي التي كانت مقتبسة من ملحمة كلكامش
إلى أين تسعى يا كلكامش»إن الحياة التي تبغي لن تجد ص5
وربما قد استشهد بهذين البيتين ظنا منه بأنهما يعكسان واقع حاله بعد هذه المسيرة الطويلة في جميع الميادين.
بنية النص
كان النص يميل إلى كونه نصا سرديا معاصرا، فهو يقع ما بين السيرة الذاتية والرواية، حيث يسرد لنا أرشد توفيق في نصه أحداثا مختلفة وأطوارا زمنية عاشها عبر حياته، حين عكس صورته الشخصية. فهو يروي لنا حياة الطفولة والجبل، وحياة السفير المهاجر، بل وحياة اللاجئ المغترب.
اتسمت لغة الرواية بشعرية عالية فالوصف الذي يسهم في تحديد الصورة البصرية للمكان وموجوداته كان لأجل تحويل المرئي إلى مقروء.
العشب البري تعصره شمس الصيف اللاهبة وتتسلل رائحته إلى الروح وهي ترتجف عارية على الخيط الواهي للزمن. الصياد هناك وراء الجبال البنفسجية في رحلة صيد أو صلاة، أو أنه يرقد في المقبرة الظليلة قريبا من جذور الصنوبر’ ص7
هذا الوصف الذي يوظفه توفيق في رسم الطبيعة الجبلية التي هي مكان الحدث ومسرح روايته، فيصف موجوداته من أشجار وصيادين وصنوبر ومقابر.. ويهدف إلى الاتصال بالمتلقي ووضعه في قلب المكان من خلال الإحاطة بالجغرافية وتفصيلاتها النفسية، فيصبح الوصف خطابا يسم كل ما هو موجود بالتحديد معطيا إياه التميز الخاص، والتفرد داخل نسق الموجودات المشابهة له، أو المختلفة عنه…
تحول النهر إلى بحيرة بعد أن ارتفع سد في المضيق فحبس الماء غير أن الصديقين لم يغيرا طريقتهما في المشي أو عملهما في المكوى والبلدية’ ص 7
فهنا يريد الكاتب أن يتحدث عن غياب طويل أجبره على وصف مغاير لذاك السابق، حيث طرأت على روايته أحداث وأمكنة جديدة من خلال هذه الموجودات المختلفة..
فالوصف المهيمن كان وصفا شعريا تعمل وقفته على إبطاء حركة السرد المتنامية إلى الأمام بهدف تقديم مشهد ممزوج بالتأمل…
لماذا يروعني صوت هذا الطائر.. لماذا يروعني وهو ينقض عبر الصخور التي تتسلق بعضها بعضا في حافة الجبل.. ص 6 ..
فقد غلبت اللغة الشعرية على الوصف السردي لهذه الرواية مما أعطاها ميزة أخرى وجمالا نوعيا.
تشكل هذه البنية من النص والعنوان في فضائها العام مجموع العلامات اللغوية التي تدل على طبيعة الرواية وتعينها وترسم لنا فضاءها القرائي، لذا فان العنوان بحد ذاته قد قام بتقسيم النص وتوزيعه على ثلاثة مكونات هي التشويق، والتأثير، إضافة للأفكار والرؤى المطروحة في هذا العمل الأدبي .
1 ــ التشويق في الرواية
إن العنوان يشتغل شكليا ودلاليا عبر وظائفه المتعددة على إغراء القارئ وإثارته وتشويقه لقراءة النص والمواصلة، بل حتى استفزازه بما يثيره من أسئلة على الصعيدين البصري والقرائي، بوصفه بنية قائمة في ذاتها وتخضع في تحليلها لقانون العلاقات الداخلية.
