علاء بشير: حين ترسم الفرشاة صراع الإنسان مع مرايا وعيه

 

 

 

صالح السراي

 

ماذا لو كان الوجه الذي تراه في المرآة كل صباح ليس أنت وحدك؟ ماذا لو كانت هناك عشرات الوجوه الأخرى المختبئة خلف ملامحك تتصارع في صمت، تهمس بالذكريات، وتتشابك كالأفكار في زحمة العقل؟
هذا هو السؤال العميق الذي يفرضه الفنان العراقي الدكتور علاء بشير على من يقف أمام لوحته المعنونة «الإنسان بين الوعي ومرايا الإدراك». في زحام المشهد التشكيلي العراقي المعاصر، يتجلى الفنان بشير كحالة فريدة، لا لأنه يصوّر الوجوه، بل لأنه يُجسد الأرواح؛ هو فنان الجداريات الداخلية، الذي يتجاوز الجسد بوصفه كتلة مرئية، ليغوص في أغوار النفس البشرية حيث تتصارع الأفكار وتتشرنق الذكريات.

في لوحته هذه لا نقف أمام مجرد رسم لوجه، بل نشهد عاصفة هوجاء داخل رأس بشري، حيث تتحول الخطوط إلى أفكار متشابكة تبحث عن منفذ.

تشظي الهوية وازدواجية الرؤية

الوجه في هذه اللوحة ليس مكتملاً ولا هادئاً؛ إنه مشفّى، مائل، يوحي بأن الذات فقدت مركز ثقلها. تبدو العينان بشكل لافت، لكن حضورهما يخلو من الطمأنينة. هناك انقسام بصري ذكي: عين تراقب العالم الخارجي بحذر، وأخرى تغوص في أعماق الذاكرة واللاوعي.
هذا التشظي هو ترجمة بصرية دقيقة لحالة الإنسان الحديث، بل والإنسان العراقي بشكل خاص، الممزق بين ذات تراقب وذات تعاني، بين وعي يقظ وعالم داخلي يفيض بصور الحرب والمنفى والذاكرة المثقلة.

كثافة خطية تعكس توتراً عصبياً

تعتمد اللوحة على تقنية التراكم الخطي المكثف. يبدو الحبر وكأنه يتراكم ويتشابك حتى يكاد يبتلع المساحات البيضاء. لا فراغ حقيقي في العمل، كما لو أن العقل لا يعرف السكون، وكأننا أمام شبكة عصبية مكشوفة تعمل بلا توقف. الخطوط هنا ليست وسيلة تشكيلية فحسب، بل هي استعارة بصرية للتوتر الداخلي وللحوار الدائر بين العقل والروح. وإذا تأملت عن كثب، ستجد أن بعض هذه الخطوط تتشابك عند الصدغ على نحو يوحي بوجع حقيقي، وكأن الفنان أراد أن يرسم نبض الشريان ذاته.

زرقة الأعماق: لون الذاكرة والقلق

أما اللون الأزرق الداكن الذي يهيمن على العمل، فهو يضفي عليه طابعاً ليلياً عميقاً. إنه ليس زرقة السماء الصافية، بل زرقة الأعماق النفسية؛ زرقة الفكر والذاكرة والقلق الكامن. إنها زرقة من عاش تحت وطأة القصف، أو راقب البحر في الليل باحثاً عن خلاص. وفي أسفل التكوين، تتصاعد حركة أشبه بتيار خفي أو لهب، توحي بأن هذا الصراع الداخلي لا يبقى حبيس الرأس، بل يتحول إلى طاقة روحية تتسرب إلى الخارج. لتشكل جزءاً من هوية الإنسان.

مرايا الإدراك: أين تنتهي الرؤية ويبدأ الوهم؟

لا تظهر في اللوحة مرايا حقيقية، لكن الإحساس بالانعكاس يتخلل كل جزء منها. تتكرر الخطوط وتتضاعف الوجوه داخل الوجه الواحد، في إشارة إلى تعدد صور الذات التي نحملها في وعينا. يطرح الفنان عبر هذه الكثافة سؤالاً فلسفياً عميقاً: هل الإدراك حقيقة صافية، أم أنه مجرد سلسلة من الانعكاسات المشوشة التي تختلط فيها الرؤية بالوهم، والحقيقة بالتأويل؟ إنها معادلة بصرية معقدة عن كوننا أسرى لمرايا وعينا.

الصمت كلغة تعبيرية

الفم في اللوحة شبه مخفي أو مطموس، وكأن اللغة العادية تعجز عن استيعاب ما يجري في الداخل. الألم الفكري، كما تصوره اللوحة، أعمق من أن يُقال. الإنسان هنا ليس كائناً متماسكاً، بل بنية مركبة من ذاكرة جريحة، وخوف، ورغبة جامحة في الفهم، ومحاولة مستميتة لإعادة ترتيب فوضاه الداخلية.

خلاصة: اللوحة كمرآة للمتلقي

لا تقدم لوحة علاء بشير إجابات جاهزة، بل تضع المشاهد أمام مرآته الخاصة. في تلك المساحة الشائكة بين العين والرؤية، يبدأ السؤال الحقيقي: من الذي يرى؟ ومن الذي يُرى؟ إنها لوحة تجعل من الجسد ساحة وجودية، ومن الإدراك لغزاً لا ينفك يعيد تشكيل علاقتنا بالعالم.
في المرة المقبلة التي تقف فيها أمام مرآتك، اسأل نفسك: أي من هذه الوجوه المتشظية بداخلي سأختار أن أكون اليوم؟