شعرية الصمت في الصورة وصخب الكتابة – فخري أمين

كتاب رسائل من الموصل لمحمد الجليلي

شعرية الصمت في الصورة وصخب الكتابة – فخري أمين

قراءة الصورة الفوتوغرافية نوع من تفكير بصري، إنها تثير فينا أحاسيس شتى على صلة بالحنين، والحب، والتذكر، والثورة، والرثاء، والألم. وهي ربما لهذا السبب تنطوي على الكثير والمتجدد من المشاعر والمعاني. أمافي قراءة النص الأدبي ثمة إخضاع الذات لإيعازات النص، ومتخيلاته في أنفسنا، وأصدائه من صور وإحالات. يتقاسم المصورون والأدباء الولع بالصورة الأدبية والفوتوغرافية. الرغبة في التقاط اللحظات، وتسجيلها، تظل يقظة في أعماقهم. هكذا نجد مصورين في اعمال الكتاب، ونجد كتابا في أعمال المصورين، ونجد أيضا مصورين كتابا وكتابا مصورين، هكذا تكون العلاقات بين الكتابة والتصوير متشابكة وكثيرة. هناك صور في الكلمات، وكلمات في الصور. ومنذ عقود كان الكتاب هو الطريقة الناجعة في ترتيب الصور الفوتوغرافية، وتصنيفها تحت عناوين وموضوعات، ترتبط بلحظة، أو مكان، أو ظرف، أو شخصية، أو قضية. ووفق هذا المنظور، قمت بقراءة كتاب رسائل من الموصل، بوصفه محاولة لإنتاج بورتريه عن المدينة في لحظتها الفارقة هذه. وهو مُؤلّف من مجموعة من أعمال فوتو للمصور المبدع محمد عبد الرحمن الجليلي، إلى جانب نصوص ادبية، كتبها الروائي صفوان القطان.

“قناص وحالم..”

يمكن للفوتوغراف أن يؤدي نفس الخدمة التي تؤديها اللغة، من خلال القدرة على نقل فكرة عن مادة بصرية بدرجة عالية من الدقة، إنه يذكرنا بالحدود التي يجب أن تتوقف عندها الكتابة. سيرقى الأدب بنفسه فيما لو ترك مهام معينة لوسائط تعبير وإبداع اخرى يمكن أن تؤديها بشكل أكثر تأثيرا، أن يكرس نفسه لغايات وحده يستطيع إنجازها، لغة تبني وتفسر وتسهب في الشرح والتفصيل والتجريد. الكتابة بناء وعمارة، أما الفوتو فيغلب عليها طابع الكشف، والقنص. الكتابة امتداد مستمر في الزمن، والفوتو اصطياد لحظة. الفوتوغرافي جوّاب آفاق مسلح بالكاميرا، مستطلع، طائف، قناص وبصاص، كاشف أسرار، محب للذة المراقبة، متسكع، يرى العالم  رائعا في سورة لقيات متنوعة، لحظات فوتوغرافية، قنصات سريعة وصريحة. إنه مضطر لالتقاط الصور الفوتوغرافية لتحويل التجربة إلى طريقة في الرؤية. خوض تجربة ما، أو مشاركة في حدث عام،  يغدو بالنسبة إليه مطابقا لالتقاط صورة لها. كل شيء في هذا العالم ينتهي عنده في صورة. أما الكاتب فإنه نوع من حالم، يحتوي العالم في ذاته، متوغلا على الدوام في تجاربه، مبحرا نحو الداخل، عكس المصور تماما، في قارب من كلمات.

صناعة أساطير

في لقطات  مدينة الحضر في الكتاب، كان تركيز المصور على الوحشة والصمت والخلاء، تماثيل مقطوعة الرؤوس، جدران مرمر حفر فيها الزمان خطوطه وألغازه، لكن الكاتب لم يقارب الصور بطريقة مباشرة، لم يقرأها، بل انصرف إلى الحواشي التاريخية لمدينة الحضر، مركزا على موقعها في التاريخ، ساعيا إلى خلق أسطورة جميلة عن طيور غير معروفة تزورها، وتحوم حولها مؤدية رقصات غريبة، مطلقة اصواتا غير مألوفة تنطوي على قدر هائل من الوجع والحنين. يمكن لأسطورة الطيور، أن تشكل قيمة سياحية عالية. أعتقد أن خلق الأساطير جزء مهم من صناعة السياحة. أما في سكون غابات الموصل، حيث يشرخ الزمن شقوقا في الجذوع، مستحيلا إلى أمواه تصعب على ظمأ جذور أشجارها العتيقة، يكتفي المصور بلقطة واحدة، لكن الكاتب العاشق للأساطيرالآشورية يسعى، بطريقة فيها شيء من العسف، لربط اللقطة بأسطورة الطائر انزو، ومقابض سيوف ملوك نينوى. آثار قلعة باشطابيا واحدة من أساطير البقاء، إنها أسطورة حية ما تزال، وذاكرة تاريخ معروف. ربما لهذا السبب حرص المصور في الفوتو على الإشارة إلى استمراريتها بربطها بمنارات جامع النقيب حديث البناء. بيد أن الكاتب لا أعرف كيف مر عليها سريعا، ولماذا..؟ في لقطات منارة الجامع الكبير،  رغم أنها تبدو أيقونية، وعادية لكثرة تداولها، لكن تاريخ المنارة والجامع قابل لتأليف الكثير من الحكايات، تضفي عليها قيمة تاريخية وسياحية تستحقها، لسبب ما لم يستثمر الكاتب هذه الامكانية واكتفى بمعلومات أولية عن تاريخها.

