طوبى للمجانين
قراءة في كتاب “دفاعاً عن الجنون مقدمات” لممدوح عدوان

نجيب الشوفي
تدافعات شخصية وفكرية ونفسية تقود القارئ في رحلته داخل كتاب الكاتب السوري الراحل ممدوح عدوان وتقود حاجتنا إلى الجنون الذي سعى إليه في كتابه “دفاعاَ عن الجنون مقدمات” والذي يمثل مختصراً هاماً في خريطة حياته الفكرية والنفسية.
فبذات القدر الذي حاول عدوان فيه تقديم الشخوص والأفكار الذين ذكرهم في كتابه – ورأى فيهم خيبات ذلك العصر والجيل الذي أنتمى إليه وربما خيباته شخصياً – فقد حاول وبشكل واضح الدفاع عنهم وتبناهم بشكل صريح، فلا يمكن للقارئ إلا أن يشعر بمحاولة واضحة لحديث الكاتب عن المتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية، والتي عصفت بكل شيء وجعلت كل شيء سهل التغير.

يتناول الكتاب مقالات خاصة بـ عدوان ونصوص اختارها لشخصيات وأفكار وعوالم حاول إعادة طرحها بوجهة نظره الشخصية وبتحيز مشروع حيث اسهب قائلاً “وسيلاحظ القارئ أنها مكتوبة بانفعال الشاعر أكثر مما هي مكتوبة بعقلانية الباحث”.
المقدمة الأولى: والتي جاءت على ذكر الفنان التشكيلي السوري “لؤي كيالي” من مقدمة كتاب الكاتب “صلاح الدين محمد” إذْ دافع عدوان عن كيالي والذي اعتبره العاقل الوحيد من أبناء جيله ومجتمعه بسبب رفضه للواقع الغير منطقي الذي رافق حياته وتقلباتها، وهو ما وجده الكاتب أمراً طبيعياً في ظل الظروف الخاصة التي عاشها في تلك المرحلة من التاريخ الخاص بكيالي وعدوان وكل المجتمع السوري وربما أكثر إتساعاً من تلك البقعة الجغرافية.
وكان الكاتب “صلاح الدين محمد” قد شبه جنون كيالي ورفضه للواقع الذي عاشه قائلاً : “جنون كهذا شبيه بصرخة الطفل في أسطورة الملك العاري”، مضيفاً :” صرخة الطفل مثل جنون الفنان، تفضح كم الناس منافقون”.
ولم تأت هذه المقدمة على شخصية كيالي وحياته وتقلباتها فقط بل شملت المتغيرات السياسية والاجتماعية التي دفعته إلى الانتقال من الفنان المرائي للواقع والمجمل له إلى الفنان الحقيقي والذي رفض تجميل الوقائع والهزائم واعتبر ذلك تخاذلاً، وانتقل بسبب طبيعته كفنان للصراخ والتعبير الحر مستنكراً الصمت، وهذا ربما ما قاده إلى الجنون الذي كان من وجهة نظرة عدوان حارقاً وقاتلاً له – لقد توفي الراحل لؤي كيالي محترقاً في منزله -.
أما في المقدمة الثانية: والتي حملت عنوان “بين الشعر والقراء” فهي قراءة خاصة لمقدمة المجموعة الشعرية الأولى لعدوان والتي حملت عنوان ” الظل الأخضر” حيث استطرد عدوان في معالجة آليات وشروط تشكل الشعر والفن الحقيقي من وجهة نظره الشخصية معتبراً أن الكاتب الحقيقي هو الذي ينطلق من داخله وينتج من تصادم الكاتب والشاعر مع واقعه محدثاً نتاجاً ذاتياً بحتاً.
“إن الفنان إذ يكتشف صفاءه، يكتشف عكر العالم، وتصطدم صلابة صفاته بصلابة العالم، وهذا الاصطدام يولد الشرارة المضيئة للعالم”.
ويستفيض عدوان بوصفه المشاكل التي يعاني منها الشاعر والكاتب في العصر الذي عاشه وهو وضع القارئ في موضع الاعتياد على القراءة السهلة الغير مسؤولة والتي ساهمت في سرعة انتشار القصص البوليسية والجنسية حسب وجهة نظر عدوان.
