
المثقف الازدواجي
صراع ( الأنا ) والمنجز الابداعي – احمد طه حاجو
المثقف بصورته المثلى هو ذلك الفرد الذي امتلك الوعي العام وبأكثر من مستوى ، كما انه ذلك المبدع النوعي صاحب المنجز ذو البعد الانساني ، الذي يروم من خلاله ايصال رسالته الانسانية التنويرية ، الا اننا نرى ان البعض من المثقفين شتان ما بين منجزاتهم الابداعية وما بين افعالهم على الصعيد الشخصي ، بحيث نصدم لو عقدنا مقارنة بين رسالتهم المضمرة في منجزاتهم وما بين سلوكهم ، فما مبررات تلك الازدواجية ؟ اذ ان المثقف وفق ما يمتلك من معرفة عميقة في مجالات متعددة ومن ثم ينزلق هذا الانزلاق ، فلا بد من ان هناك ترسبات في اعماقه الشخصية تمتد الى تكوينه ونشأته ، وبقيت ملازمة له حتى بات لا يقوى على التحرر منها حتى بعد ان ولج الى اعماق التخصص البنّاء ، فكان لنا هذا الاستطلاع حول هذا الموضوع مع نخبة من الاساتذة الاكاديميين .
ابتلاء الوسط الثقافي
إذ يرى الدكتور (عقيل مهدي يوسف ) ان هذا الصنف من ادعياء الثقافة هم اجراء مرتزقة وصوليون لا يمتون بصلة للوعي الثقافي الرفيع والصادق ، وما اكثر هذه الخلائق من المسوخ والحرباوية المقيتة ، التي هي نتاج لزمن التفاهة والابتذال القيمي والذين ينطبق تماما عليهم مقولة ، ( اتق شر من أحسنت عليهم ) اما المثقف النبيل فهو المثقف العضوي والنقي في سلوكه الملتزم وعطاءه الحقيقي غير الزائف ، وربما خصلة النفاق هذه باتت لدى المنافقين هؤلاء تسري في مسرى الدم بسمومها التي ستفتضح مخازيهم حين يبان فيها التسفل وربما بصابون بفايروسات وعدوى مميتة ، بسبب الغل الذي يحملون ، ولولا سمو المثقف وتعاليه عن ابتلاء الوسط الثقافي بهم لتمت تسميتهم و تنقية الثقافة من سقوطهم وما يفترون ، لكن الحقيقة لا يمكن ان تغطى بأقنعة الدجل ، العابرة ويبقى المثقف الاصيل مناراً ورمزاً للأصلاء و للأجيال القادمة المعافاة بالقيم الكريمة والإنسانية الحقة ، وكان الشاعر الوطني الكبير ينعتهم بصفة ( الارذلون ) الذين لا يمكن مقارنتهم بالأصلاء من المبدعين الذين يبنون الاوطان بعيداً عن المخربين الاجراء ،شكرا لك على اختيارك موضوعة المثقف وادعياء من الرغام والقشور والمتسلقين ..
الأنا المتضخمة
وبيّن الدكتور ( سلمان كاصد ) أن هذا السؤال يحمل أكثر من مفصل وهو بمجمله يكشف عن طبيعة الشخصية الأدبية ، أول ما يتبادر إلى أذهاننا عبر كلمة ( الازدواجية وسندان الإنجاز) أن المبدعين في أغلبهم يعيشون هاجس الأنا المتضخمة وكأن الكاتب أو الشاعر عندما يقدم عملاً جميلاً مبهراً يحسب نفسه و قد تفضل على الناس بهذا الجمال ، وليس كونه مساهماً في تشييد صرح الإنسانية القائم على تشكيل عالم جمالي خلاق .الأنا عندما تتضخم ترتفع نسبة التعالي واحتقار الآخر وكأن المبدع الموهوم ذاك قد تفضل على الآخرين بما وصل إليه متناسياً أن هناك في العلوم الأخرى من نجده وقد قدم إنجازاً أكثر براعة من قصيدة لا تحوي أكثر من كلمات أو فكرة عابرة لو قارناها بالمنجز العلمي الذي قدمه الآخر المشتغل بالعلوم الصرفة لوجدنا فارقاً كبيراً.وحتى الجوائز الكبرى التي تمنح لمبدع ما الكاتب أو الشاعر ليتأكد أن تلك الجوائز لا تعني الناس بشيء سوى المتعة العابرة بينما نجد الكثير من صنائع المبتكرين تعيش معنا ونستفيد منها كل لحظة في حياتنا ولا نتذكر مبدعيها من العلماء في العالم .