
شخصية بحجم الوطن – عبد العظيم محمد
في اروقة الثقافة والفن وكواليس المسرح تبرز احيانا شخصيات لا تكتفي بالابداع الفني فحسب، بل تمتلك رؤية القيادة التي تحول الرماد الى وهج وهذه القامات لم تشغل المنصب لمجرد الواجهة، بل جعلت من (الكرسي) منصة لخدمة الانسان قبل المؤسسة، نتحدث اليوم عن شخصية اكاديمية فذة، استطاعت بذكاء القائد وتواضع العالم ان تجمع بين ادارة الدائرة الرسمية (كمدير عام) وقيادة البيت الفني (كنقيب للفنانين) محققة معادلة صعبة في زمن التحديات.. انه تأريخ من العطاء ونزاهة لا تساوم.. قامة اكاديمية وفنية استثنائية، لم تكن مجرد اسم عابر، بل كانت مشروعا نهضويا بحد ذاته، استطاع في زمن قياسي ان ينتشل الفنان العراقي من عزلته، ويعيد لبيته (المؤسسة الفنية الثقافية) هيبتها المفقودة انه مدير عام دائرة السينما والمسرح ونقيب الفنانين العراقين جبار جودي الذي أجاد ادارة فن الأزمات لطالما كان التحدي الأكبر الذي يواجه المؤسسات الفنية هو الفجوة بين التنظير الأكاديمي والواقع العلمي، لكن استطاع الدكتور جودي ببراعة (المايسترو) ان يدمج بين الرصانة الأكاديمية ومرونة القائد الميداني.. لقد عمل جادا على اعادة الروح الى مفاصل العمل الفني، مؤمنا بان الفنان ليس مجرد موظف، بل هو ثروة وطنية تحتاج إلى رعاية واحتواء.. لقد اعاد الروح لبيت الفنان العراقي بعد سنوات من المعاناة والتهميش، إذ شهد هذا البيت ثورة بيضاء لم تكن مجرد ترميم للجدران، بل كانت ترميما للنفوس بجهود حثيثة، استطاع هذا القائد ان يجعل من المؤسسة ملاذا للمبدعين فاتحا الأبواب امام الطاقات الشابة لتعمل جنبا الى جنب مع الرواد ، مما خلق حالة من التلاحم الفني التي افتقدناه طويلا.. هدفه ان يجعل العراق فاعلا قويا من المحلية الى العربية والعالمية.. فلم تتوقف الطموحات عند حدود الداخل على الرغم من شح الامكانيات وقلة الدعم المالي استطاع بذكائه الدبلوماسي وعلاقاته الرصينة ان يضع العراق في مكانه الطبيعي كلاعب اساسي في المحافل العربية والدولية.. بفضله عاد العلم العراقي ليرفرف في المهرجانات الكبرى ، لا كضيف شرف ، بل كمنافس قوي وحاصد للجوائز، مما رفع سمعة العراق الثقافية والفنية عاليا وأثبت ان الابداع العراقي (عنقاء) لا تموت.. ان القيمة الحقيقية التي حققها الدكتور جبار تكمن في (صناعة المستحيل).. ففي الوقت الذي تعذر فيه الكثيرون بنقص الميزانيات كان هو يجترح الحلول ويستثمر الانسان ويحول القليل من الموارد الى منجزات ضخمة شهد لها القاصي والداني.. ان قصة الدكتور جبار هي قصة نجاح تدرس في كيفية تحويل التحديات الى فرص مثمرة.. ان الحديث عن هذه القامة الأكاديمية والقيادية هو الحديث عن الفن العراقي ذاته، لقد اثبتت الايام والتجارب ان القيادة ليست (منصبا)، بل هي تأثير وتغيير، وما رأيناه من نهضة فنية وثقافة واضحة للعيان، هو ثمرة إخلاص وعلم وعمل دؤوب لا يعرف الكلل.. والحقيقة نقول.. لم يكن المشوار الكبير للاكاديمي جبار جودي مجرد شهادات تعلق على الجدران، بل كان منهجا علميا طبقه في إدارته.. اذ اتسمت مسيرته ب النزاهة المطلقة ونظافة اليد وهي العملة النادرة التي جعلته يحظى بثقة القاعدة الجماهيري العريقة من المثقفين والفنانين..