متخذاً موقفاً سلبياً من الكتابة والشعر التي تهدف لتعطيل قدرة الإنسان العربي على التفكير والتطور، : “لكن هذا “الفن” إن صحت التسمية، قد تحول إلى وسيلة لتعطيل قدرة إنساننا العربي على التفكير والتطور”.
ثم ينتقل في مقدمته الثالثة للحديث عن أكثر الأمور جدليةً في مجتمعاتنا العربية وهي قضية الجنس وقد حملت المقدمة عنوان “الجنس شعراً” وهي افتتاحية مجموعة شعرية تحت عنوان “مونادا دمشق” لـ محمود السيد.
وهنا يحاول الكاتب أن يوصل للقارئ رؤيته الشخصية عن الحب ونقائه معتبراً أن الحب لا يجتمع في بوتقة واحدة مع عادات المجتمع وتقاليده وأرثه الثقيل الصدئ، ويرى عدوان الحب فسحة للنقاء ولتعرية الروح من الإتساخ الذي قد يحمله الإنسان معه.
ولا يقف عدوان عند هذا الحد، بل يتناول قضية المرأة فيقول :”لهذا فأنت مدعو إلى المرأة، أي أنت مدعو إلى الدخول في العالم، في نفسك، وسيكون دليلك إلى نفسك امرأة”، ثم يضيف :”إنك حين تقترب من المرأة جنسياً تتمكن من تبديد الوهم الكبير المتراكم والمحيط بك والذي يملأ نفسك، فتكتشف أنك منتمٍ للمرأة ومتجه إليها بكل ذرات كيانك منذ أن وجدت”.
ولا زال في كتاب عدوان المزيد والمزيد من الأجزاء ،إذ تناول في جزئين آخرين الأول تحت عنوان “وهذا أنا أيضاً” وحدد فيه الكاتب أحد أكبر الأخطاء التي يقع فيها الشاعر والكاتب وهي الاعتياد على السلام النفسي والذاتي وبذلك يكرر الشاعر نفسه.
أما الثاني وعنوانه ” اعتراف” فهو مناجاة داخلية ومرافعة قام بها الكاتب أمام محكمة دولية ضد الجرائم التي قامت بها إسرائيل إبان اجتياحها للبنان عام 1982 ووجه خطابه بشكل صريح للضمائر الحية.
وفي خاتمة الكتاب، قدم عدوان الجزء الأخير من مقدماته تحت عنوان “النمور تتعلم الرسم” وهو قراءة شخصية لثقافتنا وموروثنا عن العنصرية والتي تحمل في دواخل لغات الأرض كلمات ومصطلحات ترسخت بشكل كبير في ألفاظنا وكلامنا اليومي، وجاء في المقدمة: “هذا يعني أن التاريخ الذي أرسى هذه القيم اللغوية والجمالية والنفسية كان تاريخاً عنصرياً. وبالتالي فإن عليك أن تعيد النظر في هذا التاريخ كله وفي حياتك كلها وموروثاتك كلها”.
وشرح عدوان أهمية المسرح وتطور المسرح وخصوصاً السياسي منه بالقول:” كان المسرح دائماً يهدف إلى تكريس الوضع السائد في العالم أو على الأقل لم يكن المسرح يحاول التطرق إلى شرعية هذا الوضع القائم”.
وفي نهاية المطاف لا بدّ لي أن أحاول إعادة صياغة ما قرأته في هذا الكتاب وما حاولت الوصول إليه في خبايا هذا الكتاب الذي أرّقني وجعلني أبحث وبشكل مضنٍ عما حملته صفحاته من لحظات تحسر ويأس ومعاناة عاشها عدوان وهو يرثي جيلاً كاملاً بأفكاره وشخوصه وأحلامه، وهذا ما شعرت به وأنا أقرأ صفحاته واحدة تلو الأخرى وهي تطوي مع كل صفحة خيبات أمل ومحاولات مجنونة لإصلاح هذا الواقع الذي جعل الجميع في حالة سكون.