من المعروف أن عوامل نجاح أي عمل أدبي ضخم احتواؤه على عوامل أساسية تشد القارئ وتجذب فكره نحو المواصلة لمعرفة المزيد، ومن هذه العوامل في هذا العمل الوضوح والصدق حيث كانا من أفضل عوامل التشويق، فنرى الراوي يستشهد بأغنية شعبية تبني الحدث وتنميه وتوفر للقارئ حيزا إستيعابيا أكبر..
كان الفتى يريد تغيير العالم، واعتقد أنها مهمة سهلة مادام مؤمناً بها، وركض وراء فكرة جميلة رآها على الورق ففتن بها، وحين رآها على الأرض دون رتوش ذهب إلى المرآة وبصق فيها’ ص113
فهذه الكلمات تمنح القارئ أجواء جديدة وغريبة عن واقعه، فيحاول تفسير الكلمات عبر ما يملك من تجارب لتحليلها، فنلاحظ تقلب المكان وتغير الزمان بسرعة تختلف عما كانت في مخيلته ما يزيد من إصراره على مواصلة القراءة.
وانطلاقا من كون الأدب ممارسة ممتعة تهدف إلى إعادة صياغة الواقع وفق حالة إبداعية يتشكل بناؤها ممتزجا بالخيال، فإن التشويق في الأعمال الأدبية السردية تقنية مهمة من تقنيات الفعل السردي، ولهذا يعمد كتاب القصة والرواية إلى حقن أعمالهم بالسياقات والأحداث التي تضفي عليها طقسا من الإثارة والتحفيز القرائي، سعيا منهم إلى توريط المتلقي في كينونة العمل وحراكه الداخلي، وهو مطلب رئيس حين الكتابة حتى لا تطغى المباشرة والتقريرية على النص.
إنها مدينة مسحورة قد تقتل فيها قبل أن تعرف التهمة التي قتلت بسببها، وقد تقتاد إلى السجن جراء وشاية’ ص 112
هنا يكون التشويق في أعلى درجاته، كونه أدرج لنا صورا خيالية تعبر عن ديناميكية ومسيرة الأحداث في هذه الرواية كصور الحرب والظلم التي تعكس الحاضر بوقائع سابقة تجعل القارئ أكثر إنجذابا للنص.
2 ــ إيديولوجية النص
إن العنوان يؤدي وظيفته كمرآة عاكسة لما يحتويه نسيج النص من أفكار وآراء متباينة ، فالحدث في هذه الرواية يتحول من فكرة إلى أخرى عبر أربعة مواضيع رئيسة Themes ، الأول الجبل والزواج، والثاني الحرب والذات، والثالث الحب، أما الرابع فهو السفر واللجوء.. إلا أننا لا نرى أيا من هذه المواضيع منفردا بل لقد عرضت جميعها كأنها بناءا انتقاليا من موضوع لآخر.. فالراوي ينتقل بنا من الجبل إلى الحرب، ومن الحرب إلى السفر، أو من الحرب إلى الحب وهكذا.. فيقول
كانت رائحة زيت البنادق تصلني من هناك، الرائحة التي رافقتني منذ ثلاثين سنة، كانت تصيبني بالدوار وفي تلك الليلة المشؤومة رأيت مدينتي في التلفزيون تشتعل تحت القصف، قال الطيار الأمريكي ما أجملها تشتعل كشجرة ميلاد؟، إنه لا يعرف منازلها ونوافذها ولا يعرف القلوب التي تخفق تحت النخل..’ ص284
فنشاهد التحول السريع من موضوع الحرب رائحة زيت البنادق’ إلى موضوع السفر حين يضيف رأيت مدينتي في التلفزيون’ ويعود لموضوع الذات وذكرياته مع المدينة إنه لا يعرف منازلها ونوافذها ولا يعرف القلوب التي تخفق تحت النخل’، وإن دل هذا التحول على شيء فإنما يدل على البراعة في جمع مواضيع عدة ودمجها في نفس السياق وبمفردات تجاور أحداها الأخرى دون خلق حالة صدمة وغرابة للقارئ، بل القارئ سيكون مندهشا ومسحورا بهذا العمل القيم والبارع.
