

الإهداء
إلى الراحل النبيل سعيد ،،… ورقية نخلة العراق،،… وروحي زهراء وخالد وهما يرفلان بأثواب الشهادة في عالم الخلود،،…. وأو ﻻدهما في رحلة الشقاء والفزع ،، وكل من عاش حاﻻت الرعب والظلام ودمار الروح وارتفع قلبه من نيران القتل والنزوح والتهجير وعانى من ظلام ذلك ومن فقدان الثقة به من قبل السلطة وكل من خوفّ وهجرّ وظلم وشردّ وعذب قلباً وروحاً،، اهدي هذه الشهادة التي تحكي تاريخ الروح في قلب الجحيم .
1
في ساعة مبكرة من صباح يوم تشريني أيقظني صوت عمي وهو يحرضني بقوة على النهوض للذهاب إلى مدينة الموصل . كان ذلك الصباح هادئاً لا يختلف عن صباحات قريتنا التي تغفو على ضفاف نهر الزاب الصغير , أصوات الطيور ورائحة المزروعات تزاحم الحواس وتشجع على النهوض لإستيعاب طاقة من جمال الطبيعة الذي يقترن بحركة أهل القرية وقد اعتادوا على النهوض المبكر حتّى أنَ بعضهم ينتقد رجولتك لأنك تبقى في فراشك والشمس قد أشرقت .
يبدو أنّي قد غفوت في ساعات الليل الأخيرة , فقد أحضرت ملابسي الجديدة , واستغرقني السهر وحامت حول رأسي أفكار وصور شتّى . نهضت بسرعة وكأني تذكرت أمراً مهماً , رمقني عمي بنظرات حادة ثمّ توجّه إلى زوجته وطلب منها إعداد الفطور لي لكي أتعجل الانطلاق . لم أزر مدينة الموصل إلا مرّة واحدة في سفرة مدرسية عندما كنت طفلاً , وأكاد لا أتذكر تفاصيل أمكنتها التي مررت بها في حينها , حيث تمثّل المدن كالموصل وكركوك ومضات من حلم ينتاب ذاكرة أبناء القرى … فالمدن الكبرى تحفل بالصخب والسحر والمتعة وزحام السيارات والبنايات العالية ودوائر الدولة وأزياء النساء المبهرة في المحلات وحركة الناس وهم يسيرون بإيقاع سريع يختلف عن إيقاع القرية الوادعة حتّى أنّ الكثير لا يأمن أو يعتاد المدن بسهولة … فالمدن أسرار وأغوار .
قدمت لي رقية ابنة عمي الإفطار بعد أن القت علي تحية الصباح وسارت باتجاه اخويها حارث وفاضل لتقديم الإفطار لهما , لينطلقا بعد ذلك مع أبيهما لرعاية شؤون الحقل والزراعة , بعد أنّ تركا الدراسة . خرجتُ من الدار بسرعة لكي أحصل على وسيلة نقل تقلني إلى مدينة كركوك , ومنها سأتوجه إلى مدينة الموصل . في هذه الأيّام من أيّام تشرين الصفراء تبدأ صرصرة الريح بشكل حفيف , ويعقبها شعاع الشمس , كأنّنا في شهر شباط , ربما لا فرق ففي شهر شباط يتنازع الزمن ويفكّ ما علق من شعر الشتاء في أشواك الصيف , وفي تشرين يتنازع الزمن لينزع ثياب الصيف والخريف الخفيفة ويدخل في سبات الشتاء القاسي . كانت حواسي وذاكرتي متيقظة وكأنّي أنقش هذه الساعات في أعماقي فهو اليوم الأول الذي سألتحق به في جامعة الموصل ، وكنت متلهفاَ وكلي حماس للولوج إليها , فقد رسمت لها في مخيلتي أشياء كثيرة ، تصوّرت أنّها مكان الحب وبيئة العواطف ، مكان اللقاء في لحظة الوعي…كثيراً ما امتدّ بي الخيال إليها في ما مضى لأعيش فيها اجمل أيّام العمر . كنتُ في ذلك اليوم قد انطلقت بسيارة من مرآب سيارات الأجرة الواقع في الجزء الشرقي من مدينة كركوك، صادف دخولي إلى المرآب لحظة بزوغ الشمس ورأيت خيوطها كأنّي أراها أول مرّة على الرغم من أنّ نور الشمس صديقي في قريتي التي أعيش فيها فقد كنّا نسابق شروقها في سن الصبا لإكمال الأعمال البسيطة التي توكل لنا ففي الريف مطلوب من كل منا ان يقوم بعمل ما , مثل رعي الأغنام أو الخرفان الصغيرة أو سقي الحشائش أو الزرع أو أيّ شيء آخر, كنّا نسابق الشمس لكي نغادر لهيبها الحار قبل اشتداده وننجو من أتونها المحرق.
