صفاء ذياب و الدخول التنكري في ذاتية الأشياء
قراءة في ثلج أبيض بضفيرة سوداء
حيدر عبد الرضا
تنطوي الكيانات المؤجلة في علائقية شعرية قصيدة الشاعر الصديق صفاء ذياب نحو اختباريات ظواهرية مخبوءة من زمن فواصل أمكانية أنزياح (سلطة الخطاب / النص) بيد أن فعل التعرف عليها قرائيا يتطلب ثيمة توافرية خاصة من تضاريس التساؤل الذهني الممتد نحوملابسات حدث ظرفية الخطاب نفسه . وفي ضوء ما تتوصل اليه الذائقة القرائية من اشارية مخمنة قسرا علاميا . أن حقيقة
الإغوائية القصوى في معالجات وتموقعات قصيدة (صفاء ذياب) لربما هي محض أولية لغوية صلبة وشائكة في الواقعة والأرضية وفي أسلوبية المخيلة ، التي لا تقوى أحيانا على فهمها أية مجسة أستفهامية متابعة لحصيلة تفويضاتها التكنيكية الهائلة في خطاطة الخطاب ..
كما أن فعل التلقي لأبنية وسائط هذه الشعرية ، قد تتحول أثناء القراءة والمتابعة الى مقولة توسعية محملة بروائح وقطاعات الذات المنزاحة في مشروع الشاعر الاختباري المحتمل بصياغات منظومة (التعويض / التبادل / الزيادة / النقص) إذ أننا أحيانا ونحن نطالع طقوسية قصيدة هذا الشاعر في منجزاته الشعرية ، لعلنا نشاهد ونشعر بأن هنالك تحولات قائمة في بنية شكل القصيدة ومحتواها ، لربما يعود مصدرها أحيانا الى حركية تأطيرية خاصة في أتجاهات خطاب التناثر المشهدي بين الزيادة والنقصان وبين التعويض والتبادل..
وبذلك تتم لدينا حصيلة تمظهرات الخطاب الدلائلي في موجهات الشاعر وعلى نحو جملة ارتباطات شبه متباينة الشروع في تحديد محورية مدلول ودليل لغة الأشياء ..في مجموعة قصائد (ثلج أبيض بضفيرة سوداء) للشاعر ذياب ، واجهتنا ذات الإجرائية في موصوفات فضاء الشاعر الملفوظية السابقة ، أي أن هناك الأفتراض المدعم والمدغم بالعون الرمزي والأنزياحي في شعرية تمفصلات الإحالة الذهنية المتفارقة أنسجاما وقصدا .. أن القارىء لقصيدة مجموعة (ثلج أبيض بضفيرة سوداء) لربما لا يجد سوى
لغة تقويم الافتراض والاحتمال الى حدود غاية غريبة من حالة الامتداد الخطابي والدلالي ذا الاتجاهات المتضافرة وحدود ناحية الاستقلال المعاكس لمركزية خطة العنونة والنتيجة المضمونية في النص الشعري .
نامت الوردة بالقرب من يدي
ونامت يدي
ونامت المزهرية والماء فيها
نائم أيضا
نامت النجوم
والظلام .
ان المشكل الدلائلي الذي تطرحه مستويات فعل الكينونة الافهامية في مداليل مقاطع القصيدة هنا ، تجعل فهم تماثلات وقرائن الصورة الشعرية تزحف نحومواطن التكرارية العلامية المثبتة في فواصل إطارية حالات ملفوظ علاقة المقاطع الشعرية ، وصولا الى مجسات متزايدة من شكل اطلاقية دلالة مخصوص (نامت يدي / ونامت المزهرية / نامت النجوم / والظلام) أن دال لفظة(نامت) على هذا
الأساس من موقعها التكراري قد حلت بمثابة الوسيلة الدلالية المتاحة لرسم ضمانات (الموقف الانطباعي) وصولا الى امكانية تقديم سلطة ملازمة المباشرية الحسية بموقف الفعل المشترك بين (اختزالية اللحظة) وبين (إطلاقية الموجه) وبين (مدار الصورة) ومن خلال هذه الارتسامية في مفعول فضاء الدال المشترك ، شاهدنا كيفية مزاولة الوعي العضوي لدى أدوات الشاعر الصورية على تحويل المعادلة البؤرية في خطاطة المشهد الى جملة مقابلات مضافة من دليل خارجية دلالة التجسيد المدلولي في مقطعية (الوردة بالقرب من يدي / يدي / المزهرية / الماء فيها / أيضا / النجوم والظلام) إذ يبدوالتجسيد التقابلي هنا عبارة عن حالة من المعرفة والكشف العضوي عن مثالات (الاظهار / التظهير) وصولا الى غاية قياسية كنمط التمثل الذي ينافي مقاربة الذات الواصفة لأنبثاق علاقة هذه الترسيمة (إغفاءة = نامت = نامت = التناحي في علاقة الداخلي = مجاور وتطابق = مجمل ما ذهب أليه المعنى =أختزال صفة مشتركة) وعلى هذا الأساس شاهدنا علامات المقاطع اللاحقة من القصيدة قد تحركت على نحومرحلة حقيقية من توازنية (الأنزياح) وهذا ما يدل على أن خطاطة الفكرة الشعرية في بنية الخطاب النصي ، ما هي ألا مصوتات من (المواقع التبادلية) على أوضاع أضافية من التماثل والتقارب أوالميتا وحدات .
