
نبض القلم
فلسطين بين المركزية و الهموم الذاتية… – طالب سعدون
قد تجد اليوم من يرى الكتابة عن فلسطين – من غير الفلسطينيين – ترفا ، بعد أن كانت هما ، خلاف نظرته بالامس عندما كان يعدها قضيته المركزية.. وحجته أن لكل قطر عربي اليوم همه ومشاكله الكبيرة ، وانشغال المواطن العربي بهمومه الخاصة التي ابعدته عن الهموم العربية ، وفي مقدمتها صعوبة حصوله على قوت يومه ..
ويدلل على صواب رأيه برد الفعل العربي ، حيث كانت التظاهرات الشعبية الغاضبة تملأ الشوارع العربية ضد أي عدوان اسرائيلي .. وهذا ما لم يحصل اليوم … ولم تسمع كالسابق دعوات رسمية الى عقد قمة ، أو اجتماعات على أي مستوى ، وغابت حتى كلمات التنديد والشجب والاستنكار المعهودة ، بل تسمع مناشدات ( خجولة ) ، وتوسلات ( خنوعة ) الى اسرائيل ، بعدم التصعيد ، والكف عن استخدام القوة والعنف ، حفاظا على الامن والسلم وسلام لم تعره ( اسرائيل ) اهتماما في يوم ما على مدى تاريخها …
فاذا كانت بالامس لدينا فلسطين واحدة ، فاليوم كل بلاد عربية منكوبة بالارهاب والفقر والجوع والدمار والخراب هي فلسطين ، فغابت الاولى وسط كل هذه ( الفلسطينيات) الجديدة التي تكاثرت مع الزمن ..؟…
هكذا اصبحت نظرة البعض اليوم …
والاعتداء الاخير على المسجد الاقصى ينقل صورة عن الواقع العربي الرسمي والشعبي ، مجسمة بدون رتوش ، وشجع القوات الاسرائيلية على منع المصلين من دخول المسجد الذي بارك الله ما حوله في كتابه الكريم ، وفرضت عليهم أداءها خارجه … ولم تكتف باغلاق المسجد الاقصى ، ومحاصرته وممارسة العنف والارهاب بعنجهية واعتداء صارخ ، لم يسلم منها حتى خطيب المسجد الذي اطلقت عليه الرصاص المطاطي ، واصيب بنزف في الرأس جراء الضرب بالهراوات على رأسه ، ، بل فرضت رقابة الكترونية على المسجد ، واقامت بوابات الكترونية ونصبت أجهزة لكشف المعادن وغيرها من وسائل الرقابة …
وتلك الممارسات على الارض تعني انتقالة كبيرة في ( السياسة الاسرائيلية ) القائمة على القوة ، امتدت هذه المرة الى علاقة الانسان الفلسطيني بربه ، وليس بأرضه فقط … و( تشكل مساسا بسيادته على مقدساته ) ، وانتهاكا صريحا للاعراف والمواثيق الدولية الخاصة بالحريات والمعتقدات…
ببساطة يعني ذلك … أنه اذا ما أصرت اسرائيل على تشديد الرقابة تصبح الصلاة خارج ارادة المسلم ، ومرهونة ( بارادة اسرائلية ) ، خصصت الوسيلة المناسبة لفرضها ..
وربما تكون هذه هي المرة الاولى التي تمارس بها ( القوات المحتلة ) ارادتها بهذا الصلف والغرور في المسجد الاقصى ، ( وظهرت فيها اسرائيل بافضل حالاتها منذ أن وجدت ) ، بسبب الوضع العربي الجديد ، وتعطي مؤشرا لطبيعة المرحلة المقبلة ، فتقرر متى تمنع الصلاة ، ومتى تسمح بها .. ومن تمنع من المصلين ، ومن تسمح لهم ، ومتى تغلق المسجد ، ومتى تفتحه …
ولكن ..
ليس في الأمر غرابة ما دامت الجيوش العربية النظامية قد خرجت من حسابات اسرائيل الان ، بعد أن انشغلت في قضايا داخلية ، وانصرف المواطنون العرب الى قضايا هامشية ، و خلافات وفتن وصراعات داخلية وانقسامات مذهبية وقومية ، وبرزت تحديات كبيرة لم تكن موجودة سابقا ومنها الارهاب بكل انواعه ، وبالتالي جعلت هذه الامور القوة العربية تنصرف الى غير مجالها الطبيعي ، ومهماتها الاساسية مع انقسام فلسطيني ، لم تنعكس نتائجه على الشعب في الداخل فقط ، بل إمتد الى من يتعاطف ، أو يقف مع القضية الفلسطينية في الخارج ايضا .. فاصبح هذا يقف مع هذا الطرف ، وأخر مع غيره من الاطراف الفلسطينية المتصارعة…
لقد خطت اسرائيل بهذا العدوان خطوة مهمة ومتقدمة في مشروعها بالسيطرة على المسجد الاقصى وتهويد المنطقة المقدسة عند المسلمين قاطبة وتضم اولى القبلتين وثالث الحرمين ، بعد بيت الله الحرام في مكة المكرمة ، والمسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة ، ومسرى الرسول الكريم محمد ( ص ) ومعراجه ..
وربما يشجعها ذلك اكثر على التخلص من أي إلتزام باقامة الدولة الفلسطينية وانهاء الاحتلال ، وتصبح أقصى ( الاحلام ) الفلسطينية ازالة البوابات الالكترونية والرقابة على المسجد الاقصى والسماح للمصلين بدخوله والصلاة فيه بحرية …
باختصار …تلك قراءات إعلامية اولية لحادثة المسجد الاقصى على صعيد اسرائيل ووضع العرب الجديد الذي شجع اسرائيل على هذا التمادي في استعراض القوة وفرض واقع جديد على الارض ستكون له اثار خطيرة ليس على القضية الفلسطينية فحسب ، وانما على صعيد العرب والمنطقة عموما …
ذلك الواقع يجعل الكتابة هما قوميا ، وليس ترفا كما يرى البعض …
{ { { {
كلام مفيد :
الحقد لا يسكن قلب المؤمن ، لان الحقود من أهل النار .. الامام جعفر الصادق ( ع ) .
{ { { {

