الإيديولوجيا هي الدالة الوحيدة على الطريق الخالية التي يختبر الناس بواسطتها العالم الواقعي، وهذا بالضبط ما يفعله الأدب، حين يشعرنا بأننا نعيش ظروفا معينة بدلا من أن يقدم لنا تحليلا مفهوما ومنطقيا لهذه الظروف. ورغم وقوع الأدب في فخ حبال الإيديولوجيا دوماً، إلا أنه يعمل دائما على إبعاد نفسه عنها إلى درجة ندرك من خلالها المنابع الإيديولوجية التي يصدر عنها .
فقد وصف أرشد توفيق الكثير من الأحداث السياسية وصراعاتها والتحولات التاريخية في العراق والإيديولوجيات المتحاربة في ذلك الزمن دون أن يعطي موقفا واضحاً تجاه طرف معين، إلا أنه في الإقتباس السابق نلاحظ موقف الكاتب من إيديولوجية الحرب التي وصفها بالقمعية، فيصف الجندي الأمريكي بالمجرم الذي لا يبالي بالإنسانية ولا بحياة الآخرين، ويضيف كلمات الجندي الذي يقول مبتهجاً ما أجملها تشتعل كشجرة ميلاد؟’ ليسخر من هذا الواقع، بأسلوب يزود الحدث والنص بقيمة بلاغية أخرى تتوافق مع ذوق المتلقي ووضعه في وسط مشاعر الكاتب الحسية والمعنوية.
إن اللغة كما هو معروف وعاء الأفكار، ولا توجد صياغة لغوية ليست لها بنية دلالية ومعنى.. لذا قد لا نستغرب من إحتواء هذه الرواية على أفكار متعددة، ليشاكس المؤلف أيديولوجيات معينة الحرب والسياسة ، ويغازل بعضها كونه دبلوماسيا .. ولا يندمج مع أخرى يخطب ودها ويرحل خطوات بعيدا عنها..
3 ــ تأثير النص والقفل.
التأثير كان واضحا، فالكل بدأ يعرف الطفل الجميل، والكل يبكي كما بكى الكاتب. كان للصدق دور بارز في الإنتباه النفسي والذهني للقارئ، بل العامل الأساس لنجاح الرواية هو أنها رواية مبنية على احداث واقعية، قد تمر أو مرت بكل العراقيين، فكلنا كنا نعيش واقع الحرب ونألفها. فلقد اقفل الكاتب روايته بكلمات وتعابير تترك لدى الإنسان إنطباعا شاعريا عن ما آلت إليه حاله بعد عودته للوطن..
إنني أجر ساقي اليمنى بين الصخور، خلف تلك الأشجار. الطريق إلى الكهف، سأدخله وأصرخ فيه، سأفزع خفاشه’ ص367
فأخيرا قرر دخول هذا الكهف الأسطوري الذي أرعب سكان المدينة، فالكهف كناية لحزن الحياة وهروب الإنسان من المستقبل المحتوم، إلا أن ارشد توفيق يصر على مواجهة نتائج قراراته والثبات على مواقفه بعد إجابته عن السؤال ألا تخافه؟، فيقول
خضت حربا دامت ثلاثين عاماً » خذ هذه القصبة وحارب’ ص 368 .
تركيبة الأحداث
في هذه الرواية إعتمد الكاتب على الإسترجاع الزماني للأحداث ليحيك بنية الرواية وترتيب سلسلتها الفكرية والمنطقية، فقد غلبت الإسترجاعات في سرد الرواية، حيث يستحضر أرشد توفيق صورا وجملا ذهنية جميلة من خلال السرديات الجميلة والتداعيات النفسية والمونتاج المكاني والزماني والمعايشة للحدث الماضي في اللحظة الحاضرة فيستحضرها كما لو أنها كانت اللحظة الآنية للسرد.