في أشهر الصيف القائظ لم يكن الهروب من الشمس هدفاَ بقدر ما كان الوصول إلى البيت قبل أن يبدأ العرض الصباحي لأفلام الكارتون لكي لا يفوتنا ما يعرض ,فقد كنّا نحرص على متابعتها عندما يبدأ العرض في العاشرة صباحاً من كل يوم . دخلت المرآب بدت لي الشمس وكأن لونها قد تغيّر، احمرأرها لحظة الشروق مختلف بدأت تأخذ مداها مرتفعة من بين الأزقة والدور المكتظة , شدّني لونها وشعرت أنّ شعاعها قد اختلط برائحة الشواء للمطاعم الصغرى التي تحيط بالمرآب ,
كان إحساساً غريباً. قطعت لحظة استغراقي في التفكير بالشمس ورائحة الشواء والازقة صرخات صياح المنادي الذي يصدح صوته مناديا موصل .. موصل ..موصل . واحد طالع موصل – ابتهجت بصوت المنادي وبنوع من التردد والخجل لا أعلم ما مصدره، يطرق بابنا الخجل في لحظات غير متوقعة ,أحمل بيدي أو راقاَ داخل حقيبة صغيرة وأومأت برأسي له من دون أن أتكلم وصاح عليِ هل أنت ذاهب إلى الموصل أجبت …نعم … مشى مسرعاً أمامي وفتح الباب وقد وضعت جسمي داخل السيارة ,اغلق الباب وانطلقت السيارة بين سرعة وتوقف في احيان للتفتيش في النقاط العسكرية المنتشرة على طول الطريق, لا أعلم ما سببها لكنها أكثر من المعتاد . وأكثر مما أرى عندما اتنقل بين البلدات والمدينة التي أعيش فيها . فما زال التوتر والترقب والمخأوف تملأ الأجواء ومازال رماد الحرب ينتشر في الافاق , وقد بدأت بوادر الحصار الاقتصادي الدولي تثقل كاهل الناس وهم يهرولون مثل هرولة عسكرية للحصول على لقمة العيش , واعتادوا على رفع أوراق العملة ليتأكدوا من أنّها عملة حقيقية أم أنّها مزورة! فالحرب الاقتصادية أكثر طعناً في الخاصرة من حرب الخنادق والسواتر … فالحرب ضحاياها الجنود أما العقوبات فضحيتها الشعب وقوت الناس .
بعد حوالي ساعتين دخلنا مدينة الموصل وأوقف السائق السيارة في منطقة مزدحمة تكاد تتشابك فيها الأصوات وتختلط عليك لحظات التَرقّب والوصول ,التفت الينا السائق وقال: وصلنا تفضلوا .. هذه المنطقة المزدحمة أذهلتني للوهلة الأولى. لم أرها حتّى في الأحلام على الرغم من انشغالي في التفكير بها , إحساس الوجل من القادم شرَدّ ذهني وخرج عن حفظ المسارات المؤدية إلى المسار الذي يجب أن لا أنساه , وهو الذي لقنت به من قبل أقربائي وخاصّة الطلاب الذين سبقوني إلى الجامعة في كيفية تعاملي وحيث أنّهم شرحوا لي كلّ شيء من لحظة كراء التكسي إلى كيفية التعامل مع السواق وغير ذلك. اشّرت بيدي لسيارة التكسي وقد توقفت بشكل سريع وتجأوزني السائق ببضعة أمتار ليعود بسيارته إلى الوراء ويكون أمامي ليسألني ، إلى أين أنت ذاهب ؟ أجبت إلى الجامعة ، فأكمل هو ((أصعد)) قلت له: كم تأخذ أجرة؟ رد وقال: أصعد لن نختلف ورفضت الصعود الاّ بعد أن يحدّد السعر هذا جزء من الخطة التي أوصوني بها لكي لا يستغلني ، وقال: أريد ديناراً ونصف …قلت له كثير فالأجرة لا تتجاوز الدينار بأيّ حال …قال: أصعد .وانطلق بي وبعد عشرين دقيقة توقف أمام باب كبير تزينه لوحة كبيرة خطّت عليها بحروف كبيرة عبارة .. جامعة الموصل ترحب بكم … دفعت له الأجرة ونزلت, سرت قليلاً لكي أدخل من الباب , لدي بعض التردّد والقلق فأنا لم أدخل في الثامنة عشرة من عمري بعد ولم أواجه موقفاً مربكاً في المدينة المزدحمة بمفردي.
في أعوامي التي سبقت قدومي إلى المدينة كنت بصحبة عمي وكان يأخذني في السنة مرتين أو ثلاث مرات مع أولاده لشراء الملابس أو لمجرد الاستكشاف أو للحلاقة وهي لم تكن السبب الرئيس فإن الحلاقة في الريف تكون أشبه بالحفلة يتمرّس عليها شخص ويجمع الأطفال مثل القطيع ويبدأ بقص الشعر, طبعاً لامجال للقصات والتعديلات المنسجمة أو أن تكون متناسقة, المهم ان نتخلص من شعر رؤوسنا بأيّ طريقة كانت وكثيراً ما ترى رؤوس الأطفال تعتريها التموجات التي تشبه سنابل الشعير قبل الحصاد عندما تداهمها نسمة الريح .