والقمر نائم فوق سطح دارنا
الأسرة النائمة
والأفرشة متمددة فوقها
والوسائد ركنت رأسها على حافة من تلك الأسرة النائمة . أن سلطة (النوم) هنا ما زالت في مقاطع الصورة الخطابية تزحف نحو حقيقة جوهرية مسكوتاً عنها لتكشف لنا بالنتيجة محورية دلالات منحجبة اليقين والإحاطة بأبعاد نفي (الوجود الإيقاظي) في صحوة التملك .. فالشاعر ذياب بدءا يحيطنا بخلاصة تشكيكية الاقامة (القمر نائم / الأسرة نائمة / الأفرشة متمددة / الوسائد ركنت رأسها / تلك الأسرة) لا أدري هل توقف الزمن بالخطاب الرمزي أم أنه ضرب من من ضروب التعيين الاحتمالي والجبري المرهون بروح المقاربة الاحتجابية عن فكرة مركزية التصريح بكل تفاصيل ملامح المعلومة ؟
أخوتي ناموا أيضا
وأخواتي قبلهم
أمي نامت منذ خمس سنوات
ونام أبي أيضا منذ كان عمري أربع سنين .
أن الشاعر يسعى في عالم حجب هذه المقاطع من قصيدة (إغفاءة) وحتى هذه المرحلة شبه النهائية من زمن دلالات القصيدة الى تصوير صياغة الوجود الحياتي القهري ضمن منطلق كيفية الإقامة السرمدية في دليل (النوم) وصولا الى مجهولية جوهر منطقة (اللاشعور) الجمعي في تجاوز طابعية مرارة شبح صورة الذات الحقيقية وتجاوزا لنقص الذات الحالمة في أبعادها الأرضية والوجودية ، وهوما يتيح للحالم في الأخير توظيف رمزية الصراع المضموني بجانب الأنا الآخرية المخالفة .
لا أعرف متى نامت الشمس
ولا أتذكر أنها صحت ذات شتاء
وحينما صحوت على نفسي وجدتني نائما .
أن جدلية دال النوم أضحت لدى الشاعر ذياب بمثابة تجاوز الوجود الواقعي والشعوري ، وهوما جعل رغبة قناع النوم من لدن الشاعر تدخل ضمن تقنية تجاذب واستكشاف مجاهيل الإيحاء في اطار المنفتح على قراءة تجربة اللاشعور التواصلي مع الذات المتكلمة في مسرح النص .