التاريخ هو الذي يشعر المرء بالفخر ، حسنا .. لنلحظ قضية أخرى من وجهة نظري أنني لم أر فضاء ملتبساً مثل فضاء الأدباء الذي بدأ الكثيرون يحسرون أنفسهم به يشجعهم بعض ضعاف النفوس الذين يجنون على الثقافة العراقية وسؤالي : إذا كان الجميع مبدعاً منتجاً فمن سيقرأ هذا الإنتاج الذي ينزل إلى سوق الأدب ومن صفاته : الفردانية ، تغليب الذات وتفخيمها ، المحاباة والمجاملات اللا أدبية .إذ قد يتفق الجميع على رداءة ما يقدم من موضوع ما إلا أننا نجد هناك من يطبل له ويسبغ عليه كل النعوت والصفات الجميلة وهو يعلم بمحاباته للكاتب الآخر ، لكنك عندما تسأله عن سبب ذلك يؤتيك بعذر المجاملة والصداقة والمحاباة وهو لا يعرف أنه قد قتل روح الإبداع لدى الكاتب أو الشاعر الذي يصدق مقولة الآخر في نصوصه .تلك ظاهرة مستشرية و من منصاتها الدافعة ، هي أساليب التواصل الاجتماعي التي خلقت فجوة بين الواقع والنوايا عند الكتاب وبالطبع هذا لا يؤسس لحقل إبداعي رصين ، وكأننا نسأل : أخي الكاتب إن كنت تعرف أنك تحابي الآخر في نصه البسيط الذي وصفته بالكبير فأنت غير ملزم بهذا الطرح المنافق لذا كان أقل ما تفعله أن لا تكتب ولكي تتجنب هكذا نصوص هزيلة فبامكانك أن تبدو وكأنك لا تعرف ان محاباتك ستثير السخرية والتهكم عليك من ألسنة المستقبلين لا تهدأ أمام المحاباة التي تثير السخرية .
أما دوافع المحاباة في العلاقات الأدبية فهي كثيرة ومنها البراكماتية التي تقود الفرد الى سلوك متضامن مع الجميع الرديء والجيد والمبدع واللامبدع الحقيقة الصادقة واللاحقيقة الكاذبة ولهذا ترى أن الآراء في أغلبها للنصوص اللامبدعة لا ركيزة معرفية فيها بينما ، تجد وضوحاً في الرأي بالعالم الغربي الذي تأسس في ضوئه أدب راق أثر في العالم من شعر وقصة ورواية ومسرح ونقد وفي ضوء ذلك انبثقت نظريات معرفية رصينة على طول العصور الأوروبية ظلت تحاكم النص بعقلانية شاملة ودقيقة .أعتقد أن المحاباة جميعها تصب في المصلحة الشخصية وهذا صحيح ما جاء في القسم الثاني من السؤال ، فأنا لم أقرأ حقا نصاً أوربياً رديئاً قال عنه النقاد : إنه عمل متفرد فيه من الكشوفات الشيء الكثير.الأوربي في الثقافة يعلمنا من هو النص الراقي ومن هو النص المتواضع لأن ذلك ينعكس على قيم المجتمع كون الثقافة هي الحقل الذي يغرس أصدق قيم في العقل الجمعي للمجتمع وهو الذي يربي الذوق المجتمعي فكيف يكون ذلك اذا كان نصاً باهتاً نقول نحن مدحاً به ونبجله ونعلي من شأنه .
تلك هي المعضلة التي تواجه الثقافة العراقية الآن .
التواقين للاقتراب من السلطة
كما اوضحت الدكتورة ( وحيدة حسين ) بأن اشكالية المثقف الحقيقي الأصيل والتي تأتي هذه اللفظة بمعنى مبدع تكاد تكون ملمحاً بارزاً من ملامح الثقافة العربية ذلك ان الثقافة العربية ومنها العراقية خاصة لا تعطي حلولاً لكثير من التساؤلات التي تعني وتلامس تمظهرات الثقافة فمن اشكالية المثقف والسلطة الى اشكاليات المثقف والمجتمع والهم الانساني ولذا فأن الاحباط الذي تعيشه الثقافة العراقية وحتى العربية يصطدم بالقدرة على صيرورة اخرى للثقافة بوجه جديد وبمضامين جديدة وبعنوانات جديدة فمثلاً المحاباة التي يحياها بعض المثقفين هي بطبيعة الحال تكاد تكون ظاهرة ليست وليدة الساعة او جاءت تحت ضغط المرحلة بقدر ماهي ملمح لبعض المثقفين التواقين للاقتراب من السلطة او تبوء للمواقع الحيوية او المناصب القيادية او الحكومية فهي نزعة شخصية وعامة في ذات الوقت وقد اصبحت داء اصاب الثقافة ودشن تمظهراتها المختلفة فلذا لابد من تشخيص هكذا مظاهر والبحث عن البديل الذي يجعل من الثقافة ابداعية فنياً ولكن ببعد انساني يلامس هموم المجتمع ويعبر عن تطلعاته وقضاياه المختلفة .
