عالم ما بعد العولمة- مقالات – طالب سعدون

نبض القلم

عالم ما بعد العولمة- مقالات – طالب سعدون

العولمة ، والثورة الالكترونية ، والطفرة العلمية والتقنية الكبيرة في الفضاء ، وسيطرة رأس المال والاقتصاد ، من سمات العصر والحقبة الزمنية التي يعيشها العالم ، وتلك الظواهر ( أماتت الجغرافية ) ، وصادرت السيادة ، وفرضت تحديات على الشعوب والحكومات ، وهي كيف تحافظ على هويتها ومصادر قوتها  ..

وبعد الحرب الباردة ، تصورت  امريكا ( بقوتها الجبروتية ) وبإنفرادها هي قطب العالم الوحيد ، و( السيد المطلق ) فيه ، وينبغي أن يطاع أمره ، ومن حقها أن تخترق سيادة أي دولة بعذر أو بدونه … تعبر القارات وتجتاز المحيطات ، وتخترق ( السيادات ) من قواعد ومنصات وحاملات  موزعة في اماكن متفرقة ،  وتضرب ما أتاحت لها قوتها  ، و( ضرورات )  مصلحتها في استعراض هيبتها !!..

والعلم في ثورته الكبرى جعل العالم كله في  متناول يد الطفل الصغير، (بضغطة  ضعيفة )  أو ( لمسة بسيطة ) على ( الماوس ) ، أو يدخل على أي وسيلة اتصال اجتماعية ، ويمكن لأي انسان أن  يتنقل من دولة الى اخرى بدون دعوة  رسمية أوتأشيرة دخول ، ويخترق ( بفنون العلم ) نفسه أي موقع سيادي و( يلعب بمقدراته )  ، ويطلع على ما شاء من كتب ومخاطبات ممهورة بختم (سري وشخصي )  ..

والفضاء المفتوح  والانترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي ، عابرة للحدود ، واصبحت في زمن العولمة من التحديات الكبيرة التي تواجه الثقافة الوطنية ،  وتغزوها في عقر دارها ، وفرضت عليها أن تحافظ على خصوصيتها ، وكيف  لها أن تستفيد منها ، وتتفاعل معها بايجابية ، ودون ان تفقد هويتها….

فكان ( الانترنيت ) بداية الموت ( الاكلينكي ) للجغرافية ، لانها لم تستطع التواصل مع هذا التغيير المتسارع على حد تعبير أحد المتخصصين ..

وويكليكس بحد ذاته لغز محير في ( فن العولمة ) .. فكيف له أن يخترق سيادة الدول ، ويعبر الجغرافية ، ويجمع ملايين الوثائق التي أحصت ( كل شاردة وواردة ) في العالم ، على اتساعه ، وتباعد مسافاته ، وحركة المسؤولين ، والشخصيات العامة وأسرارهم الشخصية والسياسية وهو اختراق تعجز عنه كل اجهزة الاستخبارات والمخابرات ، والاستقصاءات الصحفية ، والتسريبات الاعلامية ،  ووسائل التنصت والاستدراج والتسقيط المخابراتية والسياسية ، وما الى ذلك من وسائل الأمس وأصبحت ( متخلفة ) اليوم أمام هذه الاختراقات ( الجبارة ) ، ورسمت صورة جديدة للعالم خارج اطار الخرائط والحدود بكل موانعها وتضاريسها ، وامتدت القدرة التكنلوجية وسيطرة العلم والعولمة  الى عالم الفضاء ، واصبحت له القوة والسيطرة على  جغرافية الارض  ويكون متحكما بها وتابعة له ..

والمال اليوم ، ليس كالأمس ، أخذ يتنقل في ارجاء العالم بحرية ، وينشرقوته ونفوذه على أي دولة  ، ولم تقف دون ما يريد موانع واختصاصات ، وكأنه عالم بكل شيء ، وزحف في القوة والتأثير ليأخذ دور الجيوش ايام زمان في غزو الدول وتحطيمها ..

ويبدو أن العالم مقبل على مرحلة يكون الاقتصاد هو ميدان الحرب القادمة ، و من يتحكم به  يمكنه ان ( يحتل ) العالم  واي دولة في عولمة جديدة ،  بعد أن يجردها من قوة مالها وثروتها ، وتتحول الى دولة فقيرة ليس بامكانها توفير أبسط مستلزمات حياة شعبها .. فما بالك بعناصر قوتها الاخرى ، وكيف لها ان تهيء لها متطلباتها وهي لا تستطيع توفير قوت شعبها ..؟!  وقد تصبح قوة مالية واحدة تتحكم في العالم ، وتفرض شروطها في  المساعدات والمنح ، والتسليف والديون والتجارة العالمية ..

ويخشى الخبراء من القروض ان تكون هي من يتحكم بالدول  وسياستها وتخرق سيادتها ، لان المؤسسات الدولية تمنحها بشروط أساسية تجعل الحكومات تركز على تلبية متطلبات القروض بدلا من التركيز على تحسين مستويات الشعوب ، على حد تعبير أحد الخبراء ، وتقييد دور المؤسسات السياسية الوطنية ، وتحد من تطوير المؤسسات الديمقراطية  المسؤولة على حد تعبير أخر ..

وها هو النفط  فقد قدرته  اليوم  لمدة  – لا يعرف مداها – بقدرة قادر متحكم  ، وقد يأتي يوم لا يسد سعره تكاليف انتاجه كما يحذر من ذلك الخبراء عندما يتدحرج سعره دون الثلاثين دولارا للبرميل ..

 ولك ان تصور حال  الدول التي تعتمد على النفط كمورد وحيد اذا استمر السعر على هذا المنوال وسيضعها في دوامة من الضغوط الخارجية وهيمنة المصارف الاجنبية وشروطها ولعبة القروض ، والازمة التي تنتج عنها في حالة عدم القدرة على السداد  …

واذا كانت العولمة  بكل تفرعاتها  السياسية والعلمية والاقتصادية قد اعلنت ( موت الجغرافية ) ، وفتحت الحدود على مصاريعها للتدخلات الاجنبية ،  وخضعتها للشروط التي تفرضها العولمة ، واختراق السيادة ، وسلبت من الدول  مصادر قوتها المتنوعة ، وسهلت التحكم بها ، فانها قد فرضت عليها  تحديات  كبيرة  وهي كيف تحافظ على هويتها الوطنية وسيادتها ، وتعيد الاعتبار لمصادر قوتها ..؟..

وذلك هو التحدي الكبير .. وجعلها امام إختيار تكون او لا تكون ..

{{{{{

كلام مفيد :

من جميل ما وصلني رسالة مباركة بيوم الجمعة  الماضي من أحد الاصدقاء يقول مضمونها ( قد تخلو الزجاجة من العطر ، كما تخلو الايام من اللقاء ، ولكن تبقى الرائحة عالقة بالزجاجة ، كما تبقى الذكرى الطيبة عالقة بالقلب ..) ..وتلك هي العلاقة الحميمة ..