(الدخول التنكري في ذاتية الاشياء) أن قراءة عوالم قصيدة مجموعة (ثلج أبيض بضفيرة سوداء) تبدو للقارىء أحيانا عبارة عن حركة محايثة في دلالات أصوات الأقنعة وتأويلاتها المحفزة على حكاية ستراتيجية الدخول في أسلوبية دليل أقنعة مرجعية الأشياء ، وهوما يعني بحد ذاته وجود حركة كشف دينامية وأرسالية لدى مخيلة الشاعر في ممارسة حكمية الأفتراض الأستعاري في قراءة المسافة الشعرية في قناع لغة الآخر وفي دائرة حوارية الذات لدى الشاعر نفسه : (في بادرة منها شجعتني أمي على النوم بعيدا عن الأطفال المتسخين بالغياب / لأني ومذ حاولت أجتياز الرابعة منحني الله لغة اليتيم فلم أبك حتى الآن / هذا ما شغل أمي وقتها وسألت كل نساء الحي كيف تميل اللثام عن دموعي / ألا أنها ماتت وما زالت دموعي تحت اللثام) . الشاعر ذياب ينفتح على ذاكرته الشخصية
بلغة مخيفة وصولا الى كشف أبعاد دلالية خارقة تنسف كل حدود حضورية ومعيارية الخطاب الشعري لديه ،إذ أننا ونحن نشاهد تصويرية الأشياء في الخطاب ، لعلنا كدنا أن ننسى حتى بأننا نقرأ سردية ما في مرثية قصيدة ، فالشاعر لديه لغة انطباعية ساحرة الى أقصى حالات الأمتداد التوصيفي الشعري والسردي ، ولدرجة وصول لغة النص الى مخطوطة رثائية زمنية أثيرة من خطية الماضي والحاضر .. وهوما يعني المزاوجة بين الاستعمال المجازي الاستعاري للغة وبين عمق كينونة الذات الواصفة لهوامشها الذاكرية القاهرة .. كما أن سؤال الذات والكتابة لدى الشاعر ، قد غدا في صور القصيدة ، كما لوأنه أبجدية ما في أثبات أفعال النسيان والتذكر وفرز حيوية الاسترجاع الأختفائي للأشياء والحقائق والظواهر ، وهذا ما جعل بدوره القصيدة عنده أي الشاعر عبارة عن صورة معنى واحد أوأعادة للدخول التنكري في ذاتية تواريخ الأشياء الشخصية من حوله ، ومن زوايا أشكالية متعددة ، والهدف الآخر من القصيدة لديه هوأتعادة حواره مع اللغة من حيث هي وطنه الوحيد : (شجعتني أمي على النوم بعيدا عن الأطفال المتسخين بالغياب) أنا شخصيا لا أدري ما حكاية صفاء ذياب مع دلالة ثنائية (النوم / الغياب) فهل الشاعر يسعى لكتابة تأريخا للأسود والأبيض أوتاريخا لوقائع الموت الوجودي لذاته العبثية مع دخوله التنكري في ذاتية الأشياء؟ أوأنه يسعى من جهة أخرى الى تدوين حضوره الشخصي
الشاهد على طقوس الزمانية المادية من حوله ؟ في قصيدة (أمي التي كانت هناك) تتكشف الدوال عن صيغ توصيفية
ذات مستوى دلالي يهيمن على عتبة مفهوم الدخول في الأشياء ، وذلك تصديرا حسيا من الشاعر على حساسية الشعرية المفرطة والمتضامنة لديه وعلى نحوراح يحمل الخطاب على أوسع مدى من الحالات الشعرية المتوازية مع حيوية تناغم تركيزية العنونة المركزية في (أمي التي كانت هناك) والقارىء لهذه القصيدة تحديدا سوف يشاهد علومساحة أضافية المتن النصي وهويحلق نحوعلاقة بالبعد الذاتي والرمزي لدى الشاعر : (أمي التي راحت تتهجى الغياب من دون أن تتعلم القراءة والكتابة / كانت تخط اللعنات كل يوم / كل يوم كانت تسبح في شاطىء السواد / وتغتسل غسل جنابة لم تأت) لاشك أن الشاعر في حدود هذه المقاطع من القصيدة ، كان يحاول رسم علاقة تدليلية بين دالين ، الأول دال (الأنا) والثاني دال (الغيرية) ويمكننا في السياق ذاته معاينة الدلالة العلائقية الممتدة بين (فضاء الرمز) وبين (فضاء المحور) أي ما معناه الجسدانية العلائقية الواقعة بين (التدليل) وبين (المسافة الزمنية) وبين (مقاربة تأويلية) ولعل في هذه الثنائيات التوصيفية والرمزية ما يعمق دور الوظيفة الخطابية المنزاحة في مداليل القصيدة التكوينية لدى الشاعر ذياب . (تعليق القراءة) .
ونحن نشارف على المرحلة النهائية من دراسة مقالنا لقصائد مجموعة (ثلج أبيض بضفيرة سوداء) للشاعر المبدع صفاء ذياب ، لعلنا لا نتردد في طرح مثل هذه المداخلة : ونحن نقرأ عوالم نصوص (صفاء ذياب) لاحظنا بأن هناك مؤولات نصية شبه اظهارية وأخرى شبه مخبوءة ، رغم أنها أنتاج مؤول حكائي واضح في أبعاده التوصيفية وآفاقه المضمونية ، ولكن مع وضوح هذا الأمر تبقى هناك مناطق عسيرة في قصيدة الشاعر ، كما لوأنها صور ناتجة من حدود فضاءات فنتازية ، فهناك مثلا ثمة تواصلية غير مشتركة بين مساحة المفردة الخارجية وبين دائرة أشكال فعل المجاورة لدلالة الصفة المرسومة شكلا ، وبين ما يمكن أن يجعل المدلول الجزئي في الخطاب علىى وفق الترسيمة المضمونية ، التي تبدولنا أحيانا كأنها أنطلاقة غير محددة في كيفية الفكرة المركزية والعنونة . كل هذه الاعتبارات وجدناها تنتهي في قصيدة الشاعر في حدود انعطافة الذات كعلاقة بديلة لتتحول الى مزاولة مرجعية للمعنى الخاص وليس في المعنى الاعتمادي والناتج عن أشكال المجاورة في أفق الدلالة التوقعية .