مرثية المدينة القديمة

في صور البيوت الموصلية القديمة، ووحشتها، تحريض على الحنين، إنها أعمال تتصل بالرثاء، وفي الكتاب يبدو الفوتوغراف واحدا من أعظم فنون الرثاء. خصوصا بالمقارنة مع الكتابة، التي سعت في الوصف إلى مجاراة الصور، لكن الكلمات لا يمكنها أن ترقى إلى تأثيرية الصور، إنها تضعنا مباشرة أمام مقولة ثورو: لا يمكنك القول أكثر مما ترى. لا يكتفي المصور برثاء لحظات المجد، في بيوت كبار التجار، بل يذهب أيضا إلى المناطق الفقيرة، حيث زواياها المظلمة، وايامها المكفهرة، إذ يتخذ الرثاء هناك شكل وجع وأنين. ثمة في الكتاب احتفاء بالنسخ الجديدة من خانات الموصل، بعد التعمير إثر دمارها نتيجة سقوط المدينة بيد الإرهاب، أما الخانات القديمة، الحاملة لطراز البناء الإسلامي العثماني، وعطر الآباء والأجداد، فلم يتبق منها سوى خان الكمرك، كنت أتمنى أن يحظى هذا الخان باهتمام اكبر من لدن المصور، للتعويض على الأقل عن نسخ الخانات الأخرى التي اختفت، وغابت إلى الابد.

شاعرية الأشياء

باحثا عن لغة فوتوغرافية معبرة، مقتنصا لحظات من الفن والجمال، سعى المصور بوضوح إلى إيجاد علاقات جديدة بين الأشياء، تحفل بالمعاني والدلالات، إنها تقترب فعلا من الرؤى الفلسفية، وروحية التجريد، والبحث الجمالي المحض في اللحظة. دمية عربة آشورية، على مقربة من زير موصلي. مرآة عتيقة ومغسل. قفل صديء في باب مهجور. غرفة عتيقة خاوية، ونافذة بلا زجاج، وغيرها. في هذه الأعمال أفلح المصور في إنتاج قصائد رائعة عن الأشياء البالية والمهملة، نزعة سريالية لكشف الجمال في موضوعات لا يرى الآخرون فيها أي جمال. في تلك اللقطات استحال المصورإلى شاعر اشياء. هنا ربما يسجل اكبر انتصاراته. إنه يقترب في بعض تلك الصور من أعمال الرائد الفوتوغرافي الموصلي مراد الداغستاني، مقتفيا خطاه في إيجاد جماليات فوتوغرافية، تتلمس روح الشعر في الأشياء، لكن بمفردات جديدة. مفردات تنتمي إلى لحظتنا، وترتبط بمعاناتنا، وهي تختلف لهذه الجهة عن مفردات الداغستاني، ذات النبرة الوعظية أحيانا. أثارت صورة المرآة لدى الكاتب تداعيات وتأملات عميقة. فحاول عبر نص جميل اجتياز الصدأ الذي علاها، نازعا غلاف العتق عنها، متوغلا في ذاكرتها. وفي النهاية تبقى للكلمات حدود، فيما لا حدود للمعاني المتجددة، السائلة من الأشياء، الطائفة حولها، والمنبعثة منها.

تأملات فوتوغرافية

نزهة في عوجات المدينة القديمة، لحظات مرح في فراديسها المفقودة، الجدران المرتفعة للأزقة، ولحظات الأمان واللعب والحبور في ظلالها، عتمات السراديب الشفيفة، والدرج الصاعد إلى النور، قناطر وجسور، سطوح بيوت، بيوت تشبه رسوم الأطفال، قباب ومنارات، طيور ونوارس وعصافير، ورود، اشجار، أبواب خشبية عتيقة، سماوات غائمة، اشخاص ووجوه، هذه بعض المفردات التي وظفها المصور في تأملات فوتوغرافية لذيذة، نماذج من جمال اكثر عتمة مرتبطة بزمن معين، ورؤية تحمل في بعض لحظاتها هواجس صوفية حول كمال العالم أو نقصانه. رؤية متسامية متجهة دائما إلى فوق، ساعية أبدا لمد أجنحتها الخفية، وحملنا معها في تحليق بعيد. إنها وفق تعريف ما نوع من استكشاف بصري مستقل للمدينة، بحثا عن جمال سري مدروس وبنى شعرية جديدة.