هو القائد الذي لم يغلق بابه يوما ، ولم يضع حواجز بينه وبين طموحات الشباب او خبرة الكبار ان انسانيته تتجاوز الواجب الوظيفي .. وللانصاف نقول ان ما يميز هذا المدير العام والنقيب الاكاديمي هو قلبه الذي ينبض مع كل فنان ، لم يكتف بالتنظير خلف المكاتب ، بل نراه دائما في الطليعة يتفقد المريض في مشفاه او داره ويقف مع المحتاج في ضائقته ، ويمسح دمعة المبدع الذي عضه الأهمال .. هذه الأبوية الحانية حولت النقابة ودائرة السينما والمسرح في عهده من مكان روتيني الى ( عائلة كبرى ) يشعر فيها الجميع بالأمان والانصاف .. وأمام هذا السرد الواقعي لهذه القامة الكبيرة الا يحق لنا ان نطرح الدكتور جبار جودي ( وزيرا للثقافة والسياحة والآثار ) لما يتمتع به من مؤهلات لم نجدها في جميع من استوزر هذه الوزارة .. والسؤال الذي ربما يطرح ، لماذا وزارة الثقافة ؟ ولماذا الأن ؟ والإجابة على هذه التساؤلات نقول ؛ لقد عانت وزارة الثقافة طيلة سنوات طويلة منذ سقوط النظام وحتى الان من التهميش وفقدان الهوية ، وبقيت تراوح مكانها بعيدة عن التأثير الحقيقي .. نعم لقد غاب عنها الوزير الذي يمتلك الرؤية والقدرة على ( الأنتشال ) ، من حالة الركود والضياع حتى لم تعد تذكر بفضل غيابها عن المشهد الثقافي والفني وهي دعوة لرئيس الوزراء المكلف علي الزيدي ان يطرح استفتاء داخل الوسط الثقافي والفني عن وزارة الثقافة وما قدمته طيلة 23 عاما سيجد انها محسوبة ضمن الكابينة الوزارية ولكن بلا فعل ولا جدوى والاجدر ان تلغى من خارطة الكابينة المقبلة اذا لم يكلف شخصية متخصصة نزيهة لقيادة الوزارة واشدد على ( النزيه ) لان ما حصل في هذه الوزارة من كوارث موثقة في سجلات النزاهة فهي لا تعد ولا تحصى وأن القادم سيعيد لنا مأساة مذلة بعد ان فقدت الوزارة هويتها .. وبناء على ما قدمه القائد الدكتور جبار جودي من جهود جبارة في ضبط الإيقاع الثقافي والفني وصون كرامة المبدعين ، نجد فيه الخيار الأمثل والأستحقاق الطبيعي لقيادة وزارة الثقافة في المرحلة المقبلة .. نعم اننا بحاجة الى شخصية اكاديمية ليست ( شكلا ) بل تمتلك الأدوات العلمية للتطوير .. وان الجميع يؤكد على ان الدكتور جودي قادر على ترتيب البيت الثقافي من الداخل لانه يعي وجع المنتسبين ويعمل على انصافهم .. واخيرا نقول على المعنيين في الاطار التنسيقي والمكلف الجديد لرئاسة الوزراء ان يعلنوا الوفاء لهذه الشخصية المشرفة ليس بمجرد كلمات اشادة ، بل بوضعها في المكان المناسب الذي يستحقه لتنقذ ما يمكن انقاذه .. لقد ان الأوان لوزارة الثقافة والسياحة والآثار ان تخلع ثوب الأهمال وترتدي ثوب الأنجاز تحت قيادة شابة اثبت بالدليل القاطع انه رجل المهام الصعبة وصديق المثقفين والفنانين وحامي حمى الابداع .. شكرا للدكتور جبار جودي الذي اعاد للجمال العراقي صوته ، وللفنان كرامته ، وللعراق هيبته في عيون العالم بعد ان ترك بصمة فارقة في المشهد الثقافي والفني .. اللهم بلغت اللهم فاشهد.



