استغرق بي الخيال في الماضي ومحل الحلاقة الجماعي وفي هذه اللحظة كنت قد وصلت الباب ودخلت غرفة ليقابلني موظف نهض من مكانه ,طويل مفتول العضلات يتدلّى شارباه حتّى ذقنه وقال بصيغة الأمر:
– ماذا تريد؟
أجبت:
- انا طالب جديد مقبول في كلية التربية وقد أتيت للتسجيل .
قال :
.. تعال. ومشيت وراءه بضعة أمتار ثمّ توقف ..
قال:
- هل ترى تلك البناية العالية الكبيرة على اليسار؟
قلت:
- نعم
قال:
هذه هي كلية التربية . فاذهب.
انطلقت أقطع شارع الجامعة… وصلت البناية وسرت باتجاهها حتّى دخلتها ثمّ تقدم باتجاهي موظف استعلامات خمسيني كان يضع على رأسه قبعة قائلاً : تفضل , كانت نبرته اهدأ من الشخص الذي سبقه ..
أجبت :
- أريد التسجيل …
قال:
- إذهب في هذا الممر هناك قاعة كبيرة رقمها (103) أدخل في القاعة وستجد لجنة التسجيل هناك . ذهبت إلى هناك ووجدت منضدة طويلة يجلس عليها خمسة من بينهم سيدة كبيرة في العمر تضع نظارة على أطراف أنفها وكانت ممتلئة الجسم ,التفتت إليّ وقالت: تعال أين أوراقك؟ من دون أن تسالني ماذا تريد وكأنّها تنتظرني ….
سألت:
- أين هويتك ورقمك الامتحاني؟ أعطيتها ما طلبت ودققت في القوائم التي تحت يدها ووضعت خطاً تحت إسمي طلبت مني وثيقة التخرج من الثانوية والفحص الطبي وبعض الأوراق الأخرى. سجلت إسمي في السجل
وقالت:
- أنتظر هناك في نهاية القاعة لكي تقابل اللجنة التي تقرّر بعدها قبولك في الكلية من عدمه . ذهبت وجلست في نهاية القاعة .
جلست بقربي فتاة سمراء طويلة شعرها حني مائل إلى الاحمرار تمتلك عينين كبيرتين. تمنيت لحظتها أن أتحدث إليها. تملكتني الأمنية بذلك وربما سبب ذلك, ما سمعته عن الكثير من قصص الحب الرومانسي في الجامعة وكيف كانت نهاية أغلبها … حررتني أمنيتي مراراً لكن الخوف والتردّد والخجل كبلني مرات كانت أقوى من الأمنية التي سرى عبقها في وجداني .. لم أستطع أن اكسر جدار الصمت الذي ساد بيننا, حاولت أن أعرف اسمها, تلصصت على أوراقها التي كانت تحملها في يدها لعلي أظفر باسمها لكن دون جدوى….إحساس نابع من الأعماق يشدّني إليها شعرت أنّها مثل ريح الصباح الشذية بالأمل والمعمّدة بالتفاؤل أمعنت النظر كثيراً وأنا أرقبها، لحظات لا أريد لها أن تنتهي, استغرقت في عينها في صمت عميق ولم اكن أشعر فيما يحدث في مقدمة القاعة عندها طرق أحدهم بقوة على المنضدة ليقول: أنتباه .. أنتباه ردّدها مرتين أو ثلاث ليقطع رحلتي نحو المسافات البعيدة في عينيها ويعلن أنتهاء الرحلة ويقول لي:
- توقفنا إنزل من رحلتك , ….وليقول لنبدأ الان بالمقابلة فبدأ بقراءة الأسم الأول.