ولكن المبدع الحقيقي بكل ما تعنيه هذه الكلمة من مضمون سايكولوجي بحت لا يمكن في ضوء تحليل الشخصية المبدعة السوية ان تكون محابية وذات مصالح شخصية على حساب المصالح العامة ، والا فأن هذا يعد خرقاً للمنظومة الابداعية الأصيلة التي تتسق مكوناتها وتتوائم ما بين الذات العليا والتي تأتي هنا بمعنى الضمير والذات الوسطية التي تأتي بمعنى الواقعية .
فالمبدع يصنع التوافق النفسي بينهما في سبيل عطاء ابداعي معرفي حقيقي ومتجدد وناصع يمنح المبدع شعوراً بالرضا والهيمنة الشخصية على المبادئ الجميلة والجديرة بالمحافظة عليها وتجنب التهاون بها .
والا فأن هذا التفشي للمصالح الشخصية والمحاباة تؤشر شعوراً بالقلق وضعف الطمأنينة النفسية وتشكل اضطراباً نفسياً في جسد الابداع الأصيل ..
سلوك مثير للجدل
ويرى الناقد (غازي احمد ابو طبيخ الموسوي ) بأن هذا التشخيص الدقيق يمكن ان يكون مدخلاً لمادة بحث واسعة النطاق ، ذلك لأنه لا يقف عند حدود عصر معين بذاته ،عربيّاً أو عالميّاً ، فالأمثلة والشواهد عليه كثيرة على مر الزمن..
ولكننا نلفت النظر إلى اختلاف الدوافع والحوافز والمسببات ، التي قد تتماثل وقد تختلف ، تلك التي تقف من وراء هذا السلوك المثير للجدل واللافت للإنتباه منذ أقدم الأزمنة..
وقد أشار إليه النقاد العرب القدامى، بصياغات مختلفة ،وتكفينا مقولة احدهم( الشعراء أربعة…)الشهيرة..
الحال إذن لا تختص بعصرنا الحالي ، ولا بما يجري على العالم الإفتراضي مثلاً ، وإنما هي ظاهرة عميقة الجذور كثيرة التمظهرات ، على مستوى العالم..
والغريب أن كثير من الذين تم تأشير هذا الأمر في سلوكهم الإبداعي هم من أبرز وأعظم الشعراء واكثرهم رسوخاً ابداعياً ، أمثال المتنبي وشوقي والجواهري عربياً وأمثال عزرا باوند صاحب قصيدة الأمير التي مدح بها الزعيم الفاشيستي موسليني غربياً ، مع انه يهوديُّ المنشأ!!..
ولسنا هنا بصدد الحديث عن ظاهرة الإرتزاق ونعني (شعراء التكسب) مثلاْ ، فالحديث عن هؤلاء طويل هو الآخر..
كما وان هذه الظاهرة لا تخص الأدباء وحسب ، وإنما تشمل طبيعة التعامل النقدي مع النصوص أيضاً خاصة في هذا الفضاء الأزرق ، ولهذا الموضوع حكايته المطولة هو الأخر..
ولأننا مطالبون بالإختصار ، فسنشير بعجالة إلى ان دوافع هذا السلوك تتراوح بين العلل النفسية والإختلالات القيمية في جانب ، والظروف القاهرة الضاغطة بجميع انواعها في جانب آخر..
علماً إن لكل محطة مما ذكرناه آنفاً تفصيلاتها وتفسيراتها ، سيما والبعض من الشعراء او الفنانين يحاولون تبربر مسالكهم وتفسير مزاولاتهم كل وفق تصوراته الخاصة..
نقد ابداعي وليس اتباعي
كما اشار الدكتور( حميد صابر ) بأننا بحاجة للمثقف العضوي الفاعل في مجتمعه والمساهم في فاعلية التغيير الايجابي وان يكون موقفه تاريخي لا تحدده الايدولوجيا والانانية والتسابق واللهاث لكسب ود المسؤول والسلطة فهو اي المثقف الفاعل والعامل في شتى مجالات الابداع ان يشكل وجدان الجماعة لا ان يكون متملقا لمصالحها ساعيا لشهرة عابرة انه امام موقف يفصل بين الذات والموضوع بوعي جدلي تاريخي نعم من حقه ان ينتمي لفكر ما ، لا ان يكون بوقاً على حساب تاريخية المواقف والاحداث فهو ليس طابوراً يستجدي رضا السلطان ويكون من وعاظ السلاطين ويضع امام قلمه ناقداً يؤسس لنقد ابداعي وليس اتباعي تشغله المواقع والمناصب والمراتب والمهرجانات .
