
أذن وعين
في تذكّر كارانجيا وخنجر إسرائيل – عبد اللطيف السعدون
ربما لم يسمع معظم قراء هذه المقالة من الشباب باسم الصحفي الهندي روسي كارانجيا لكن أبناء جيلنا العتيق تعرفوا اليه في حينه، ومنهم من لايزال يحتفظ في مكتبته بنسخة صفراء من كتيبه الذي ذاع صيته عندنا في طبعته العربية بعد نكسة حزيران 1967 والذي لم تتجاوز صفحاته المئة، وقد أطلق عليه كارانجيا عنوان «خنجر اسرائيل» مقرا بأنه مدين بهذا العنوان لصديق عربي شبه اسرائيل بخنجر أجنبي مسدد الى رقبة العالم العربي.
تعيد حرب الابادة التي تمارسها هذه الأيام اسرائيل في غزة ولبنان الى ذاكرتنا المتعبة الوثيقة التي قال لنا كارانجيا أنه حصل عليها من شخصية كانت تعمل آنذاك في المقر الرئيسي لحلف بغداد في العراق وضعتها قيادة الأركان العامة للجيش الاسرائيلي بعد سنوات معدودة على قيام الكيان الصهيوني، وتتضمن الخطوات العملية التي يرى الاسرائيليون أنها تضمن ادامة الاحتلال الصهيوني لفلسطين وتكرس قيام «الوطن القومي لليهود» على أرضها.
اعادة قراءة الوثيقة اليوم تحيلنا الى مشاهد بانورامية لأحوال ما قبل سبعة عقود، في حينها كانت اسرائيل كيانا قد ولد للتو ولم يقف على قدميه بعد، وسط عالم عربي مجزأ لكن أبناءه كانوا يحملون بشائر يقظة ونهوض مرتقب.
تحدد الوثيقة «المهمة القومية لدولة اسرائيل» وهي «لم شمل الشتات اليهودي، وتحقيق هدف الحركة الصهيونية الأساس في انشاء دولة تطمح أن يصل عدد سكانها على مدى حياة جيل واحد من 3 الى 4 ملايين»، ولتحقيق مهمة كهذه تقترح الوثيقة وضع خطط لعمليات عسكرية دفاعية على أن تأخذ لاحقا طابعا هجوميا يسعى لتحقيق هدفين، هدف قريب يركز على الاستيلاء على أراض من الأقطار المحيطة تمثل ضرورة آنية لأمن اسرائيل، وجعل (القدس) نقطة الانطلاق، وهدف بعيد يسعى للاستيلاء على مناطق تفي بجميع الاحتياجات المستقبلية لدولة في طريق النمو.
صراعات دينية
تؤكد الوثيقة على أن الوصول الى هذين الهدفين يستدعي القيام بحملات سياسية لأثارة الخلافات بين الأقطار العربية، وتأجيج الصراعات الدينية والعرقية بين أبنائها، والعمل على تقويض مساعي الوحدة في ما بينها لأن العرب سوف يعملون على مواجهة اسرائيل اذا كانوا متحدين.
على أن أخطر ما تتضمنه الخطة أنها ترسم سيناريوهات التقسيم المطلوب للعالم العربي، والذي يضمن ليس تأمين المتطلبات الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية لإسرائيل انما يؤبد وجودها، ويضعها في دائرة الفعل والتأثير الدائمين، وتشمل سيناريوهات التقسيم « دولة درزية في الصحراء وجبل تدمر، دولة شيعية في جنوب لبنان، دولة مارونية في جبال لبنان حتى حدوده الشمالية، دولة علوية في اللاذقية حتى تركيا، دولة كردية في شمال العراق، ودولة أو منطقة ذات استقلال ذاتي للأقباط في مصر، وانشاء ممرات غير عربية تشق طريقها عبر المناطق العربية»!
تتطرق الخطة أيضا الى سعي الولايات المتحدة لإنشاء قواعد لها في البلدان العربية لحماية منابع النفط، وتشكيل ثقل مقابل القوة العسكرية السوفياتية، هنا بوسع اسرائيل، بحسب الوثيقة، أن تلعب دورا مهما يتمثل في تعزيز العلاقة بأميركا وبقية الدول الكبرى ومحاولة اللعب على الخلافات القائمة بينها.
والوثيقة بعد هذا كله تشرح بالتفصيل وبالأرقام خططا لحروب محتملة مع العرب، وتحدد متطلباتها، وبالأخص الاحتياجات العسكرية وكذلك احتياجات السكان المدنيين الذي يتم ضمان أحوال عادية لهم في فترات الخطر.
أمن قومي
رغم خطورة «وثيقة كارانجيا» هذه على الأمن القومي العربي فإنها لم تحظ باهتمام دوائر القرار عندنا، ولم نسمع عن خطة عربية لمواجهة فاعلة بمستوى ما طرحته الوثيقة، بل أن ما نراه اليوم يصفعنا بحقيقة ان اسرائيل تتمدد، وعدد سكانها يصل الى عشرة ملايين، فيما يستسلم العالم العربي لقدره، يحيل قضيته المركزية (فلسطين) الى الأدراج، ويصمت عما تفعله اسرائيل وما تخطط له، ويزداد تفككا، ويضيق على أبنائه لدرجة أن أكثر من 50 مليونا منهم هجروا أوطانهم، ومن بقي أصبح همه الأكبر الحصول على رغيف خبز أو فسحة حرية، وقد يكون القادم أكثر مرارة!
























