قتلى الرّيموت ـ أحمد ابراهيم

قتلى الرّيموت ـ أحمد ابراهيم
جمعة الفرقان بالقاهرة لم يكن يُخشى منها هذه المرة قدرما كان يُخشى عليها.. نعم، عاصمة التسعين مليون القاهرة ، لم يكن يُخشى عليها من النغمة المعهودة قاف جيم قتلى وجرحى ، ترنيمةٌ تترنّم بها عواصم اللاربيع العربي، وانما القاهرةُ كان يُخشى عليها هذه المرة من تراتيل جديدة قاف قاف قتلى وقتلى.. . القاهرة عاصمة الخريف العربي التي اقتنعت بواقع الخريف على ربيع الخيال، واكتفت بأقل القتلى والجرحى، منذ ان ترك الفرعون القصر الجمهوري مبكّراً لجمهور الشوارع المصريّة، نراها القاهرة هذه، تتجمهر يوماً بعد يوم، ومن جمعة لجمعة لاتجاه مجهول مشبوه ومخيف. جمعة الفرقان، ان كانت بسُفرة افطار الصائم توحّد المصريين توقيتا من العدوية للتحرير، وصفوف التراويح تجمهرهم اتجاهاً من محافظة لمحافظة، فقد لاح لهم هذه المرة من وراء النيل والجبال ما يجمهرهم قبل مدفع الافطار ودون مئذنة المسجد وناقوس الكنيسة، على سفرة أكل عليها المسيحي والمسلم معاً، وتراويح اصطفّ فيها المحمّديون والأقباط معاً، في صفوف بالرجال والنساء والكهول والأطفال ممن لا صيام عليهم ولا قيام.
ــ فيا ترى من يحمل هذا الريموت السحري نحو المصريين بالتنويم المغناطيسي من جمعة لجمعة ومن ميدان لميدان ومن محافظة لمحافظة؟
ــ وهل الريموت ببوصلة الكعبة هي ذاتها تدعو الى اراقة الدماء، وشرب الدماء وامتصاص الدماء؟..
ــ دماء من؟ دماء المصريين.
ــ دماء من؟ .. دماء أهل الكعبة أينما وجدوا لمُرسي بالكرسي.
ــ على من يدعو لمرسي بلا كرسي.
أنا اختلف مع الذين أرشفوا شعب مصر في خانتي فاء وفاء فروسية وفراسة منذ ثورة 1919، التي ابتدأت مخمليّاً في وجه بريطانيا المستعمرة لكل مصر، والمتزعزعة أمام الجيش الألماني في البداية، بانتصارها على الألمان بالنهاية.. ولكن دون أن تُطلق رصاصةً واحدة في أرجاء القاهرة، او تُذرف قطرة دم في أرجاء مصر.
اذن فروسية المصريين لم تكن الزحف الى وجوه المهزومين الضعفاء والرقص على أجسادهم، وانما الصعود بفراستهم على صدور الطغاة الأقوياء.
فلا أصنّف هؤلاء الذين قتلوا ويقتلون الجيش المصري والشرطة وحرس الحدود في العريش بسيناء، على انهم بفروسية المصريين او بفراستهم.. ثم لا أعتقد ان شعب مصر المُدجّج في الشوارع بالورود والهتافات لكل المصرييّن، وبافطارية التمر وماء زمزم للصائمين منهم، انه شعبٌ قاتل يقتل ويقتل.. وانما هناك شيء يُحرّك هذا الشعب كما أسلفنا بريموت الساحر، من شارع لشارع، ومن جمعة لجمعة.. الى اتّجاه مشبوه وغامض، وبالذات على مناطق حدودية حسّاسة كالعريش بسيناء ومعبر رفح.
هذا الشعب الذي لم يحرّك ساكناً فلم يتحرّك شارعاً في ثورة نوفمبر 1914، عندما أعلن الانجليز الأحكام العُرفية في كل الأراضي المصرية والرقابة على كل الصحف المصرية، وهذا الشعب الذي لم يخرج للشارع كلما خلع الانجليز شخصياته القيادية المحبوبة جماهيرياً، ولا عندما نصب الانجليز المدافع في شوارع القاهرة لازالة السلطان المخلوع وحماية السلطان المنصوب، ولا في شهر فبراير سنة 1915 عندما هاجم الأتراك قناة السويس وظلوّا محتلّيها ستة أشهر.. ولا حتى في نوفمبر 1915 عندما هاجمت جيوش السنوسي كل مصر، وانسحب الانجليز من كل مصر، فلم تأت هتافة واحدة من الشوارع المصرية تجاه الانجليز وهم ينسحبون ولا تجاه الأتراك وهم يحتلّون. وكانت الحرب في اوجها بين الانجليز والألمان، والمصريون كلهم آمال بالألمان، انهم سينتصرون على الانجليز فيخلصونهم من الانجليز، وأتت المفاجئة المعكوسة، انتصار الانجليز على الألمان. واغراق الهتلرية في بحيرة الاستسلام لسيدة البحار بريطانيا التي لا تغيب عنها الشمس… يعني مصر مسجونة للأبد. ويعني لا صوتاً مصريّاً سيُرفعُ في وجه العملاق البريطاني الذي سحق الألمان.
لكن حصل العكس
الشارع المصري الذي لم تحركه الجراد في وجه الانجليز المتزعزع أمام الألمان، فاجأ العالم أنه يزأرُ زئير الأسد بسواعد واكتاف وهتافات مصرية في وجه الاستعمار البريطاني… اذ بعد اقل من 48 ساعة من اعلان انتصار بريطانيا على الألمان، كانت شوارع مصر تزأر في وجه الانجليز أخرجوا من بلادنا .. اذن لم تكن هذه فروسية مصرية وانما كانت فراسة مصرية بأننا لا نزأر في وجه الجريح المهزوم، وننتفض في وجه القاتل المنتصر الطاغي، واننا لانعتمد على بنادق الألمان والأتراك في التخلص من الاستعمار البريطاني، وانما نعتمد على بوصلتنا في تغييب شمس لا تغيب.
وفي ضوء ما سبق، ان ما حصل في مصر بين عامي 2012 و2013، هو عكس العكس. ان كان حسني مبارك تراجع أمس خطوة للوراء تاركاً القصر الجمهوري للجمهور بأقل التضحيات، فالجمهور أراه اليوم يتخطى خطوتين للأمام، من التدافع للجرحى، ومن الجرحى للقتلى، والخوف كل الخوف من ذلك الريموت السحري الذي قد ينقل عاصمة الثمانين مليون من قاف جيم قتلى وجرحى الى قاف قاف قتلى وقتلى . وان حصل لا سمح الله ما يبتغيه الريموت السحري، فان أزمة الربيع العربي لن تبق مُسوّرة الحدود الصحراوية بعريش سيناء، لأنه ذلك الحوت الذي سيبتلع المطار والميناء، ولا أعتقده سيكتفي بابتلاع مطار القاهرة الجوي وميناء الاسكندرية البحري، وانما قد يلتحق بكل الموانئ التي لم تلتحق بالربيع العربي.
البريد الالكتروني [email protected]
AZP07