سرديات التراث المعماري العراقي تحلّق في باريس خلال ندوة متخصّصة

سرديات التراث المعماري العراقي تحلّق في باريس خلال ندوة متخصّصة

باريس – فراح شوقي

سرديات التراث المعماري والحضري  العراقي،وآليات حمايته ،كانت محاور ندوة بحثية ونقاشية رعتها  مؤخرا منظمة «إرث العراق» في العاصمة الفرنسية باريس  ،بحضور نخب أكاديمية وعلميّة متخصصة  في مجالات العمارة والتخطيط الحضري.الدكتور الشاب شاذل نواف طاقة،رئيس المنظمة قال: نسعى لفتح نقاش معمّق حول التراث المعماري والحضري في العراق، بوصفه محورًا جامعًا لمختلف المداخلات،  وكذلك تبادل الخبرات بين الباحثين والمهتمين بالشأن العمراني، وهي كذلك  محاولة بسيطة للاسهام في إعادة التفكير في مستقبل التراث المعماري في البلد  و دراسة التحولات التي شهدتها المدن العراقية من خلال مقاربات متعددة تشمل الأبعاد القانونية والتاريخية والعمرانية والمعاصرة. واكد طاقة،  الحاجة الى  إبراز كيفية تعريف التراث في العراق، وآليات حمايته، وأشكال تحوّله، إضافة إلى ديناميات إعادة الإعمار والتثمين في السياق الراهن، وكذلك مناقشة ادوار الجهات الفاعلة في حفظ التراث بما فيها المبادرات الفردية في عمليات الترميم والتثمين.

الجلسة الافتتاحية الاولى كانت بإدارة الفنان د. تراث جميل وضياء الخليل و الباحثة العراقية ريتا خلف التي ركزت في بحثها المقدم عن مدينة الموصل : تقييم الحالة الراهنة للارث» المعماري والحضري، والمستمد من بحث دكتوراه قيد الإنجاز لجامعة Paris cité – تطور المركز التاريخي لمدينة الموصل، الذي اتسم بإهمال طويل الأمد وبالتباس في فهم مفاهيم التراث والآثار والموقع التاريخي، وهو ما تفاقم بسبب ضعف استيعاب التشريعات المتعلقة بحماية التراث.

عائلات محلية

واشارت إلى ان التوسع العمراني الحديث ادى إلى تدمير جزئي للنسيج العمراني القديم وإلى نزوح العائلات المحلية، مما ساهم في زيادة تهميش المدينة القديمة وفقدانها لقيمتها الاجتماعية والعمرانية. وقد ازدادت الأوضاع سوءاً مع احتلال تنظيم داعش للمدينة عام 2014، حيث دمر العديد من المواقع الاثارية والتراثية، تلت ذلك معارك التحرير وحملات إزالة الأنقاض التي أدت إلى تسوية أحياء تاريخية بالأرض.

ورغم إعادة بناء عدد من المعالم الدينية والمنازل التراثية، لا تزال أحياء كثيرة مدمرة بسبب غياب مخطط شامل ونقص الكفاءات المتخصصة في مجال الترميم. كما يتدخل الفاعلون في عملية إعادة الإعمار — من منظمات دولية، جمعيات محلية، سكان والجهات العامة — وفق منطق وأولويات مختلفة، غالبا دون تنسيق فعال أو احترام كافٍ لقيمة التراث العمراني القديم. وينهي العرض بالتأكيد على ضرورة اعتبار مختلف أشكال الموروث العمراني، القديم والحديث، جزءاً لا يتجزأ من الهوية الجماعية المشتركة، مع الدعوة إلى تفكير جماعي حول سبل صونه والمحافظة عليه ونقله إلى الأجيال القادمة.»

اما الدكتور تراث جميل فقدم  بحثه صورة مختصرة عن الوضع الحالي للإرث المعماري والحضري لمدينة النجف وما الت اليه المدينة القديمة من تدهور وتدمير واهمال منذ بداية القرن العشرين الى الان.

والبحث هو جزء من رسالة دكتوراه قدمت سنة 2020 تحت اشراف البروفسور الستر نورثدج في جامعة السوربون باريس 1.