الترويج التسويقي
اما الدكتورة ( فرح غانم صالح ) فإنها ترى بأن للكاتب المبدع على مستوى الشعر والنثر والرواية وكل الفنون الادبية دور كبير في مشاركة القارئ لأعماله وبعدما ظهرت الكثير من الدراسات الادبية الغربية والشرقية بمناداة موت المؤلف نرى كيف أحتل القارئ دورا في إنتاج النص والتفاعل معه ونحن بدونا نقول مع تعدد مستويات القراء والقراءات المبدع الحقيقي هو من جعل النص مؤثرا في نفسية القراء لدرجة توقع الحدث للنصوص الادبية صاحبة النهايات المفتوحة لذلك اليوم ونحن في خضم السوشيال ميديا وعرض المسابقات والجوائز وفوضوية العصر وانفتاح العالم الافتراضي نرصد مدى تنافس الكثير من المبدعين لعرض انجازاتهم الادبية المختلفة في فنونها ومع هذا نرصد هناك من يتخذ من إنجازه دعاية لمصلحته الشخصية ويفكر بالترويج التسويقي لمنجزاته ولا يهتم للقارئ او لمضمون العنونة والركض وراء المسابقات والفوز بملوكية ابداعية مؤقتة وهناك بالمقابل من يفكر كيف ينقش الاثر ونراه يهتم بفعله الانساني ويفضل معايشة الناس همومهم وينقل فكرة عانى منها ويرغب بتقديم حلول لها ويترقب من المتلقي ان يشاطره الرأي ويفرح بتفاصيل استجابته وينسى المبدع مصلحته امام اي فعل انساني همه ترك الاثر واثراء القارئ لنتاج ادبي يحمل افكاراً ومضامينا ويجعل المبدع الحقيقي صاخب النص المؤثر لا يموت في نفس المتلقي وفي خضم القراءات والانشطة والتمدن وما نراه اليوم لدينا من الجمهور الراصد لفعل الكاتب وتمييز اي من الكتاب يظهر من فكره اهتمامه لمصلحته على حساب ما يترك من أثر وهناك من يفضل قضايا وطنه على حساب نفسه فالحكم متروك لنظرية التلقي وتعددية الدراسات واختلاف الاذواق وتأثير الاستبانات وتذوق متعة القراء في استمرارية المعايشة والانتاج في نص الكاتب .
المثقف العضوي
ويرى الناقد ( حيدر الاسدي ) بأن المثقف يجب ان يكون فاعلاً وعضوياً يكترث لمعاناة مجتمعه ومحيطة وليس مثقفاً منضوياً تحت الامراض الاجتماعية المختلفة ومنها الازدواجية فيكون هنا مجرد رقم مجتمعي يندرج ضمن ارقام العقل الجمعي التي تقاد لا تقود فالمثقف هو ناقد اجتماعي ومحرض ايجابي لكل السلوكيات التي من شأنها ان تسهم بالتنمية والثراء المجتمعي والفكري ، ولكن في الآونة الاخيرة للأسف اندمج العديد من المثقفين مع الايدولوجيات التسلطية بحثاً عن الوجاهة والمال وبحثًا عن ( القوة ) التي تمكنه في الوسط الثقافي ذلك لأنه لا يملك القوى الفكرية المؤثرة في الوسط او في الرأي العام لذا يلتجأ لمثل هذه الاوساط ، وبعضهم تحول لمداح او خط دفاع ( لأيدولوجيات مختلفة) بغية مسايرة الفوضى العارمة التي ضربت كل جذور الحياة المعاصرة ومنها بنية الثقافة ومفهوم المثقف. فعلينا ان نمارس دورنا النقدي المستمر لارجاع المثقف لجادة الصواب وعدم انحرافه عن مسار المفهوم الانجع للثقافة ووظيفتها في الحياة.
التقيد والتحجيم
وبينت الدكتورة ( وفاء قحطان ) أصعب ما يمر به المثقف هو تحديده أو تقيده من التعبير عما يختلج في نفسه حيثُ يبقى ناقصاً منجزه بسبب فرض التقيد والتحجيم لما يكتب ، لذا كان المثقف في الماضي أكثر تأثيراً وحضوراً في المجتمع ، فالمثقف يجب عليه عدم الاعتراف بالحدود التي يفرضها بعض المتخصصين ، علما ان الازدواجية تمثل طبع في بعض الشخصية العربية وخير من درس الازدواجية (أبن خلدون) في نظرية الصراع بين الحضارة والبداوة ، وتبعه علي الوردي في ازدواجية الطبع في الشخصية العراقية ، جميع هذه الازدواجيات انسحبت على المثقف مما ادى بالتالي إلى تقيد انجازه .