عندها فرحت وكأنّه يعيد إليّ الأمل في الانطلاق في الرحلة مجدداً فقد جلست بأنتباه شديد أراقب المتقدمين للمقابلة أملاً بأن ينادي على اسمها وأعرفها, أصبح حلمي أن أعرف اسمها فقط، كم هو بسيط وعصي هذا الحلم وكم هو جميل أن أعرفه , ماذا يعني لي اسمها فقط؟… فقط اسمها ؟ أسال نفسي مراراً هذا السؤال …أتهرب من روحي لكي لا أحرج ويزداد خجلي .. لسوء حظي أنّ إسمي قد أعلن للمقابلة قبل اسمها وتقدمت باتجاه المنضدة الكبيرة واقفاً وسألوني سؤالين أو ثلاثة ثم أذنوا لي بالخروج وأنا في كل خطوة التفت خلفي علّي أظفر بها أو أراها مرّة أخرى, خرجت وقرّرت ان أنتظرها خارج القاعة ثم سألت نفسي سؤالاً وماذا يعني ذلك هل تتحدث معها عندما تخرج ؟هل تملك من الشجاعة ما يكفي ؟ أجبت نعم …أعيد على نفسي السؤال مرّة أخرى: وماذا تقول لها ؟ أجبت: لا أدري ….أنتظرت ما يقرب من ربع ساعة ولم تخرج , والوقت بدأ يذوي .. يجب علي أن اذهب واتناول الطعام , وبعدها انطلق إلى مرآب السيارات الذي وصلته صباحاً كي أخرج من المدينة قبل الساعة الرابعة عصراً كون الطريق يغلق بين كركوك والموصل في الساعة الرابعة والسبب ان قوات الأمن تقول: أن الطريق ليس امناً وقد يتجاوز عليه قطاع الطرق لذا لم يكن لدي الوقت الكافي , صارعت اللحظات التي مرّت علي و كانت ثقيلة وصعبة , عندها قرّرت الخروج من دون أن أراها أو أتكلم معها وتذكرت المشهد الذي حدث أثناء النداء بإسمي ,عندما نظرتُ إليها وابتسمت ثم بنفس الابتسامة ودعتني وهي جالسة , ظل هذا المشهد عالقاً في مخيلتي طوال المتبقي من اليوم وكلمّا حاولت أن أزيحه من مخيلتي يصّر على البزوغ أمامي مرّة أخرى و تساءلت ما هذا السحر الذي تملكني وجذبني إلى هذه الفتاة ؟ …
في طريق العودة عادت الأفكار تهاجم رأسي وتطرقه بعنف , ربما لأنّي أنتقلت من عالم إلى عالم آخر فلم أعد طالباً في الثانوية , وإنّما تحولت إلى طالب جامعي ارتدي الزيّ الجامعي … وأعرف انّ التغيّر يشملني حتّى في بيت عمي فحارث وفاضل يطالبانني بالعمل معهما في الحقل والزراعة والتسويق كما اعتدت في السنوات السابقة .
2
انصرم يومان ثقيلان على المقابلة , كنت اتلهف للعودة إلى الموصل واستعجل بدء الدوام علّني أراها أو ألقاها ثانية , لدّي أصرار بأنّي سوف أجدها بل بدأت أطمح إلى أكثر من ذلك بدأت أمنياتي تكبر وهي أن تكون معي في نفس القسم ونفس القاعة الدراسية ..
مضى يومان على عودتي إلى منزلي وها أنا ذا استعّد للعودة إلى مدينة الموصل, أحسست أنّ الطريق كان اسهل والتردّد والخجل والخوف اقل بل أنّي أشعر وكأنّي أعرف هذا الطريق منذ زمن و بدأت أعاكس أصحاب سيارات الأجرة واتجادل معهم وعندما أنجح في مفاوضاتي على السعر أحمل أغراضي وأشعر بزهو وارتياح وأن الامر ليس صعباً إذ عزز شعوري بالثقة بالنفس ولم أعد أشعر بالوجل والتوجس ولم أشعر بأنّي في منتصف الطريق كما كان في كلّ مرّة, شعرت بأنّي أقوى من السابق, فعندما تكون في منتصف الطريق تكون أكثر حيرة ,ربما لأنك لا تعلم ايهما صار أقرب لك المضي أم العودة فتزداد حيرتك ؟.
وصلت مدينة الموصل مساء يوم الجمعة قبل غروب الشمس بقليل وهيأت نفسي للذهاب صباح اليوم التالي إلى الجامعة , دخلت في الصباح إلى قسم الجغرافيا وبدأت اقرأ في القوائم المعلّقة التي تحمل الأسماء وفعلاً وجدت إسمي يحمل الرقم اثنى عشر ويأتي بعده تسلسل لطالبة تحمل اسم (سماح ) تمنيت ان تكون هي تلك الفتاة التي قابلتها أول مرّة ولم تزل ذاكرتي تعج بابتسامتها الخفيفة التي جاملتني بها ولعلّها بادلتني شعوراً في مكنونات صدرها لا أعرفه, على أيّة حال تلك الابتسامة التي ألغت الحزن ونبت فيها الأمل ، أي ابتسامة عظيمة هذه؟ … لا أعلم سوى أنّها غمرت شرفة روحي بالضوء .
تقدمت بخطوات واثقة هذه المرّة وكأنّي أصبحت جزءاً من هذه الكلية, وبثقة تامة سألت موظف الاستعلامات: أين قسم الجغرافية ؟ قال: هو خارج هذه البناية أخرج من هنا واذهب إلى اليسار سوف تجد بناية في أعلى تل ,ذلك هو القسم المقصود. خرجت وبدأت اسير بسرعة كبيرة لكي أصعد المدرجات التي بنيت على التل لتسهيل الوصول إلى البناية, وجدتّها صعبة وكثيرة, قرّرت عند النزول أن أحسبها لأنّي لأول مرّة أجد درجاً على تل بهذا الطول.
