
مكتبة الصدر المتسلسلة
في غمرة المخاض الصعب – محسن حسن الموسوي
لا أستطيع أن أُخفي سعادتي وغبطتي وأنا أطالع كتاباً جديداً صادراً لسماحة سيدنا الحجّة العلاّمة السيد حسين السيد محمد هادي الصدر ، حفظه الله
كما لا أستطيع أن أُخفي محبتي وإعجابي لشخصه الكريم ،
وأنا حينما أقرأ لسيدنا الصدر ، حفظه الله ، أقرأهُ بعيون العاشق المحبّ ، وأنا أتشرف بهذا العشق وهذه المحبة .
وغالباً ما تكون المحبة بعد معرفة أكيدة ، كما غالباً ما تكون العداوة عن جهل وعدم معرفة .
وقد كان مجلسه الثقافي الشهري في الكاظمية المقدسة واحة للفكر والثقافة والوعي ، وكان سيدنا الصدر ، حفظه الله، يسقينا من علمه وتجاربه الشيء الكثير والعميق.
وكتابات سيدنا الصدر تخرج من نبع ثرٍّ أصيلٍ وصادق ؛ هو الالتزام الديني والوطني والإنساني ، وحسْبُكَ أن تعرف أنه تلميذ ذلك العبقري الخالد، صاحب الفتوحات الفكرية التجديدية المدهشة ، السيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره.
ولا يتصورنّ أحدٌ أنّ الكتابة أمرٌ سهلٌ متيسّرٌ لكل واحد ، وفي كل وقت ! ، وإنما الكتابة _ شعرا أو نثرا _ وخصوصاً المتواصلة ، تحتاج الى مَن يتحلّى بمزايا العبقرية ، والتواصل مع الكتاب، والاريحية النفسية ، والاستعداد اللامحدود.
وليست كلّ كتابة تستحق المتابعة والقراءة ، خصوصاً إذا خَلَتْ من الوضوح في الرؤية والهدف .
وتتميّز كتابات سيدنا الصدر ، حفظه الله، بوضوح الرؤية ، وعمق المضمون ، وإصابة الهدف ، وتدور هذه الكتابات في ثلاثة محاور ؛ الإسلام ، والوطن ، والإنسان ، وهي محاور تكاد أن تكون مترابطة ، وتتفرع عن هذه الأغصان الثلاثة كتابات تخاطب عقل ووجدان وضمير الإنسان.
قادة الهداة
وأنتَ تسير في غابة الكتابات ، تستوقفك كتابات سيدنا الصدر ، وتخاطبك: أنْ قفْ ، وارتوِ من هذا النمير .
والكتاب الذي بين أيدينا ضمَّ ( 48) مقالة متميّزة في طرحها وأسلوبها.
سماحة سيدنا العلاّمة الصدر حريصٌ جداً على الإشارة إلى ذكر أيام مواليد ووفيات القادة الهداة المعصومين ، فكان من حصة هذا الجزء ، وهو الجزء الخامس والستون ، من موسوعة العراق الجديد ، أن ذَكَر في مقالاته ؛ الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين علي عليه السلام. ، والائمة : الحسين والسجاد والباقر والكاظم والجواد والهادي عليهم .
يقول سيدنا الصدر حفظه الله ، عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم :
(( إنّ أفضل ما يمكن أنْ نُحيي به الرسول(ص) ، وذكرى مبعثه الشريف هو الاستقامة على خطّ الطاعة لله ولرسوله( ص) ، مستلهمين هُداهُ ، وسالكين الدرب الذي رسمه لعباده الصالحين )) .
وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام ، يقول سيدنا الصدر ،حفظه الله :
(( قوافي الشعراء في سيد الأوصياء الإمام علي بن أبي طالب( عليه السلام ) تُكْتَبُ على صفحات القلوب قبل أنْ تُكتب على الورق .
