قصة قصيرة
غربة في جوف الليل
في بعض الأحيان قد يشعر الإنسان بالغربة وهو في أحضان أمه أو عشيقته ، ليس الغريب هو غريب الدار والوطن ، ربما المنفى يكون في قلوبنا ، نحن لا نختار الأشياء السهلة ، ولهذا فان التعاسة تكون ظلنا ، نعشق الطرف الذي يبكينا ، فلطالما بحثنا عن أشياء فقدناها لنجدها بعد فوات الأوان هي كانت بالقرب منا ولطالما بحثنا عن أشياء لنجدها بين أيادينا، ولكم تصورنا بان بعض الأشخاص هم في قلوبنا لنجدهم فجأة ليسو سوا سرابا ، أثير متناثر في فراغات الفضاء ألا متناهية .
كم يؤرقني هذا الحنين إلى الحنين ، وكم أتعبتني الأشياء القريبة مني ، ليس المحظوظ هو من يملك مالاً بل المحظوظ هو من يملك قلبا نابضا بالحياة والأكثر حظا هو من يملك امرأة لها قلب تكون بقربه .
أنا يا سيدتي لا أشبه بقية الرجال ، هم يفتشون عنك في عالم الأجساد وأما أنا فأفتش عنك في عالم الأرواح ، نظرت إليك بعيدا بين النجوم ، كل نجمة في السماء وضعت عليها أمنية فأمنياتي معلقة في النجوم ، تستطيعين أن تقرئيهم ، اقرئي الأبراج فكلها تتحدث عني .
سأقص لأحفادي ما شاهدته في عينيك وسأقول لهم …. كان يا ما كان وفي سالف العصر والزمان ، كان هنالك شابا روحه تفيض بالدفء وقلبه ينبض حبا ، وقع أسير بحب بنت لم يراها ، تحدث معها طويلا ولم يراها ، كل يوم يذوب قلبه ويثقل ، كل يوم تتصدع جدران من حياته ، كانت له حلمه وحياته ، خياله وواقعه ، لكنه لم يستطع أن يفوز بقلبها ولم يستطع احتوائها ، حتى أصبح قلبه أجوفا كجرار خالية من المياه وأراد قتل حبها بالآلف الخليلات وكل واحدة تزيده حبا لها وتمسكا بها ، وبعد كل هذه السنين وجدتها في ذاكرتي كامنة كلؤلؤة في صدفة مضت عليها آلاف السنين وهي في قاع البحر وما زالت تحتفظ ببريقها ورونقها .
فيا ترى هي أين ؟ هل ما زالت على قيد الحياة ؟ أهي نائما الآن ؟ الديها أحفادا مثلي ؟ وان كان لديها ستكلمهم عن شخص اغرم بها رغم انه لم يراها ؟ أم إنها الآن قد نسيت حتى اسمي ؟
سيسألونني عنك ، لأني سأكلمهم كثيرا ، سيحبونك مثلما أنا أحببتك ، ربما تلوميني بحبي لك ، لا تلوميني يا حلوتي فهذا ليس خياري ، فلا تلومي العندليب لماذا محبوس في قفصه ولا تلومي المجانين لماذا فقدوا عقولهم ، فأنا لا اختلف عنهم في شيء ، العندليب فقد حريته والمجنون فقد عقله رغما عنها وأما أنا ففقدت قلبي ، ليس لي سلطان عليه ، ولست نادما على شيء، أتفه الأمور هي عندما تكون وفق إراداتنا ، أنا أحب الأشياء التي اكسبها صدفة ، فأنت كنت أجمل صدفات حياتي ، عثرت عليك كما عثر نيوتن على الجاذبية بسقوط تفاحته ، لكنه حصل على الجاذبية وأنا فقدتها ، كنت بالنسبة لي أثمن من تفاحة نيوتن وحتى من تفاحة ادم ، ادم خرج من الجنة بعد أن حصل على التفاحة ، إذن هو كسب ما أراده ، أما أنا فلم اخرج من قوقعتي بقيت بها كامنا طوال هذه السنين ، اخدع نفسي بحب لا أمت به بصلة ، بحثت عن نساء تبدأ أسمائهن بأول حرف من اسمك ، حتى أذكرك كلما ناديتهن ، حاولت قتل حبك بآلاف الخليلات كما فعل فلورينتينو في رواية الحب في زمن الكوليرا ، لكني خرجت كمن يخرج المصارع من الحلبة بعد فشله من خصمه ، هو تحمل ألام الخسارة وألام الضربات والركلات التي حصل عليها ، لن تجديه نفعا الجولات القليلة التي كسبها ، المهم في النهاية هو خسر معركته ، حتى المصارعين أفضل مني ، ربما يخسر جولة أو مباراة أو جسده يتعرض للركل والضرب والكدمات لكن قلبه يبقى في مأمن لا يمكن أن توجه له أي ضربة أو طعنة ، فممكن له أن يعاود نشاطه مجددا ، أما أنا فلشد ما المني قلبي . لأحدثك شيئا عن قلبي ، الشيء العجيب الذي اكتشفته بعد كل هذه السنين أن قلبي داوم على النبض وشاخ جسدي ، رغم تعرضه لكل هذه النكبات ، خفت عليه كثيرا ولم أتصور بانه سيستمر كل هذه السنين ، والأغرب من ذلك بقي يشعر بتلك الآلام والوخزات التي طالما أيقظته ليلا ، لتعيد على مسامعه ما خسره سابقا .