فانتازيا الخراب

الصور المشهدية لبانوراما الهدم والمحو والدمار في المدينة، من الجسر الحديدي العتيق، حتى المستشفى الجمهوري، حيث سُوّت البيوت أرضا، تزحف عليها الآليات الحربية، واستحالت السراديب وملاذات السكان والمخابيء مقابر جماعية، تنطوي على أعنف مشاعر الروع، وأبشع لحظات الهلع. إنها ليست صور لآثار، أو أطلال تعود إلى أزمنة بعيدة، يبحث المصور فيها عن الجمال، من أجل التأمل أو التعمق في السمة التاريخية لمنظر ما. هي واحدة من أفظع ملاحم عصرنا، وأقسى مظاهر التوحش والإنحطاط البشريين، وعلامة على المديات المريعة التي يمكن أن تصل إليها الكراهية. الصورة هنا أكبر من أية حكاية. إنها شهادة إعدام مدينة كاملة، ووثيقة إدانة لأبشع جرائم العصر. هل من المنطقي الحديث عن جمال ما فيها..؟ هنا يكمن واحد من أسرار الفوتو، الرؤية الفوتوغرافية تُنشيء إقصاء للواقع أكثر مما تُحدث أتحاد معه، الصور توثق معاناة يمكن أن تصاعد النقمة فينا، لكنها قادرة في الوقت نفسه، على تحييد مشاعرنا. إنها تنقلنا بسرعة من لحظة الألم المبرح، إلى لحظة الحياد والإنفصال، كما لو أننا على مسافة بعيدة، ننظر إليها في ألبوم أو متحف.

لحظتان

الحديث في الكتاب عن جمال الخراب، قد ينتج نوعا من سوء فهم. في لحظة اليأس، إذ يموت كل شيء، ويستسلم العالم إلى إرادة الشر والقتل والتدمير، ليس بوسع اي مصور الإشارة إلى جمال ما، أو إيجاده. كل شيء في تلك اللحظة يبدو معتما، ومريعا. قبيحا، منبوذا، ومنفرا. في لحظة الأمل يتغير الموقف، فيبدو حتى في الخراب من وجهة نظر المصور أو الكاتب نوعا من سحر وجمال. والكتاب يسجل تلك اللحظة، لحظة الأمل، إنه يعكس مزاجا تاريخيا متفائلا، يمكن تلمسه في لقطات إعادة الإعمار: تلميذة في طريقها إلى المدرسة، أطفال يمرحون حول سبورة في صف مدرسي، إرادة وتصميم رجل يزيح أنقاض بيته، ومعظم صور الكتاب تشتغل على ذات المعنى. إنها فرصة لتجديد كل شيء، وإعادة الإعمار على نحو أحفل بالروعة والجمال.

نصان

في الكتاب نصان، نص كتابي ونص بصري، حينما تنزع الكتابة إلى تأويل النص البصري، يحدث شكل من القمع لصوت الصورة، نتيجة علو صوت الكتابة، وصخبها، على الهمس الشعري العميق لخطاب الصورة القريب من الصمت. هذا الهمس هو ما يؤلف جاذبية الصورة، واستفزازيتها. إن محاولة وضعها في إطار محدد من المعاني، كما يحدث في الصحافة الخبرية، أو في بعض المجلات المصورة، هي الحافلة بلا متناه من المعاني المتجددة، يمثل إساءة كبيرة إليها، بلادة رؤية وجمود فكر، وقتل لكل قراءة أخرى قادمة، حتى التسمية أو العنونة يمكن أن تسيء إلى النص البصري. تتمشى الكتابة في الكتاب على الأغلب إلى جانب الصورة، تدور حولها، تصنع حواشي لها، وتضيف إليها معلومات، تنثر حولها القصائد، والعطور، وتضيء لها الطريق للوصول لكنها لا تفرض عليها أي إشارة، أو اتجاه، أو غرض، أو تأويل. هذه المزية أسجلها هنا للكاتب الروائي الشاب صفوان القطان. يؤشر صدور هذا الكتاب توجه مختلف عن مألوف الإصدارات عندنا، تجربة اشتباك وتلاحم بين الصورة والكلمة، تتوفر على الجمال واللذة والإثارة والنجوى والعمق.