وصلت البناية كان القسم في الطابق الثالث , سجلت إسمي هناك وأرسلوني إلى المكتبة بغرض تسلّم المقرّرات وبعض المناهج لأعود بعدها إلى البوابة الرئيسة مقابل كافتيريا أسمها (نركَال) حيث كان المكان الذي حدّده لي أحد أقربائي لنلتقي فيه لأنّه سوف يأتي صباح يوم السبت وليس الجمعة كما فعلت انا ممّا اضطرني إلى المبيت مع أصدقائه وأوصاهم بي ,أتيت أحمل الكتب بيدي والعرق يتصبّب وجلست انتظره وماهي إلاّ دقائق حتّى أبصرته ينزل من سيارة أجرة, يبدو أنّه قد جاء من مرآب السيارات قادماً من كركوك كان يحمل حقيبة صغيرة بيده وتوجّه صوبي وقال:
- كيف سارت معك الأمور أكل شيء على ما يرام ؟
أجبت :
- نعم ولكن صعدت 112 درجة سلم على التل ونزلتها مرّة أخرى.
وضحك وقال:
- كيف عرفت عددها؟ وأكمل حديثه من دون أن ينتظر جوابي قائلا:
- منذ سنوات وأنا هنا لم أفكر أن أحسبها يوما ,
فقلت:
- لقد حسبتها عندما نزلت.
وضحك وهزّ رأسه مستغرباً واصطحبني معه مشياً على الأقدام باتجاه السكن الذي كان قد استأجره لنا قبل أيّام استغرقنا مشياً حوالي 25 دقيقة وأثناء المسير قام بتقديم بعض المعلومات وتحذيري من بعض التصرفات ونبهني إلى كيفية التصرف داخل الجامعة وحذرني كثيراً من النقاش السياسي سيما عن الوضع في العراق وقال لي:
- تصوّر أن كل من يحاورك قد يكون من رجال الأمن الذين قد يأخذونك في رحلة اللا عودة. لذا لا تدخل في نقاش سياسي مع كائن من يكون, أنت هنا لغرض الدراسة وليس لأبداء الآراء إعمل أي شيء بحدود لكن لا تقترب من السياسة فهي صنعة فاشلة تقود الناس إلى الموت والدمار .
وصلنا الدار التي استأجرها في حي البلديات شرق جامعة الموصل, دخلت فناء الدار وأشار بيده إلى غرفة في اقصى اليمين وقال: هذه غرفتك. ضع أغراضك وكتبك فيها كي نذهب لجلب حقيبتك وملابسك التي تركتها عند أصدقائي ، كانت غرفة صغيرة تحتوي على سرير واحد وكرسيين وطبلة صغيرة ومنضدة قراءة ودولاب , سألته:
- يا عماد سيكون معي أحد في هذه الغرفة ؟
أجاب :
- أنا جعلت في كلّ غرفة شخصاً واحداً فقط لكي تكون دراستنا وحياتنا أهدأ وأكثر راحة .
قلت له :
- انا لا أحب الوحدة.
رد ضاحكاً:
- أنت الآن طالب في الجامعة. عليك أن تعيش حياة الرفاهية لتشعر بوجودك وليكون لك كيانك الخاص , من هنا يبدأ عندك الشعور بالاستحواذ والتملّك, عندما تكون منفرداً وتكون وحدك يجب أن تعرف من الآن فصاعداً أنك لم تعد تنام متوسطاً أبناء عمك(حارث وفاضل ) وكلكم في نفس الغرفة أحدكم يقابل الثاني وأيضاً أن تتعلّم أنك تنام على سرير وليس على الأرض .
لم يعجبني حديثه كثيراً بل أنّي انزعجت منه وكأنه يريد ان يسلخني عن الواقع أو أنه يريد مني أن أعيش واقعاً زائفاً كاذباً يتلاشى بأول اختبار كما يتلاشى الجليد عند أول إشراقة شمس .
قال:
– لا تفكّر كثيراً فأنت عندما اخترت المجيء إلى الجامعة والتعليم فعليك أن تتعلّم على الوحدة من الآن . أتعلم لماذا؟ لأنك في استقبال وتوديع دائمين .. هنا يتجسد معنى الحياة بوضوح , هنا تلتقي ناساَ جدداَ, تودّع أصدقاء ربما لا تراهم مرّة أخرى. هذه محطة في حياتك وقد تكون أهم محطة على الإطلاق, ركز فيها لأنك منها سوف تنطلق إلى العالم, إمّا تعود إلى القرية وتبقى فلاحاً أو تنطلق نحو المدينة لتكون من مجتمعها وبيئتها ..
قاطعته:
- هل طموحي أن أكون من المدينة ومجتمعها وأنا لست متذمراً من مجتمعي الريفي؟.
رد قائلاً:
- نناقش هذا الموضوع لاحقاً .
بدأت بوضع كتبي على المنضدة واستلقيت على السرير أتسائل هل هذه هي الجامعة ؟… لماذا لم تكن مثل ما رسمت لها في مخيلتي .., بعد دقائق وأنا مستغرق في تفكيري طرق الباب وإذا بعماد ينادي: – تعال إنّ الغداء جاهز .