كلميني عنك ، أين أنت ؟ وماذا تفعلين ؟ هل سعدت بحياتك أم غلبها الجفاء ، والملل ،وهل تزوجت من شخص تحبينه ويحبك ، وهل كان فخور بك ولم يخنك ، سأوسعه ضربا أن علمت بأنه خانك ولو لمرة واحدة ، الذي بيده اللآلئ لا ينظر إلى الفضة ، بشع وشره من ترك النفيس وذهب للمزيف، سأوسعه ضربا لأنه قتلني مرتين ، المرة الأولى لأنه ملكك والمرة الثانية لأنه خانك ، لو كنت مكانه لما نظرت لامرأة غيرك ، ليومنا هذا وأنا انظر إلى وجهك من خلال وجوه النساء ، إن رأيت واحدة منهن تضحك اعتقد بأنك سعيدة وان رأيت واحدة حزينة احزن عليك وأقول ربما تكوني حزينة .
كل نجاح اكسبه يزيدني بؤسا وحزنا لأنك لم تشاركيني فيه، كالقمر عندما يخرج في أجواف الليل لينير للعشاق دروبهم ليتفاجأ بأن هنالك غيوم قد عكرت صفوة هدوئه .
لا اعرف لماذا لا أحب الأقمار والنجوم شتاءا ، يمكن لأنها كسولة ، القمر والنجوم أيضا يريدون أن يأووا إلى أحضان حبيباتهم ، ولهذا غالبا ما ذكرتك في ليالي الشتاء ، تذكرني بدفء عينيك ، وطراوة حديثك ، لم انس هذا الصوت الجميل الذي حدثني مرة واحدة وقال لي مرحبا ، هذه الحروف أصبحت مقدسة لي لا احد يتجرأ ويمسحها من ذاكرتي. أنا يا حبيبتي متعصب بحبك ، رغم ما حاولت مرارا انتزاع هذا الشيء من قلبي ، اكتشفت بانك حبك شوكة في حرير ، لا يمكن الخروج منه إلا مزقته ، وحاولت مرارا ماذا يمكنني أن أقدمه لك فهل افعل مثل فان كوخ الذي قطع أذنه وقدمها لحبيبته ، أم مثل أرسطو الذي رمى بنفسه في البحر و الفيلسوف زينون قطع أحد أصابعه عندما بلغ التسعين.. و راح ينزف ثم يدق الأرض بقدميه و يديه مرددا بيتا من الشعر القديم يقول : جئت إلى هنا ، فلماذا أتيت بي حتى مات !
لكن هؤلاء ضحوا بأجسادهم ولم يضحوا بقلوبهم ، أنا فعلت أكثر منهم ، كرست قلبي لحبك أنت فقط ، لم الق بنفسي في البحر أو أقص أذني أو أصبعي ولكن قطعت قلبي وأهديته لك و لم أعده إلى مكانه عندما رفضتيه بل مزقته ، فلا تلوميني على تمزيقه فلا احد يستحق أكثر منك هذا القلب، حتى أنا لا استحقه من دونك .
سيف شمس الدين الالوسي – بغداد
























