شخصيات قلقة في نواح الآلهة

شخصيات قلقة في نواح الآلهة

محمد إسماعيل

ورد العراق صريحاً، ضمن التورية الدرامية التي مارستها القاصة عالية طالب، في قصة “معك” الحادية عشرة من بين نصوص مجموعتها “نواح الآلهة” الصادرة عن دار الشمس للنشر والإعلام في القاهرة 2023 متضمنة إثنتي عشرة قصة.

فالخطف مشفوعاً بطلب فدية، والقتل المجاني الأهوج، وضجيج الإيديولوجيات المتناحرة إنطلاقاً قضايا لا تستحق الإتفاق، هو العراق الخائب بالسلطة الجديدة والنادم على سقوط القديمة التي لا يتمنى أن تعود بعسكريتها الفظيعة، التي تمسخ شباب الرجل وتفض إنوثة المرأة.

شخصيات المجموعة دائرية، تبدأ من الذات الراوية أحياناً والموصوفة في أحيان، والمختلطة بإنفعالات الحدث أو متأملة لهوج أبطاله من بعيد، في غالب القصص.

تبدأ القصة الأولى “ظلال إمرأة” بخطاب مطلق، من شخص دائري.. يعود الى نفسه كلما إنفلت من شرنقة الأحداث، مهووساً بالتحدث مع الوهم.. ساكباً عبقرية فطرية في الهباء، بالتكلم الى نفسه.. حاجباً صوته عن مسامعه هو؛ كي لا يعرف ذاته:

“- لم تسمعنِ.. أعرف ذلك، لكنني أشعر بالراحة وأنا أتخيلك تعرف ما أفكر به.

ينهار:

–           في صوتك شيء لا أحتمله.. أكبر من قوتي”.

إذن هي مكابرة من إمرأة:

“- لا تداوي نشيجي”

نوع مبدع من إجتراح الغرائبية، إستبدلت به:

–           لا تواسي نشيجي

مثلاً.

عادة لا يرافق الإستعطاف نهي! إنما رجاء، لكن عالية شاكست المألوف بسلطان جاذب للتلقي مشوق للقارئ.

“ظلال إمرأة” أقدم من الكلاسيكية المتهرئة، جددته القاصة طالب، باعثة فيه رمق نبض آفل، من خلال المناجاة، التي تعد لازمة في القصة العراقية، منذ سذاجة التأسيس مروراً بوجودية الستينيات وشيوعية السبعينيات الناضجة فنياً، وسريالية الثمانينيات التي تبنت واقعية ماركيز السحرية، ثم إنفلت بعير المراءاة من عقال الفن.. مجانياً.. كل من شاء أن يكون قاصاً كان بالقوة وليس بالفعل! حتى يومنا هذا 9 تموز 2023.

سردت القاصة عالية طالب، في مجموعتها القصصية “نواح الآلهة” حباً غابراً وهجراً حاضراً في مخاطبة الغائب! بإستحضار ماض لا جدوى منه، مؤسسة على اللا جدوى، في قصة “ظلال إمرأة” ليتسكع القارئ معها منطلقاً بين رحاب فضاءات قصة “مساحة بلا ضوء” والصحيح “من دون ضوء”.

القصة ترصد الشارع المكتظ بالموت العراقي، موت ذو مقاسات عراقية صرف، خاصة بدولة.. ذات حكومة وشعب، في ميل دائم لإيقاف المراكب السائرة، وعطبها؛ كي لا تسير بعد ئذ، فالعراقي جبل على البحث عن فرصة للتعطيل…كان قصاصو الستينيات، يسيرون على الأقدام، أو يرتقون باص نقل الركاب؛ يدون رؤى يبعثون في طينها رفيف حياة تؤنسها! أما الآن فالقاص يقود سيارة فارهة عجز الستينيون عن إمتلاكها، ولم يعد يعرف كيف تكتب القصص!لكنه قاص بالقوة وليس بالفعل! وهذا بعد نفسي ترجمته عالية في قصة “صوت الجدار” الذي تلاحقت فيه أفعال متمنطقة بمبررات الجنون.ثمة سرد شعري في قصة “أجراس ثيابي”:

“أحمل صوت أمي” تحمله بالحق المسفوح.. تحب رنين نغماته الحنون، وتتلذذ بمخالفة توجيهاتها.. مانعة المسموح وسامحة بالممنوع، في لغة سرد متدفقة، شابتها هنات بلاغية، مثل: “التواجد في زمن لم يعد أحد منهم فيه” ضمن قصة “الليالي”.عوداً على بدء، قصة “معك” على الصفحة 119 تلخص العراق وما يعانيه من آفة العسكرة التي جوعت الشعب منهاراً، ولم تحقق للطاغية زعامة يتوهم إستيفائها برشوة الشعوب العربية الفقيرة وإخافة الشعوب الغنية! وبالتالي لا خافه الغني ولا آزره الفقير، إنما ترك العراقيين يواجهون الإحتلال، متوارياً في زاغور على مشارف مسقط رأسه.تشظت المناطق التي وزع الخاطفون ثياب “نسيم” بينها؛ كي يتشتت العراق، لينشج القارئ بكاءً مع أمه التي لم تدخل البيت منذ فقد “نسيم” والجيران يطعمونها قسراً، وزوجته تركت إبنها عند ما لا تعرف:

“يفلان عدمن ودعتني”

وهذا هو واقع 9 نيسان 2003 ما زال يتناسل ضيماً يتجرعه العراقيون.. غصة غصة!

والعنوان “معك” هش، مثل “ظلال إمرأة”.