صناعة الديمقراطية الجزائرية – مقالات – خالد عمر بن ققه

صناعة الديمقراطية الجزائرية – مقالات – خالد عمر بن ققه

 ستون عاماً من تحايل الرؤساء

تشهد الجزائر منذ ايلول الماضي تغييرات واسعة النطاق، تركّزت بالأساس على احداث هزة كبرى في المؤسسة الأمنية لصالح جهتين، الأولى مؤسسة الرئاسة، والثانية قيادة الأركان، أعلى هرم الجيش الوطني الشعبي، أٌتْبعت بعد ذلك بطرح دستور معدل للمصادقة عليه من طرف البرلمان، وتفادي الاستفتاء عليه شعبيا، وقد أعتبر الفريق المؤيد للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ما يحدث انتصاراً ديمقراطياًّ، يُعزِّزُ دور الدولة المدنية، ويُجنَّب البلاد صداماُ محتملاً بين السلطة والشعب في ظل التغيرات الاقتصادية التي تواجهها الجزائر بعد تدنّي أسعار النفط،، وأيضا بعد التطورات التي تشهدها دول الجوار.وإذا كانت التغييرات الأمنية ـ على ما فيها من مخاطر تلوح في الأفق، بعد الحملات والحملات المضادة بين القادة الأمنيين وأطراف سياسية فاعلة وبوجه خاص حزب جبهة التحرير الوطني ـ لا تزال محصورة في نطاق ضيق مع توقعات باتساع الدائرة في المستقبل ضمن صراعات بين الأجنحة باتت وشيكة، الأمر الذي يتطلب فض الاشتباك بينها، فإن الموافقة على التعديل الدستوري، تمثل مواجهة شعبية محتملة مع السلطة لن ترقى إلى مستوى الصراع الدموي ولا السلمي، ولكنها ستتَّخِذُ أشكالاً عودتنا عليها الإدارة الجزائرية، ومنها: عدم تنفيذ القرارات مهما كانت دستوريتها، أو مشروعيّة الجهة التي أصدرتها، مما سيجعل من الدستور المعدل نصاُ توثيقيا يزيد من سلطة الرئيس، ويبرر أفعاله وقرارته، ولكن لن يحظى بالتأييد المؤسساتي عند التطبيق، إلا عند أولئك الذين يجدون فيه منفعة خاصة ومباشرة.من الناحتين السياسية الرسمية والإعلامية المؤيدة للسلطة، يتم التأكيد على أن الدستور المعدل، وما سبقته من قرارات اتّخذها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، يحققان دولة ديمقراطية بعيدة عن سلطة المؤسستين الأمنية والعسكرية، مما يشي بدولة مدنية وحداثية، مُتنبهة للمخاطر بما فيها تصدعات الجبهة الداخلية، ومُدركة لتهديدات أوضاع دول الجوار، ومُتفاعلة مع التطورات العالمية، وهذه الرؤية ـ إذا استحضرنا الدرس التاريخي، والتجربة المتراكمة، ومكتسبات وخسائر كل مرحلة ـ لا يمكن التعويل عليها لأنها مجرد خطاب مكرر بدأ منذ أول بيان للثورة في الأول من نوفمبر 1954 ويتواصل إلى غاية يومنا هذا، أي مدة 62  سنة.