ويستعرض البحث مراحل تطور المدينة منذ تأسيسها في القرن التاسع الميلادي منذ ان تم الكشف عن موقع قبر الامام علي مما أدى الى بدء انتقال السكن حول القبر محبة بالأمام وتبركا. ومع الزمن أصبحت المدينة قبلة لزائري الامام وأحدي اهم المدن الدينية الإسلامية بعد مكة  والمدينة والقدس.

ولفت جميل انه من المؤسف ان تتعرض المدينة منذ خمسينات القرن الماضي الى خسارات متراكمة لهذا الإرث نتيجة المشاريع الحضرية  الجائرة و اهمال صيانة  المباني  مما أدى  الى فقدان الكثير منها .

اما الجلسة الثانية للندوة والتي تولت ادارتها   سيسيليا بيري ، وهي باحثة فرنسية متخصصة في العمارة العراقية  والتراث الحضري وتعمل كـ باحثة مشاركة (Chercheuse associée) في Institut Français du Proche-Orient (المعهد الفرنسي للشرق الأدنى ) ،  يُبرز عملها الطابع المركّب للعمارة العراقية في القرن العشرين، إذ تغذّت في آنٍ واحد من رواسب بلاد ما بين النهرين ومن التراث الإسلامي ، كما امتزجت بتأثيرات إقليمية تمتد من البلقان إلى فارس، ثم بنماذج أوروبية.

ومن خلال سعيها إلى تفكيك الخطابات التي أنتجها الأجانب وكذلك العراقيون حول العراق، استطاعت أن تُبيّن كيف تُوجَّه عملية إنتاج المعرفة وتُؤدلَج بحسب الحِقَب. وبعملها على التطوّر الشكلي

عمر المباني

والسوسيولوجي والأنثروبولوجي للإطار المعماري والعمراني بين أواخر العهد العثماني والعصر الحديث،وناقشت سيسيليا في حوار مع شاذل نواف طاقة مواضيع عدة شملت تعريف التراث في العراق والإطار القانوني والمعايير المعتمدة لتصنيف التراث، بما في ذلك الإشكالية المرتبطة بعمر المباني، حيث يمكن — وفقًا لبعض التفسيرات القانونية — اعتبار مبانٍ يقل عمرها عن 200 عام ضمن التراث، رغم الحاجة إلى توضيح أدق لهذه المعايير.

وخلال الجلسة اكد طاقة أن التراث الحضري للمدن يعني التركيز على بنية المدن العراقية التقليدية، التي تميّزت تاريخيًا بشبكات من الأزقة الضيقة وتنظيم حضري ملائم للمشاة، وكيف اثرت التحولات المعاصرة  على الهوية .

المداخلات التي اثيرت في الندوة صاحبها عرض بصري يوضح التحولات العمرانية والمعمارية. ودراسة حالة مدينة الموصل ومشاريع إعادة التأهيل منذ عام 2008. وخصوصا  مدينة النجف الأشرف ،من خلال تحليل تطورها الحضري، واستعراض أهمية معالمها التاريخية، والتحديات الناتجة عن تدمير التراث، إضافة إلى دور العائلات التاريخية في حفظ الذاكرة. اجواء الندوة اتسمت بالروح العراقية التي شملت كذلك تقديم بعض أصناف الطعام العراقي بنكهاته المميزة  – الهيل والورد والتمر والكعك والشاي  في الصدارة – بالإضافة إلى مأكولات عراقية شهية اخرى.

وتعد  مؤسسة “إرث ” (Erth) في باريس واحدة من المبادرات الثقافية العراقية البارزة في المهجر، وقد أسسها الباحث والأكاديمي شاذل نواف طاقة بهدف صون التراث الثقافي العراقي وتعزيزه على المستوى الدولي. تعمل المؤسسة على إبراز الهوية الحضارية للعراق من خلال تنظيم الندوات والفعاليات الفكرية والفنية، إضافةً إلى دعم المبدعين العراقيين وربطهم بالفضاء الثقافي الأوروبي. كما تركز على نقل الموروث الثقافي للأجيال الجديدة في المهجر، وترسيخ قيم الانتماء والوعي بالهوية.