خرجت إلى المطبخ وعلى طرف طاولة الطعام شاهدت طعاماً بسيطاً يتكوّن من الطماطم المقلية والسلطة والخبز والقليل من الرز تفحصت الأكل بنظرة خاطفة قال: لا تستغرب هذا هو أكل الطلاب المعتاد. أنت تعلم بشاعة الحصار الذي شمل كل شيء , ابتسم وقال مازحاً : – استفدنا من الحصار تعلمنا أن نطبخ الأكل ونغسل الصحون والأواني وسيكون هناك جدول في باب المطبخ نحدّد فيه واجبات كلّ شخص هنا من أمور الطبخ وغسل الصحون وسنحدّد يومك في الأسبوع أيضاً ,وعليك أن تتعلّم الطبخ والغسل سريعاً, يجب أن تتكيف مع هذه البيئة الجديدة . ثم ضرب على جبينه بشكل خفيف وقال:
- نسيت دعني أقدم لك جلال طالب كلية الهندسة المرحلة الثانية
فردّدت:
- اهلاً وسهلاً تشرفنا , أنا سعيد طالب في المرحلة الأولى. وأنتصبت في جلستي أنا وعماد وجلال وبدأنا تناول الطعام شعرت بلذة للأكل الذي لم اعهده من قبل, لم أعرف مصدرها ذكّرني طعم الأكل بنفس ذلك الطعام الذي أعددناه عندما كنّا صغاراً وخرجنا في مروج القرية في الربيع قبل حوالي عشر سنوات, حينذاك هاجمتنا أم عباس صديق طفولتي لكي تقلب سفرتنا إلى مشكلة ,اتضح فيما بعد أن عباس لم يخبرها أنّنا سوف نطبخ بأوانيها على الجمر مما أثار إنزعاجها فأتت لتسدّد ضربة بقدمها للقدر الصغير الذي تحوّل إلى اللون الأسود بفعل دخان النار وليتدحرج في أربع دورات أو خمس وتناثرت الطماطة المقلية على الأرض
عنّفت عباساً و ضربته على ظهره وسحبته من يده وفي يدها الأخرى حملت القدر , وبقينا لا نعلم ماذا نفعل إلى أن تجرأ عبد الله وقال: يا ساتر ما هذه الأم؟ سوف اجلب الأواني من بيتنا وذهب راكضاً وسرعان ما أعدنا نفس العملية والتحق بنا عباس بعد قليل , وجلسنا نأكل , كنّا نشعر أن طعم الأكل أطيب بكثير , ربّما هو مجرد شعور نفسي لأنّنا نحن من أعدّ الطعام ونحن من يجب أن يتحمل كل شيء في الإعداد والطبخ والغسل وغيرها.
تكلمنا نحن الثلاثة عن الجامعة التفت إليّ جلال متسائلاً :
- كيف وجدت الجامعة يا سعيد؟
أجبت:
- لم أستطع أن أرى منها شيئاً فهذا أول يوم لي وأظنني رسمت لها نظرة غير التي شاهدتها اليوم .
فسأل:
- وماهي النظرة؟ ثم عاد وقال: عفواً دعني أغير السؤال ما الذي شاهدته اليوم أو ما هو انطباعك ؟
رددت عليه:
- إنّها نظام دراسة ثانوية لا يختلف سوى بالأسماء والألفاظ الفضفاضة .
هز جلال رأسه مبتسماً وقال:
- أدرك حقيقتها من أول لحظة , كلنّا في البدء كنّا مثلك لكن فينا من تأخر في اكتشاف هذه الحقيقة , لكن تأكّد في السنتين الأخيرتين من حياة الجامعة سوف تتغيّر لديك هذه النظرة وهذه القناعة وسوف تحبها أكثر خاصّة إذا وجدت قلباً حنوناً يشوقك لها , أنّ وجود المرأة الحنون المحبة تجعل اي مكان خلته صعباً مكاناً محبباً تتابعه بشغف وأتمنى أن لا تتأخر بأن تجد من ينتظرك ويتابعك ويتقاسم معك قطع الحلوى ورسائل الغرام والاشتياق فهو وقود حياة الجامعة …
إحمر وجهي قليلاً وقلت له:
- لننتظر ونرى ..
تناولنا الشاي بعد الغداء مباشرة وذهب كلّ منّا إلى غرفته . دخلت غرفتي وبدأت اتصفح الكتب التي تستلمتها، القيتها على المنضدة وخرجت إلى الحديقة تطلعت إلى السماء, أحسست بضيق لا أعلم لماذا, ربما لأنّ البيئة قد تغيّرت علي ، خرجت أمام باب الدار شاهدت الجيران يتجمهرون على الباب فألقيت عليهم التحية لم يجب أحد ودخلوا البيت تفاجأت وراجعت نفسي وقلت: أنا متأكّد أنّي لم أقل شيئاً ينفرهم ويجعلهم بهذا الجفاء نظرت إلى ملابسي كانت محتشمة ,إذاً ما هو السبب ؟
رجعت إلى داخل البيت منزعجاً ودخلت غرفة عماد وشرحت له ما حصل فضحك وقال:
- عادي
قلت مستغرباً:
- وما العادي في ذلك؟
أجاب:
- أنت في المدينة ولست في القرية وأنت غريب لا يعرفونك ثم يا عزيزي أنت في الموصل هذه المدينة حذرة من الغرباء فهي محافظة ويعرف كل منهم الآخر ويتوجسون من الغريب. هذه ليست مدينة قوافل عليك ان تعتاد على قواعد المدينة وشروطها وأن لا تتكلم مع احد إذا لم يكلمك هو, خاصّة من الجيران وأن لا ترفع بصرك عليهم ..