بنت الأزمة.. وأُمَّها

وإذا كان المراقبون والمهتمون بالشأن الجزائري، يرون في التغييرات الأخيرة بما فيها المصادقة على الدستور المعدل، انجازا ديمقراطيا واعدا، خاصة تقليص سلطة المؤسسة الأمنية وجعلها في خدمة الرئيس، أكثر مما هي في خدمة الشعب، وتحقيق مكاسب من ذلك ترسيم اللهجة الأمازيغية وتحويلها إلى لغة وطنية، وتحديد العهدة الرئاسية بفترتين مدة كل واحدة منها خمس سنوات، فإن هذه الانجازات نفسها محل خلاف بين الجزائريين، ناهيك على أن تغيير الدساتير في الجزائر يأتي بهدف توسيع سلطة الرئيس، وغالبا ما يتم تحضيره لشغل الرأي العام على أزمة مستفحلة أو توقع صراع محتمل بين الأطراف الفاعلة، بحيث يكون المرجَّح مُبَكِّرا لهذا الفريق أو ذاك، ناهيك على أن كل التعديلات والتغييرات الدستورية السابقة ولدت من أزمة، مهّدت لكوارث وأزمات، كادت فيها الدولة الجزائرية أن تنهار بالكامل.من ناحية أخرى لا يمكن فصل رؤيتنا الراهنة لما يحدث في الجزائر اليوم، عن تجربتها المتعلقة بنظام الحكم منذ الاستقلال وإلى غاية السابع من فبرابر الجاري، عشية موافقة البرلمان بأغلبية ساحقة على الدستور المعدّل( 499 نائبا من أصل من 517 نائبا فيما صوت بـ (لا) نائبان وامتنع 16 آخرون عن التصويت)، وعدم الفصل هذا لا يرتبط بالأحداث السياسية فقط، ولا بالتطور الاجتماعي والاقتصادي فحسب، ولكنه يشكف عن الوجه الحقيقي لحكّام الجزائر منذ الاستقلال إلى الآن لجهة رفضهم تسليم السلطة تحت أي مبرّر، فالعمر السياسي لديهم ممتد، مهما كانت نوائب الدهر، ومهما كانت أوضاعهم الصحية، والحال التي عليها الرئيس بوتفليقة خير دليل على ما نذهب إليه.

لكل رئيس وثيقة

وبالعودة والمراجعة والاستناد إلى التاريخ، نكتشف أن حاضر الجزائر اليوم يعيد تكرار ماضيها منذ الاستقلال، وهنا ما تُفسِّره المحلاظات الأساسيّة الثلاث التالية:أولاــ أن جميع الذين وصلوا إلى منصب الرئيس ـ يُسْتثنى منهم محمد بوضياف وعلي كافي لأنهما لم يُعمِّرا طويلا في الحكم ـ أعتمدوا دستورا خاصا بهم أو على الأقل عدّلوا الدستور الذي بين أيديهم بما يتناسب من أهدافهم الظاهرة والخفية، وأهمها البقاء في السلطة لأكبر فترة مُمكنة.

ففي عهد أحمد بن بلّه تم اعتماد أول دساتير الجزائر، ويعرف بدستور عام 1963  وبموجبه تم تأسيس جمهورية ذات حزب واحد، وهو حزب جبهة التحرير الوطني، الذي كان يختار كل مرشح قبل أن يصوت عليه الشعب، وأعطيت فيه لرئيس الدولة صلاحيات واسعة، كما ركز ـ في اطار الحقوق والحريات ـ على عدم المساس بمؤسسات الجمهورية ومطامح الشعب الاشتراكية، ومبدأ وحدانية حزب” جبهة التحرير الوطني”، والتأكيد على أحقيَّته في الحكم مُنْفرِدا، الأمر الذي أثار مخاوف كبار قادة الثورة ومنهم بوجه خاص حسين أيت أحمد، الذي شكل حزبا معارضا في الخارج، وهو” جبهة القوى الإشتركية”، وكذلك محمد بوضياف. الدستور السابق لم يُعمّر طويلا، إذْ أوقف العمل بعد أن قام هواري بومدين بحركة التصحيح الثوري في 19 يونيو 1965 وفضل تحمل المسؤولية مباشرة، واعتمد دستور 1976  وقد سبقه في نفس السنة نقاش واسع حول الميثاق الوطني، وبعد وفاته في  27 ديسمبر 1978 تم تعديل الدستور بحيث استحدث منصب الوزير الأول الذي لم يكن موجودا في عهده.