وما مِنْ شاعرٍ عملاق كن شعراي العقيدة إلاّ وله قوافيه التي ترنّ في سمع الزمن ويلهج بها عشّاقُ بطلِ الإسلام الخالد الإمام علي بن أبي طالب( عليه السلام ) ، وقد يفوق البيت الواحد أو البيتان الكثير من القصائد :
ألم تسمع المتنبي يقول :
وتركتُ مدحي للوصيِّ تعمّداً
إذْ كان وَصْفاً مستطيلاً كاملا
وإذا استطال الشيءُ قام بنفسهِ
وصفاتُ ضوءِ الشمسِ تذهبُ باطلا ))
وفي ذكرى ولادة الإمام الحسين عليه السلام ، يكتب سيدنا الصدر حفظه الله:
خواطرُ المرءِ في ذكراكَ تزدحمُ
وكلُّ خاطرةٍ بالمكرماتِ فمُ
وبومُك الزاهر الزاهي غدا خَضِلاً
بالطيب حتى استُطيبَ الشِعْرُ والنَغَمُ
هذي الملايين في ذكراك هاتفةٌ :
إنّا بحبِّ الحسينِ السِبْطِ نَعْتَصِمُ ))
ولسيدنا الصدر ،حفظه الله، نظرات ثاقبة في فهم فلسفة الحياة ، وهذه النظرات مستمدّة من الواقع المعاش، وممّا سطّرَ التأريخ بين صفحاته من أحداث وتجارب ، وهنا يُشخّص الرجال الذين على يَيديهم تُبنى الأوطان ، ماهي مواصفاتهم ؟ وما هي سيرتهم قبل وبعد وصولهم إلى مركز القرار : (( إنّ التجارب البشرية دَلّتْ على أنّ الشخصيات الهشّة التي ام تَذُق طعم العناء والفاقة في يوم من الأيام ، واعتادتْ على تأمين كل ما تريد دون تعب وبلا عمل، لا توفق لكتابة صفحات بيضاءمُشْرقة في تاريخها ، ولا تصلحُ الأوطان بمثل هذا الطراز الواهي من الرجال، وإنما نحتاج إلى الأبطال الذين يكافحون من أجل الإعمار التنمية والنفع الإجتماعي العام ، وإعلاء راية الوطن على كل الصُعُد وفي كلّ المجالات).
ويدقُّ سيدنا الصدر حفظه الله، ناقوس الخطر ، منبّهاً وواعظاً ومحذِّراً ، من خلال تساؤله : مَن هم الرابحون على كلّ حال ؟
رصيد شعبي
(( إنّ الكثير من الأحزاب والجهات السياسية العراقية قد فشلت في الاحتفاظ برصيدها الشعبي ، من خلال اصرارها على تغليب مصالحها الحزبية على مصالح الوطن والشعب ، وهذا الذي عمّق المخاوف من نتائج الانتخابات النيابية المزمع اجراؤها في تشرين الأول القادم .
إنّ العمل لصالح الشعب والوطن هو العبادة الإجتماعية التي يفوز بها مَن يؤثر مصالح البلاد والعباد في الدنيا قبل الآخرة )) .
ويتحدّث سيدنا الصدر ،حفظه الله ، في الذكرى السنوية الثانية والعشرين لاستشهاد المرجع الكبير الإمام السيد محمد الصدر ، عطّر الله مرقده الشريف ، ويُحلّل تلك السنوات وما فيها من أحداث، وكيف تعامل النظام المجرم مع هذه النخبة من علماء الإسلام ، فيقول :
(( إنّ الشعبية التي نالها الإمام الشهيد السيد محمد الصدر _ رضوان الله عليه _ هي أعظم الادلّة على عمق إخلاصه وتفانيه من أجل إعلاء كلمة الله في الأرض ، وإنقاذ المعذَّبين من أبناء العراق العزيز من براثن الظلم والاستبداد ، ولمْ تكتفِ الدكتاتورية الصداميّة بِقَتْله ، بل قَتَلَتْ معه ولدَيْه الشهيدَيْن الكبيرَيْن الشهيدين( مصطفى ومؤمل ) في واحدةٍ من أكبر جرائمها السوداء )) .
ويكتب سيدنا الصدر ،حفظه الله، مقطوعة شعرية في هذه الذكرى الفجيعة :
في كلِّ مُنعطفٍ أراكَ أمامي
والجرحُ نغّارٌ مدى الأيامِ
مُزجَ الأسى بِدَمي ففاضَ مواجعاً
لاتنقضي حتى يحينَ حِمامي
قَتَلوكَ مِنْ حِقدٍ عليكَ وعَمَّدوا
وَلَديْكَ في بحرِ الدماءِ الطامي
قد كنتَ ( عملاقَ ) العراق بطولةً
أبْقَتْ صَغارَ العارِ ( للأقزامِ )
تلك لمحات سريعة عن هذه الاضمامة الثريّة من المقالات في هذا الكتاب ، وكنتُ أُحبُّ أن أتحدث عن قصة ذاك الرجل الثري ( الراجحي ) وقصة نجاحه من أدنى الدرجات إلى أعلاها ، والاريحية التي كان يحملها ، وهناك الكثير من اللمحات الذكية التي التقطها سيدنا العلاّمة الصدر ، حفظه الله ، فكان هذا الكتاب واحة زاهية بالزهور والثمرات.
حفظ الله سيدنا العلاّمة السيد حسين السيد محمد هادي الصدر ، وبارك الله فيه وله وعليه .
من المحب، تلميذه المخلص
كتاب : في غمرة المخاض الصعب
تأليف: سماحة العلاّمة السيد حسين السيد محمد هادي الصدر ، حفظه الله
الطبعة : الأولى / بغداد 1442هـ – 2021 م
عدد الصفحات : 176 صفحة