سألت:
- ولماذا؟ …
قال:
- هي هكذا عندما يأمنون لك ويثقون سوف يفتحون لك قلوبهم قبل بيوتهم , والآن دعني اخذ قيلولة واذهب أنت اما ان تنام قليلاً أو تجلس في الصالة أو الحديقة الخيار لك..
تمتمت بكلمات التذمر واتبعها هو بضحكة وجملة: تكبر وتنسى. خرجت وأغلقت باب غرفته ثم وصلت باب غرفتي وسألت عماد:
- هل من الممكن العودة إلى البيت ؟
رد علي:
- لا غير ممكن …( روح نام ), بعدنا لم نبدأ ، عليك ان تتكيف مع بيئتك الجديدة وتعرف كيف تقضي وقتك ..
لم ارد ودخلت غرفتي وكلي امل ان ألقى الفتاة التي التقيت بها أول مرّة والتي ماتزال ابتسامتها الصامتة تعزف في وجداني وتعمّق شغفي وولهي بهذا المكان .
حلّ المساء, تناولنا طعام العشاء الذي أعدّه عماد أيضاً وتحدثنا أنا وجلال ,كان عماد منهمكاً بغسل الصحون وإعداد الشاي, أستاذن جلال وغادر ثم تبعه عماد أمّا أنا فخرجت بجولة بين الغرف وفي الصالة واستطلعت الحي الذي أسكن فيه من نوافذ المنزل ومن السطح دون أن أخرج إلى الشارع خوفاً من أن أثير سكان الحي علينا, كنت ملتزماً بالوصية لكن الذي لم أفهمه لماذا هذه الأعراف والأفتراضات وكيف أصبحت جزءاً من الموروث ما هو الخطأ في الخروج أو اللقاء؟ يبدو أنّي في مدينة صعبة المراس وأتمنى ان لا أصل مرحلة النفور منها .
3
في اليوم الثاني وعند شروق الشمس نهضت مسرعاً وارتديت ملابسي مع فطور خفيف ثم اتجهت إلى الجامعة وإلى المدرجات التي مرّرت بها يوم أمس, وفي الطابق الثالث سألت طلبة متجمهرين عن طلاب المرحلة الأولى ونظر أحدهم إلى ورقة معلقة داخل لوحة من الخشب تغطي واجهتها زجاجة وردّ علي:
- عليك أن تذهب إلى القاعة (307).
سرت بين الممرات داخل القسم وعيوني متأهبة تنظر إلى الأرقام في أعلى كل قاعة إلى أن وصلت القاعة المقصودة وجدت مجموعة من الطلبة تتجمّهر على الباب ومجموعة أخرى تجلس داخل القاعة والكل مشغول بحديث مع الآخر بحيث أنك لا تستطيع ان تميّز من الذي يتكلم من كثرة الحديث والثرثرة .. أخذت مقعداً في منتصف القاعة وجلست أتأمل الجميع .. صامتاً هادئاً متفحصاً وماهي إلاّ دقائق حتّى بدأت حركة الطلبة متسارعة وبحالة فوضوية دخلوا جميعاً إلى القاعة . عندها عرفت أن الأستاذ قد حضر, لحظات وكان في القاعة وهو يحمل ورقة في يده, كان طويل القامة, أطراف شعره قد بدأت في البياض, ربما أنه خمسيني أو أكثر بقليل, متوسط الطول, متناسق الأطراف, يرتدي نظارة طبية . ألقى التحية على الجميع وبدأ بقراءة أسماء الطلبة كان صوته خشناً أبح في كل دقيقة يتنحنح من الحشرجة مما يدل على أنه من المدخنين القدماء ويبدو أنه قليل الحركة وكثير الاتزان اكمل قراءة الأسماء ,
وبعدها بلحظات طرُق الباب وكنت سارحاً أفكر في هذا الأستاذ وكيفية جلوسه واتزانه .. قطع تفكيري عندما فُتح الباب لكني كنت بزاوية لا تسمح لي بالنظر لمعرفة الطارق قبل دخوله لكني سمعت صوت فتاة تقول:
- هل تسمح لي يا أستاذ بالدخول؟
قال:
- قفي وليسمع الجميع سوف أسمح للمرّة الأولى بدخول طالب وصل إلى قاعة الدرس بعد دخولي والسبب لأنكم في المرحلة الأولى وهذا أول يوم لكم , لكن في المرات القادمة الذي يتأخر لا يأتي أبداً. والتفت إلى الباب الذي لازلت لا ادري من يقف عنده بسبب الزاوية التي كنت اجلس فيها , وقال: أدخلي .. دخلت الفتاة ونظرت إليها وإذا بها نفس الفتاة التي لاتزال ابتسامتها عالقة في ذهني, نعم هي التي زادت شغفي بهذا المكان, استنشقت نفساً عميقاً وفرحت كثيراً
وقلت:
- ما هذه المصادفة؟ .. هل فعلاً أنّها مصادفة أم أنّها قدر؟… لابدّ أن الحظّ يريد أن يلعب معي لعبته الأولى. أثار حضورها فيّ إحساساً متفجراً وأعادني إلى لحظة سحرية نعم أنّها هي .. ويال المصادفة الغريبة … بقيت مشدوداً إليها وشعرت باهتمامي وميلي , تذكرت اللحظة الأولى وابتسامتها التي لا تفارقني حتّى الآن.