ها أنت الآن يا أمي تشربين كأسا واحدة وتزمين شفتيك أمتعاضا وانكسارا وخيبة كلنا طاعن في الغياب يا أمي .
تظهر هذه الختامية من مقاطع القصيدة رصدا رمزيا واعترافيا محيطا ومخيبا لآمال الشاعر وهويسعى لوضع ثمة علاقة مأساوية في سياق لغة طبيعية : أن مدلول عنونة الشاعر (ثلج أبيض بضفيرة سوداء) يبدوهوالاسترجاع وحده بالفضاء المتوقع بينه وبين فضاء دال (أمي) فأكتفاء الشاعر بحدود أيقونة هذه العنونة ، ما هوألا الإيحاء بالتعبير الاستذكاري المتمظهر في حضورية المركزي والمحوري في محفزات عين الذات المصورة لدى الشاعر ذياب .
أحقا هذا وجهي !
لم أره منذ سنين طوال
لكني أتذكر آخر مرة رأيته فيها كان ندبا وغضا
لم تمر عليه سوى ثلاثة حروب
وحصاروثلج يتساقط
لماذا إذن كل هذه الندوب (قصيدة : وجهي)
أن قصيدة الشاعر هذه تذكرنا بأجواء قصيدة المبدع الكبير
(محمود البريكان / البدوي الذي لم يرى أحد وجهه) غير
أن قصيدة ذياب ذات مؤولات حياة ذاتية قد تداعى من خلالها الحلم العدمي وهويصطدم بآخر انهيارات الذات الوجودية المتمسكة بمفارقات العصر .
من الطارق ؟
يد ما تطرق باب الليل !
الليل واسع جدا في هذا البيت
لكني أتحـــسس اليد تطرق الباب
ترسم في مقبضة جلبة
وتختبئ خلف الليل
فلا الليل ينتهي
ولا اليد تتعب . (قصيدة : وحدة) أن الحديث عن عوالم صفاء ذياب قد لا يكفي حدود صفحات هذه الدراســـــة السريعة من مقالنا.
ولكنني أردت فقط الكلام العابر حول منجز هذا الشاعر الذي تناولنا مجموعته (ثلج أبيض بضفيرة سوداء) ولابد لنا من التركيز في القول على أن لهذا الشاعر من الأعمال الشعرية العديد والمتفردة في أسلوبها وأيقاعها وصورها ومسارها.. غير أننا ونحن نقرأ نصوص (ثلج أبيض بضفيرة سوداء) أستمتعنا بمحاورات النص الشعري وهويمتد الى حدود بعيدة من العلاقات المضمونية والشكلية الغارقة في استراتيجية اختزال مساحات (الدال بالدال) وبمستويات مقترحات المعطى الداخلي والمرتبط بالتجربة الحسية والتأملية وما يتمخض عنها من فاعلية الخارج والداخل لتستجلب مقولة المركز الشعري الأستجابية في شكل مقنع ومؤثر. أنا الرابح الوحيد في هذه الحروب
كلما دخلت حربا
خرجت مدججا بالأزامل
لم تتركني هذه الحرب لحظة واحدة
رافقتني لثلاثين عاما كأم حنون
تدفئني في الليل بنيرانها
وفي الصباح تمسد شعري ببساطيل الجنود .
ويوغل سؤال الشاعر في هذه الخطاطة على نحوأكثر عمقا وتكثيفا وتركيزا وشمولا وحزنا وإدانة ، لينفتح على الصورة اللحظوية الخاطفة من زمن الحرب ، مرورا الى عين بؤرة كاميرا الكائن الشعري وهويتحسس بفرشاة الطبيعة والذات والأشياء والسؤال البديل ، ليعزل الخارج عن هاجس حلمه وحيويته الملفـــــــــوظية .. لذا فإن المتبقي من عاصفة الحروب هوالقصيدة وعلامة (الاستفهام) والسؤال ومسافة الخــــــــاطرة من أجل ألتقاط الأنفاس القولية في جولة القصيدة وهـــــــي تنزاح في فضاءات الأنفتاح على الخارج ثم أقفاله والانسحاب الى مشهدية الحلمية المتمـــــــــــــفصلة في مسرح الفواصل الابداعية الحاذقة .
