وفي ثمانينيَّات القرن الماضي، وبعد ظهور مشكلات سياسية واقتصادية نتيجة تدني أسعر النفط، غيرت حكومة الشاذلي بن جديد الدستور سنة  1986 في اتجاه الرأسمالية، وفي 1989 تمّ اعتماد دستور جديد، أقرّ التعددية الحزبية، ممّا أدّى إلى نشوء أحزاب دينية دخلت في صراع مع الجيش دام أكثر من عشر سنوات.

 وبعد عام من وصول اليامين زرول في انتخابات حرة ونزيهة إلى سدّة الحكم، أطلق دستورا جديدا في 1996منع بموجبه قيام أحزاب “على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جنسي أو مهني أو جهوي”، وحدّد فترة الرئاسة بعهدتين.

بوتفليقة.. تعديلات ثلاثة

وبعد ستّ سنوات من ذلك التاريح، أي في 2002  قام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بتعديله ليجعل من الأمازيغية لغة وطنية، ثم عدَّله مرة أخرى في 2008  ليلغي عدد العهدات المنتخبة، ويترشّح لفترة ثالثة، وقد كان له ذلك، والتعديل الجديد الحالي هو الثالث، ولا ندري إن كان الأخير، خاصّة، وأنه هو الذي سيرعى هذا التغيير غير مبالٍ بانتقاد المعارضة له، وتركيزها على حالته الصحيّة، وهو ما نستشفه في كلمته التي وجهها للشعب بعد المصادقة على الدستور، وقرأها نيابة عنه رئيس البرلمان عبد القادر بن صالح، حيث اعتبر المصادقة على البرلمان” تدشين لمرحلة تاريخية جديدة تحمل تطورات ديمقراطية غير قابلة لأيّ تراجع”، إضافة إلى ان بعض القانونيين يرى أنه له الحق بعد في الترشح لفترة رئاسة جديدة لأن الفترات السابقة تعد واحدة فقط، وعلى العموم فهو أكثر رؤساء الجزائر بقاء في الحكم.ثانيا ـ كُل رئيس كرّس سلطته بناء على الماضي، من ناحية صناعته للفعل ـ المنجز في نظره ـ بل إنه قد يُحوِّل مشاركته في حل المأساة ـ فرّ منها وقت الشدة وعاد إلى البلاد بعد أن لاحت في الأفق بوادر للحل ـ إلى منجز سياسي، وهذا يظهر جليّا في تجربة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الحكم لأربع فترات رئاسية متتالية ( 16 سنة إلى غاية الآن) والحديث عن الديمقراطية انطلاقا من انشاء الدساتير في الجزائر أو تعديلها هو ضرب من الوهم، لأن جميع الذين حكموا الجزائر استندوا في أحقيَّتهم بالسلطة إلى مشاركتهم في الثورة، وهي مرجعيّة باطلة، كون معظم الجزائريين شاركوا في الثورة، ناهيك على عدم الاعتراف بتطور المجتمع، الأمر الذي ترتب عليها توظيف الشرعية التاريخية بصيغة مخالفة لطبيعتها، حتّى غدت حائلا دون تقدم الأجيال الجديدة، التي تجاوز عمرها اليوم العقد الخامس، وربما لهذا السبب أصبحت الشرعياّت: التاريخية، والثورية، وأخيرا العسكرية، تشكّل عقَداً لدى معظم الجزائرييين.

هروب إلى الأمام

ثاثاـ أن طبيعة الحكم في الجزائر ـ وعلى مستوى الرئاسة تحديدا ـ في حالة هروب دائم إلى الأمام، صحيح هي مُنْجذبة إلى الماضي، ومُسْتندة إليه، وُمعوِّلة عليه، ولكنها تتحارب مع أشباحه الأحياء والأموات، الأحق بالحكم أو الأكثر قبولا وتأييدا من الشعب من جهة، وتعمل على تزييف وعي الشعب من جهة أخرى. فمثلاً، في الوقت الذي تواجه فيه الجزائر أزمة اقتصادية قد تقضي على مُدَّخراتها وتُعِيدها إلى سنوات المديونية، تُشغل الراي العام بأمور تعرف أنها لن تتحقق مستقبلا، فالأمازيغية لن ستصبح لغة وطنية عامة حتى لو كانت النّيات صادقة والتطبيقات عملية والدعم غير محدود، لأسباب كثيرة، منها: أن الأمازيغية ليست مشكلة إلا في أذهان السياسيين، وأنها لهجات متعددة لا يكمن تجميعها في لغة واحدة حتى لو تمّ الاجماع حول حروفها، وأنها لا تمثل اجماعاً وطنياُ حتى عند الأمازيغ أنفسهم.. إلخ.

