
شارع باتا لزيد الشهيد
رواية بصيغة سيرة
نجاح هادي كبة
اتخذ الروائي زيد الشهيد من شارع مدينته السماوة حيزاً تأريخياً ومعرفياً ووجدانياً ليتمدد منه طبولوجيا ليعكس التاريخ الاجتماعي لبلده العراق وماتخلله من أفراح وأمال وأحزان وأشجان والرواية صادرة عن دار أمل الجديدة في سوريا العام 2017 . بحدود (238) صفحة من القطع المتوسط، وقد قسّم الروائي فصول الرواية بشكل غير طويل على أرقام، ماسّهل على القارئ متابعة سرده ورواية شارع باتا تكون متوالية سردية مع روايتيه السابقتين ( أفراس الأعوام ) و ( تراجيديا مدينة ) إذ وضح التاريخ الاجتماعي لمدينة السماوة في هذه الروايات الثلاث، ولابد من الاشارة الى آن الرواية التاريخية تحافظ على أخبار الماضي وتساعد السارد على التنظيم وتعرض أحداث الماضي كما هي سواء أكانت مؤلمة أو رائقة ودور السارد تقييد الواقع المعروض وبعث الحياة من جديد بخيال من الواقع أو من عنديات الروائي باسلوب يكسب المتلقي العاطفة ويمنحه الحيوية في نقل الخبرة لكن الصعوبة التي يواجهها السارد ان التاريخ يحمل أشياء مؤلمة كما ان الرواية التأريخية تشير الى النهاية المفتوحة، ورواية شارع باتا هي سيناريو طويل لمونتاج صائب هو التاريخ الاجتماعي لبلدته السماوة ومن ثم للعراق إذ جاءت الرواية على شكل لقطات سينمية Flash Dack وحدّها السارد بوحدة موضوعية ابتدأ بالماضي التاريخي العثماني فالملكي حتى عقد الستينات وتطرق الى الرفاه الاجتماعي للعراقيين في عقد السبعينات ثم توالي النكبات على أبناء شعبه في الثمانينات فالحصار الجائر في التسعينات وتبقى نهاية الرواية مفتوحة حتى اليوم، ان رواية شارع باتا هي سيرة ذاتية وغيرية جاءت على شكل سرد روائي عبرت عن حقائق مدركة وصوّرت التاريخ بشكل أقرب للواقع وبخيال شفيف، فهي من جنس الروايات الواقعية الاجتماعية ويتخلل الرواية صوت السارد كراوٍ عليم آو ضمني بوصفه مترجما لرواية مطابقة لأحداث وطنه والسارد يربط التاريخ بعضه ببعض الماضي البعيد والقريب فالحاضر فعلى هدير الطائرة الحربية
( نهض سّجاد منشد من مكانه في المقهى الذي افتتح حديثاً حيث اعتاد الجلوس في التخت الأمامي بعدما أحيل على التقاعد شرطيا خدم الدولة العراقية أربعين عاماً ووجد في المقهى والحديث مع أي زبون يجلس الى جواره مشواراً لصرف الوقت يحدثه عن الحرب العالمية الثانية ورومل ثعلب الصحراء … ويستمر في حديثه ليربطه بخبر ولده باقر الذي نشرت صحيفة اللوموند الفرنسية لقاء معه يحكي عن بطولاته بوصفه سباحاً ماهرا حقق لفرنسا جائزة عبور بحر المانش من بين خمسين متنافساً ) ص:1 لقد حقق الروائي بهذا المقطع من الرواية الأساس الذي يبني عليه أجزاء روايته وهو الهجرة خارج الوطن فالتاريخ يعيد نفسه فأحاديث اليوم هي أحاديث الماضي نفسها نقل أخبار عن المهاجرين من دون فعل واستعادة تاريخ الماضي على لسان الشرطي المتقاعد الذي جعل الحياة تعيش في خارج الوطن وجعل السارد الشرطي حكاء من دون أي واجب وطني أما الاديب على لسان السارد فهو منصرف لبعث الرسائل تلو الرسائل للمهاجرين واستلام اجوبتها ) أمس بعثت رسالة الكترونية الى هاشم اعلمه بألم ضرسي معزيا له سبب تأخر الترجمة ولم تمر ساعات حتى وجدت الرد مجموعة كلمات قاسية : حمزة سأزعل عليك هذه المرة ان لم أقرأ فصلا مترجما من الرواية منشورا في صحيفة الصباح أو الزمان أو المدى أو صحيفة عربية تعتد بها … يارجل اين حماسك الكبير في ترجماتك الكثيرة ؟ ! … هل اثرت فيك عيون الحاسدين ) ص:17? ثم يعود السارد ليؤكد مشكلة الهجرة عن الوطن ( مع قراءة كل رسالة يبعثها فارس رشيد يروح العم في المجالس واللقاءات يتحدث ويزهو عن جهود ابن اخيه … فيقرأ أسطراً منها، مقرونة بالوسائل التي تيسرها الجامعات للطلبة ) ص:21 هذا الاسلوب المقنع بالسخرية والعاطل عن الفعل هو ديدن آولياء أمور المهاجرين وحتى المصاب بمرض الحنين الى الوطن ( الهومسكنس ) أصبح سّبة في المجتمع مع ان الموت لم يكن قاب قوسين أو أدني بل وقع فعلا ومات الكثير من اولياء امور المهاجرين حتف أنفهم ( واذ عدت بغية معرفة مايجري أطلعتني النافذة المشرعة بصمت أبي هاشم الى الآبد مثلما اطلعتني كفّ أم هاشم المرتعشة وهي تطبق أجفانه فتغلق عينيه ) ص:25 وزاد جرح هاشم أكثر ( بعد أشهر من وفاة أبيه وألمه أيضاً هو مشاهدته شهلاء التي كتب لها رسائل الحب ووعدها ان يكون زوجاً وفيّا تدخل بيت شاهين وتقضي له يوم واجهها بالدليل )
ص:25 ويصب السارد اللوم على فضاء الديمقراطية الذي أتيح للعراقيين بعد التغيير وينساب ذلك بأسلوب القطع وتحطيم الشكل، فشاهين ( الذي هو الأن في فضاء الديمقراطية المنفتح تاجر يرتقي رصيده الى المليار وله الفضل في جعل الحشيشة تباع كما تباع السجائر يحصل عليها الشباب الذين باتوا مدمنين بيسر ) ص:26 والسارد أفاد بل نهل كثيراً من محاسن ومساوئ الهجرة للخارج في تسرب المواطنين وسلّط كامرته على الواقع المؤلم داخل وطنه وعلى الواقع المؤلم خارج وطنه ايضاً فكثير من المهاجرين تزوجوا بأجنبيات كبيرات في السن لاجل الحصول على الجنسية والاقامة وفي وطنه ( التساؤل الأخير دخل مسمع الرجل المشتكي فانفجر صارخاً من بين الشرطيين المرافق لهما : لا هذا ليس ولدها، هذا ابني منذ خمس سنوات وأنا ابحث عنه، عشقته فاغوته فهربت به الى هنا ) ص:34? أما حال المؤرخين في الرواية ومنذ العام 1961 فيمثلهم ناطور المكي فهو منهمك بتسجيل ( وفيات أهل السماوة ) في دفتره الأثير ولم يتعد عمله سوى أنه استلم كارتا من رجل سيفتح معرضا للسيارات في السماوة وانه اتصل بالسارد كمترجم بعد أن شاع صيته بالفضائيات وأخبر السارد ( ان لديه كراساً رديفاً لكراس تاريخ الوفيات سيطلعني على فحواه يوماً… كراس يضم شروحاً تفصيلية لأحداث جرت في المدينة فاحدثت انعطافات مهمة ولشخوص ارتكبوا أفعالا شغلت حيزا في ذاكرة الناس ) ص:42 اما حال المثقفين فقد مثلهم في الرواية جوادين بالعبث والتمرد على طريقة فلسفة سارتر وكامووكافكا وجنيت وغيرهم/ ص:73 ( تمثل لي جوادين بما كتب من بوح فيلسوف يحاور الواقع ويتساجل مع حيثياته … بدا متشائما كتشاؤم تيار العبث الذي ظهر خلال مجريات