إن العنصر الجوهري الذي تقع على عاتقه وظيفة تحول الحدث وارتباط العناصر الأخرى به هو الزمن، فالزمن عنصر أساس في تركيبة النص الأدبي وتميزه بتعدد الأبعاد النفسية والدلالية فيه، فشخصية الحدث لا تتمكن من العيش خارج نطاق الزمن ومساره والحدث بذاته ينتفي بانتفاء الزمن.. فالزمن كما يراه فوستر هو سلك ينظم ويربط البنية التعبيرية في النص ولا يستطيع القاص أو الكاتب الاستغناء عنه أبدا، لأن التتابع الزمني للحدث ينشأ من تنظيم المفردات والتراكيب في الجملة نفسها.
فالزمن في هذه الرواية يطابق ما عرّفه فوستر بأنه زمن نفسي والذي يختلف بطبيعته عن ذاك الزمن الطبيعي الواقعي، فهو لا يخضع لمعايير محددة كالشهور والسنوات بل يعتمد على لغة الكاتب والبناء النفسي لشخصيته
في طفولتي كان يراودني حلم غريب أو كابوس مرعب أن أستيقظ صباحا فأجد أن الناس قد ماتوا جميعا وليس هناك من حي في المدينة غيري’ ص42 .
فهذا زمن تنبؤي نفساني يدخل القارئ في تأمل حدث مستقبلي سيجد في نهاية الرواية بأنه صحيح وأن شخصية الكاتب النفسية ستكون وحيدة في المهجر والغربة.. بل هو زمن رائي يصعد شعريا ويعبئ انزياحات وفضاءات، فيستعين به النص.
دخلت المدينة باكيا كأنني أولد عند أعتابها، وودعت تلك القرية التي بقيت صورتها في مخيلتي هكذا بيوت ومدرسة ومركز شرطة كلها معلقة فوق صخرة كبيرة تلك هي الصورة التي طبعت في مخيلتي ولم أزر القرية أبدا ولذلك حافظت على تلك اللوحة دون أي تغيير’ ص 51 .
ثم يضيف في مكان آخر إحترقت القرية، ونما العشب فوق بيوتها الطينية وفي خوذتين حديديتين مرمريتين على قارعة الطريق، وظل النبع جاريا دون أن يراه أحد، وصارت الثعالب تجول في الأزقة’ ص65
فضلا عن توظيف هذه الرواية للعديد من المجازات والفنون البلاغية التي تعكس الثراء اللغوي للكاتب وقدرته العالية على بناء نص متماسك ماديا وفكريا.. شقائق النعمان، الطفل الجميل، وغيرها من الكنايات والإستعارات فقد كانت رواية إنسانية بحته، طرح فيها أسئلة إنسانية، كعلاقة الإنسان مع المحيط والطبيعة، ناهيك عن عبر الحياة التي وصلتنا كنتاج لتجربة إنسانية طويلة.. وهي رواية تصلح أن توضع تحت الدراسة لتسليط الضوء أكثر على تركيبتها الفنية وصورها البنائية الجميلة.
فلعل أبرز ما يستنتجه المرء من تحليله وقراءته لرواية نصف السماء ، إنها رواية تختلط فيها السير الذاتية والإيديولوجيات مع الوقائع التاريخية، فتقدم لنا نصا كنتاج تجربة مليئة بالفرح والحزن وويلات الحرب والإغتراب.
أدبيا فإن الإحداث والصدق والوضوح في طرح الأفكار وأخطاء الماضي كانت شاهدة من شواهد التشويق والتأثير الذي يتركه العمل الفني الرائع في نفس القارئ، مما يدخل أدبنا الحديث في طور جديد يتطلب إدراج الهموم اليومية والوقائع الحقيقية لتجسيدها بأطر ومفاهيم واضحة، والابتعاد عن الغموض والرموز التي تتعب ذهن القارئ وتشتت مخيلته.
/8/2012 Issue 4289 – Date 28 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4289 التاريخ 28»8»2012
AZP09


