الأمر ذاته نراه بالنسبة لتحديد فترة حكم الرئيس بعهدتين فقط، فقد سبق للرئيس السابق اليامين زروال أن أقرّ هذا وغيَّره بوتفليقة، ثم أعاده اليوم، ونفس الفريق الذي أشرف على اعتماده والترويج له في عهد زروال، هو الذي يروّج له اليوم تماما مثلما فعل عند الإلغاء، وتجربة التعامل مع الدسااتير في الجزائر كشفت عن ابعاد للنصوص أو التحايل عليها، أو رفض نتائجها بالقوة، وأن الرئيس حامٍ للدستور بقدر ما يحقق من مصالح لجماعات الضغط أو الفساد، لكن حين يقترب منها بالابعاد أوالمتابعة، يتم اقصاءه ولن يحميه الدستور.المواطنة.. والميراث المرمن القضايا الكبرى المطروحة في الدستور المعدّل، والتي أثارت نقاشا واسعا، هي مٍسألة المواطنة، حيث لن يعتلي المناصب العليا للدولة مزدوجو الجنسية، ولا يحق لمن عاش عشر سنوات في الخارج أن يترشح لمنصب الرئيس، وظاهر هذه المادة وحتى طرحها يشيان بتلبية رغبة اجتماعية، لكن في حقيقتها معادية لمعنى المواطنة، كما أنها تعيد الميراث التاريخي المر، المتمثل في الصراع بين الداخل والخارج منذ سنوات حرب التحريرـ وفي الوقت الظاهر تحاول من خلالها ابعاد المنافس المنتظر” رشيد نكّاز”، وأيضا ابعاد السياسيين الذين عاشوا خارج الجزائر لسنوات، ومنهم عبد الحميد الإبراهيمي رئيس الحكومة الأسبق، الذي عاد من بريطانيا مؤخّراُ.القضابا السابقة، وهي أمثلة حية عن فهم جزائري لطبيعة الحكم، المصحوبة بعقدة الشرعية، تحمل سادية تجاه المنافسين والشعب عموما، تختفي وراء المطالب الكبرى، وتبشّر من خلال النصوص الدستورية بمستقبل ديمقراطي لم يستطع الرئيس الحالي أن يوجد له أرضية أثناء حكمه لأكثر من 16 عاما، ناهيك على أنه عمل على تعميق أزمات الحاضر، إذْ كيف للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي أقام في الخارج لأكثر من عشر سنوات ثم عاد بعد أن هدأت البلاد ليصبح رئيسا، ويمنع الذين يقيمون في الخارج من الترشح؟، وكيف له أن يعيد طرح المسألة الأمازيعية، وهو يدرك أنها توظّف سياسيا من أجل ضرب الوحدة الوطنية؟.الإحابة جليّة في تجربة حكام الجزائر من بن بلّه إلى بوتفليقة، إذ عقّدتهم الشرعية التاريخية وعقدّتنا معهم، ومع ذلك فقد كانت مقبولة حين كان الهدف منها جمع المواطنين حول مشروع تحققت من خلاله منجزات هامّة، لكنها اليوم نهاية لمرحلة تنذر بتحولات كبرى قد تصحب بصراع دامٍ حول السلطة، وعندها سيكون هذا الدستور المعدل جزءاُ من الماضي.

{  كاتب وصحفي جزائري