الحرب العالمية الثانية وأطرها، فكان سارتر وكامو ويونسكو وبيكيت كل ينطلق من اسطورة حكاية تكرس لديه فكرة اللاجدوى؛ تلك التي تندر بها هاشم يوم كنا ندخل ميدان الشباب ونقرأ عن أدباء وفنانين اتخذوا مسلك العبث احتجاجاً على الواقع ورفضه … فراح يريني اسكجات من رسوم أجراها على الورق معبرة عن سوداوية واحباط ورغبة جامحة في التغيير ) ص:73 أما حال العسكر والجنود فمثلهم في الرواية فالح عواد ( كان فالح عواد مثلما أفعل، يدمن رسم خطوط عمودية على ورقة يلصقها على الجدار المحاذي لسرير نومه وكان كلما أسرّلي ضجرا من وجوده في غير محلّه، ما ان يستيقظ صباحا حتى شطب بقلم ارتياحه خطاً، محتسباً يوما قد انصرف ) ص:79? وكسر السارد كل هذا التشاؤم بما حدث في السبعينات من رفاه اجتماعي واقتصادي وسياسي وثقافي وعكس ذلك بسفرات العوائل خارج مساكنهم الى المزارع حيث الجو الفسيح وتعمق حال الاديب وتوسعت مداركه/ ص:87 ولابد من الاشارة الى أن مركز الرواية يدور حول الهجرة خارج الوطن فهو يعدد محاسن ذلك ( المرأة عندهم عاملة، لها حق المساواة مع الرجل … المرآة عندهم كبرياء وكرامة لاعورة وعار … الحياة ثمنها في ما ينتج الانسان لا في ما يذل وينتهك … يتأسى على حياة أخوته وأخواته الرتيبة بينما هناك الأندية والملتقيات التجوال الحر والسفرات يحزن على أمه وأبيه الذين لايجد مايخدمهما ويقلل من ثقل شيخوختهما فيما هنالك دور للمسنين وأندية وفرت لها الحياة كل ما يجمل الحياة للشيوخ ) ص:128 وعلى الضد من ذلك يجد المواطن داخل بلده الجنس المحرم وزواج القاصرات والحنف باليمين والارهاب ومضاربات السوق والدولار… وكانت نهاية الرواية مفتوحة، اذ غرق جوادين ذلك الشاب الذي رأى في العبث طريقا للخلاص غرق في اثناء الهجرة بالبحر ولم يكن لدى السارد عنه سوى ( الاوراق السبعة تحمل عنوان (نائما أسير بلاهوى)… أقرأ تأثير بودلير وهو يسأم من باريس المدينة التي تراها العين الاخرى أيقونة للجمال، ولافتتة للفتنة والسحر ) ص:217 ويسرد الروائي علاقته بجوادين ( ثم هناك ثلاثة اوراق لنص بعنوان بدا لي غريبا ) ص:218 مما جاء فيه :
أمكنة أتزوجها أمّا
المقاهي
كتابي الذي أقرأ فيه مرائي الوجوه
أهات الحالمين بغد بعيد
يراوغهم ويموت
أقرأها كتابا يأتي بالحكايات
لاهثة تحيى على السنة القوم
وسرف الحرمان
…………….. الخ
ويضيف الروائي بوصفه الراوي العليم : ( وترسم مخيلتي جوادين بقميصه الأخضر الذي يشبه أعشاب البحر وبنطلونه الجينز وحذاء الترينشوز يستلقي بظهره على سطح البحر الذي هدأ من جنونه وعربدته يستلقي مفتوح العينين وقد استقرت في حدقيتهما زرقة السماء وبؤرنور كانت تفرد ذراعين ملائكيين لاحتضانه آه … لقد مات جوادين ) ص:227 لكن هل انتهت الهجرة قال السارد بوصفه الراوي العليم ( أبي … أفكر بالحيرة مع المهاجرين … هم ليسوا بأفضل مني. وبعد ساعة؛ ساعة لاغير دق جرس الباب من جديد … اسمع صوت ولدي الاكبر حارث يدخل يلقي التحية على أمه ويسأل عنّى … واسمعه يكلمها قائلاً ” امي انني افكّر بالى …” ص:238 .

















