في الذكرى السابعة لرحيل صاحب نوبل للآداب
نجيب محفوظ … عبقرية لا تُحاكى
غادة قدري
ها هي سبع سنوات قد مرت منذ ان امتطى عميد الرواية العربية نجيب محفوظ جناح الموت وغادر حياتنا تاركا لنا سجلات حافلة بالحيوات والتقلبات، ضمن أدبه الذي يعد من أهم الآداب التي دونت في المنطقة منذ مطلع القرن العشرين وحتى الآن ، والتي مازالت أصداءها تدوي حتى اليوم حين تأتي سيرة نجيب محفوظ فتصنع جلبة وصخبا هائلا كونه نشأ وظهر في مرحلة من أهم مراحل التاريخ المعاصر الذي شكل وعي ووجدان المصريين، فلم يكن أدب محفوظ مجرد شكل فني، أو تصوير لمشهد ما، أو وصف لحدث أو تدوين لاختلاجات نفسية، بقدر ما كان أدبا واقعيا يحمل أطروحات ذات دلالات وقضايا سياسية واجتماعية حية في ذلك الوقت، ما يمكن اعتباره توثيقا وتأريخا لحقبة سياسية واقتصادية مهمة في التاريخ المصري الحديث بعد ثورة 1919، مرورا بالحرب العالمية الثانية وحتى اندلاع ثورة الضباط الأحرار سنة 1952، ساهمت بشكل كبير معرفة نجيب محفوظ ومعايشته لثورتين في مصر، وعدة حروب جسام مرت بها المنطقة العربية، في تغيير نمط الكتابة الذي تأثر بشكل واضح بدراساته الفلسفية وتأثره بشكل خاص بالتوجهات الوجودية وانشغاله الدائم بالحقيقة، واشكاليات الزمن، وبحثه الدؤوب عن أصل ونشأة الكون، وفكرة العبثية وهم الوجود الإنساني، ويتضح أيضا من خلال أعماله انتصاره للفكر الماركسي والاشتراكي الذي كان يراه حلما سيحقق به السلام والاكتفاء الإنساني وخاصة بعد نجاح تجربة اليسار في روسيا بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها.
يمثل نجيب محفوظ أيقونة مصرية عربية عالمية وكلاسيكية يصعب تكرارها أو محاكاتها، وتعتبر تجربته الإبداعية كبوتقة شملت كثيرا من عمق وثقافة من سبقوه؛ وشكلت أيدلوجيا هذا العبقري قراءاته الواسعة للأديبين طه حسين وعباس محمود العقاد إضافة إلى علاقته بسلامة موسى وثقافته اللامحدودة واطلاعه على الأدب العالمي، ومسرحيات الإغريق، وجوته وشكسبير وكورني وراسين ثم إبسن وشو وتشيخوف، أضف إلى ذلك عشقه للأمكنة الذي كرسه في تكرار الثيمة المتفردة للحارة المصرية التي قصدها كرمز مصغر للمجتمع المصري، تلك الحارة التي شهدت مولده والتي تركت بدورها بصمتها في ذاكرته بأزقتها وحوانيتها فكانت جل أوقاته يقضيها في مقاهي وسط المدينة ومنطقة الحسين ليرصد تفاصيل الحياة اليومية وتحركات وايماءات المارة والعابرين من أبناء الطبقة الوسطى، والكادحين البسطاء والذين يكتظ بهم المكان، فجعلهم من شخوص رواياته وأطلق عليهم الحرافيش فاستطاع بفنه وذكاءه أن يخرج الرواية من الإقليمية إلى آفاق العالمية.
بدأ محفوظ كتاباته وكانت تحمل في مجملها نزعة روحية وصوفية في أحيان أخرى، محاولا إعادة كتابة التاريخ الفرعوني بشكل جديد في أولى أعماله عبر ثلاثيته رادوبيس ــ كفاح طيبة ــ عبث الأقدار ، إلا أنه اتجه بعد ذلك لنقض المجتمع قبل ثورة 1952 من خلال ثلاثيته الشهيرة بين القصرين قصر الشوق السكرية وبعد الثورة فضّل الصمت والتوقف عن الكتابة، بعد أن استشعر بأن أحلامه قد تهشمت على صخرة الواقع بسبب عدم رضاءه عن تلك الثورة التي خذلت أحلامه ولم تحقق ما كانت تنادي به مبادئه الإشتراكية.
لم يدم انقطاعه عن الكتابة كثيرا، فالتتابع السريع والمتلاحق للأحداث السياسية والرؤى الفكرية والإجتماعية المنبثقة من نتائج التغيرات التي أحدثتها الثورة، جعلته يعود مرة أخرى؛ وظهر ذلك في عمله الجديد، الذي بدأ بروايته الشهيرة أولاد حارتنــا 1959؛ بعد سبع سنوات من مراقبة واستكشاف ما جرى في المجتمع، لجأ فيه إلى الرمزية أكثر من المباشرة، وإلى الطابع التعبيري والتجريدي، بخصوصية تامة تفرد بها اتسمت بالملحمية واللامعقول، وعوالم من الفانتازيا والموضوعات الافتراضية، و هو ما كرره في رواية ميرامار ، و ثرثرة فوق النيل .
منعت أولاد حارتنا ، من النشر كاملة في مصر، واختارتها لجنة نوبل ضمن أعمال أربعة استحق عليها الروائي جائزة نوبل سنة 1988، وهي ثلاثية القاهرة وأولاد حارتنا، والتي كانت سبباً في محاولة الإغتيال التي تعرض لها عام 1994م، رفض نجيب محفوظ نشر الرواية بعد ذلك أو إعادة طبعها، ولم يكتب شيئاً بعد تلك الحادثة سوى أحلام فترة النقاهة التي نشرت في حلقات متسلسلة في مجلة نصف الدنيا ثم نشرتها دار الشروق بعد ذلك عام 2005م، وقامت بإعدادها الصحفية سناء البيسي.
كان رحيل نجيب محفوظ في سنة 2006 بعد أن ناهز الخمسة وتسعين عاما خسارة كبيرة للأدب العربي والعالمي، وهو الرمز والقامة الشامخة الخالدة التي طالما افتخر بها أبناء مصر والعرب، وبرغم ذلك يظل محفوظ بما قدمه للثقافة والمكتبة العربية، الحاضر الغائب دائما .
AZP09






