جلست في مكان ليس بعيداً عني .. تسارعت نبضات قلبي واحمّر وجهي قليلاً .. استقر نبضي بعد لحظات ..
بدأ الأستاذ بالحديث حول التعارف:
- سوف يكون لنا حفلة تعارف قريباً وطريقة التعليم في الجامعة. وأعطى توجيهاتٍ وإرشاداتٍ وقبل خروجه سألها:
- ما هو اسمك لكي أشطبك من قائمة الغياب ……
.أجابت:
- نعم أستاذ إسمي (سماح أحمد)
تملكني شعور غريب طفولي أن اقفز فوق مقعدي ولكن حسمت الموضوع في اللحظة المناسبة وسيطرت على نفسي وقلت ما تمنيته البارحة ألقاه اليوم ما هذه اللحظة الجميلة؟ أنّها اللحظة الأولى التي أعيشها في حياتي. أبحرت في فضاء الذاكرة وسرت في طريق الخيال, توقفت في محطات كثيرة, تعددت أمنياتي لا أعلم أسبابها ,شعور غريب ولد في هذه اللحظة ,إنّها البذرة الأولى لتعلقي بالمكان والزمان الذي لا أريد له ان ينتهي ولا أريد ان أغادره .
خرج الأستاذ فبدأت الضوضاء داخل القاعة واستدارت نحوي وإذا بها تقول لي:
- مرحباً اذن أنت معي في الصف ؟
أجبت بارتباك:
- نعم أنا هنا ما هذه الصدفة؟ ..
وهي لا تعلم كم أنتظرتها وعشت في ترقب لعلّي أصادفها كان سؤالها عفوياً بسيطاً , لكن لم أشعر به كذلك , كان كبيراً بالنسبة لي, غمرني سؤالها بالفرح والسعادة .
نهضت وهممت بالخروج وتجرأت وقلت لها:
- شكراً للصدفة.
وضحكت ولم تنبس بكلمة لكن ضحكتها كانت تعني لي الشيء الكثير .
أيقنت أنّ الله يختار للإنسان أمراً ويجعل الصدفة عنواناً له . اكملت يومي الأول في القاعة ولم أخرج إلاّ مرتين ، واحدة لشرب الماء والثانية للتجوّال في ممرات القسم ، أنتهى الدوام وأنا في طريق المسير اسال نفسي: ما هذا القدر الذي جمعنا ؟ إنّه إحساس فريد يمتّد بي من اللا شيء حتّى اللانهاية يجمع في المتناقضات ليصهرها وتخرج المتماثلات؟.
وأعود وأقول:
- لماذا لم اسالها من أيّ مدينة أنت؟
ويرتدّ سؤالي علي بأن لدي متسعاً من الوقت , سوف أسالها في المرّة القادمة .. سيكون الوقت متاحاً للكثير من الأسئلة . عدت إلى البيت فرحاً مسروراً استقبلني عماد وبادرني بالسؤال:
- لماذا تأخرت ؟
قلت :
- لقد أنتهيت لتوّي من الدوام
فقال:
- يبدو أنك تأخذ القضية جدياً من أولها, عزيزي لا تبقَ ( صغيراً) لن يعتدل الدوام الآن نحتاج أسبوعاً أو عشرة أيّام لأنّنا ببساطة في البداية ولم يستقر الطلبة بعد ، على أيّة حال كنت بأنتظارك وتمنيت أن تعود مبكراً أمّا الآن فقد تأخر الوقت .
سألت :
- على ماذا تأخرت؟
أجاب :
- أنا عائد إلى أهلي في كركوك هل تأتي معي .. اليوم لا نستطيع لأن الطريق على وشك أن يقفل لكن غداً صباحاً بمقدورنا السفر.
قلت :
- لن أسافر لدي دوام ولاأحب تركه كان في صوتي نبرة رفض واحتجاج واضحة .
فقال :
- على مهلك ماذا بك وكأنك تريد أن تختصم معي , لم أطلب أن أخذ منك شيئاً عزيزاً رغماً عنك ثم داهمني بسؤال:
- طيب يا عزيزي ما الذي غيّر رأيك؟ قبل أقل من 24 ساعة كنت تطلب مني العودة إلى أهلنا ؟
أجبت :
- لا شيء أنا هنا أريد ان أدرس وأتعلم وقد تسلمت جدول دروسي ويوم غد عندي دوام .
للرواية بقية.























