طابت لكم المغانم والموائد العامرة – مقالات – حسام الدين الانصاري

طابت لكم المغانم والموائد العامرة – مقالات – حسام الدين الانصاري

لا يخفى على أحد ما وصلت اليه أحوال السياسيين الذين تسلّموا السلطة في أعقاب إسقاط النظام السابق من قبل الأمريكان والقدرات والامكانيات المالية غير المحدودة التي حصلوا عليها بمختلف الطرق ، بدءاً بالرواتب والمخصصات والامتيازات التي شرّعوها لأنفسهم، ومروراً بالقصور والأراضي التي تملّكوها بأسعار رمزية وسيارات الدولة الفارهة التي حصلوا عليها هم وعوائلهم ، وانتهاء بالصفقات التجارية والعمولات التي فرضوها في عمليات الشراء والتعاقد للمشاريع الكبيرة .

ومع ديمومة استمرارهم في السلطة استمرت المكاسب تنهال عليهم بفعل الطبقة الحاكمة التي توزع الغنائم عليهم خلال سني الطوفان الاثنتي عشرة والتي أغرقتهم بالمنافع التي لا تعد ولا تحصى ما دام الكل يغرف من ميزانية الدولة المباحة من قمة هرم السلطة الى ادناها بلا حساب ومن دون تقديم ميزانية ختامية تبين مجالات صرفها وكيف تسربت مئات المليارات وأين ، وما دامت مؤسسات الدولة قد أصبحت وسيلة لراحة المسؤولين ومتعتهم بتوفر المكاتب الفخمة والقاعات الاسطورية والايفادات الترويحية الدائمية والسفرات العائلية والاقامة في فنادق الدرجة (عاشرة نجوم!) أو القصور التي امتلكوها في الخارج بعد توليهم السلطة ، والعلاقات التي أقامها البعض مع الدول الأخرى التي تدرّ الحليب والعسل ، فليس مهماً أن يعرف الناس ما خلف الكواليس لأن هؤلاء المسؤولين أقنعوا أنفسهم بأنهم محط ثقة الناس ويحلمون بأنهم كانوا يناضلون خارج العراق في أمريكا وأوربا من أجل تحرير البلد ، فليسألوا أنفسهم عما إذا كانوا يعانون ما عاناه العراقيون الذي بقوا متمسكين بأرضهم من أجهزة النظام القمعية حين كانت بيوتهم تُداهم ليلاً ، أو أن يساقوا الى ساحات الحرب العراقية الايرانية أو عدوان احتلال الكويت وما تبعها ، أو اصطياد الناس من مختلف شرائح المجتمع من أساتذة وأطباء ومهندسين وموظفين بمختلف مستوياتهم الوظيفية وطلبة وكسبة وعمال من دون مراعاة للنواحي العمرية والصحية والظرفية لهم ولعوائلهم لإلحاقهم بقواطع الجيش الشعبي وزجهم في أتون المعارك التي لا يقوى على سعيرها إلا العسكري المحترف المتمرس ، وكان ما كان من استشهاد خيرة الشباب .

وبعد كل هذا يدّعون النضال ضد النظام السابق ويطالبون برواتب ومزايا ومخصصات عن الخدمة الجهادية في الخارج ، فأي خدمة جهادية تلك وأنتم في أمان من قمع النظام السابق ، والغالبية منكم هرب تخلصاً من الخدمة العسكرية الالزامية وتوالي الحروب على البلد دون أن يكون مقصوداً بالاسم عن دور نضالي ، وانما حاله حال أي عراقي تعرّض للمضايقة من السلطات القمعية وظروف الحصار التي صمد في مواجهتها بصبر وشجاعة من بقي على أرض الوطن ، ولكنه عومل معاملة الغريب بعد أن استلمتم السلطة وزرعتم الطائفية والمحاصصة وسمحتم للحاكم العسكري ( بريمر ) الذي دمّر العراق أن يخدع الشعب ببدعة الديمقراطية وكتابة الدستور . وكانت نتيجة تربّعكم على كنز علي بابا والأربعين ألف حرامي أن وظّفتم الدجالين الذين نشروا ثقافة البكاء والمظلومية بين أبناء الشعب الطيب الذي أحسن الظن بكم واعتقد بأنكم تحزنون لحزنه وتبكون لبكائه وتقفون بثبات في الدفاع عن حقوقه وتلبية احتياجاته وتحقيق طموحاته في توفير الأمان والعيش الكريم ، ولكنهم أكتشفوا بأن ما يدّعيه السياسيون ليس إلا وسيلة لكسب تأييد الشعب الطيب، وحاولوا زرع الفتنة التي لم ينجحوا فيها لتبقى موائدهم عامرة وخزائن البلد تحت تصرفهم ويتركوا الناس في شغلٍ شاغل بالمعاناة والمشاكل لسني الفشل والمحاصصة والفتنة الطائفية وهم ينعمون بخيرات الشعب من أموال وقصور وموائد عامرة ناسين فقراء الشعب الذي يفتشون عن بقايا الطعام في القمامة، فطالما كانت لهم مصلحة مع الناس فانهم يبكون ويلطمون ليزرعوا فيهم ثقافة البكاء، وعندما يتحقق مرادهم عادوا الى حساب أرصدتهم واقامة الموائد العامرة وتركوا الناس وقد اعتادوا الحرمان والبكاء ثقافة وسيرة حياة ، يعاملونهم كما تعامل القوم مع بهلول قرندل عندما احتاجوه لدق الكبّة وطبخها، وعندما أنجز العمل فيها وأصبحت جاهزة للأكل طلبوا منه أن يذهب للنوم .