زيارة مريض

توقيع

فاتح عبد السلام

افتقدتُ‭ ‬صديقاً‭ ‬سنوات‭ ‬عدة‭ ‬،‭ ‬بحثتُ‭ ‬عن‭ ‬عنوانه‭ ‬وهاتفه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬جدوى‭ ‬،‭ ‬وحين‭  ‬أوصلتني‭ ‬الصدف‭ ‬إليه‭ ‬،‭ ‬علمت‭ ‬أنه‭ ‬مريض‭ ‬للغاية‭ ‬،وسمعت‭ ‬حكايته‭ ‬،‭ ‬وطلب‭ ‬مني‭ ‬أن‭ ‬أنقلها‭ ‬لكل‭ ‬عراقي‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬يصيبه‭ ‬نفس‭ ‬المرض‭ . ‬وأنقل‭ ‬لكم‭ ‬ما‭ ‬قال‭.‬

قال‭ ‬لي‭ : ‬كنتُ‭ ‬رجلاً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬جداً‭ ‬،‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مجلس‭ ‬حكاية‭ ‬وأصدقاء‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬لون‭ ‬يبحثون‭ ‬عني‭ ‬ولا‭ ‬يكتمل‭ ‬مجلسهم‭ ‬إلا‭ ‬بحضوري‭ . ‬ياأخي‭ ‬أنا‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬طبيب‭ ‬الى‭ ‬آخر‭ ‬،‭ ‬ومن‭ ‬عزلة‭ ‬الى‭ ‬عزلة‭ ‬،‭ ‬أقابل‭ ‬الحائط‭ ‬لأنه‭ ‬أصم‭ ‬،وأخشى‭ ‬مقابلة‭ ‬حتى‭ ‬الحيوان‭ ‬لأني‭ ‬أرى‭ ‬في‭ ‬وجهه‭ ‬عتباً‭ ‬واستهزاءً‭ ‬وتذمراً‭ ‬،‭ ‬وأخشى‭ ‬أن‭ ‬ينطقه‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬وجهي‭ .‬

اسمع‭ ‬ياأخي‭ ‬باختصار‭ ‬إنني‭ ‬حين‭ ‬أجلس‭ ‬بين‭ ‬أصدقاء‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬اخرى‭ ‬،‭ ‬أشعر‭ ‬بالحرج‭ ‬والخجل‭ ‬كلّما‭ ‬ذكروا‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬العراق‭ . ‬انهم‭ ‬يضعوني‭ ‬موضع‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬لمجرد‭ ‬كوني‭ ‬عراقياً‭ ‬،‭ ‬ويطالبونني‭ ‬بتفسير‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬،‭ ‬وأنا‭ ‬لم‭ ‬أعد‭ ‬أقوى‭ ‬على‭ ‬النطق‭ ‬أمامهم‭ ‬،‭ ‬فهربت‭ ‬الى‭ ‬عزلتي‭ ‬وكيس‭ ‬الأدوية‭ ‬وعيادات‭ ‬الأطباء‭ .‬

قال،‭ ‬اسمعني‭ ‬جيداً‭ ‬،‭ ‬إنهم‭ ‬يتحدثون‭ ‬بسخرية‭ ‬عن‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وحين‭ ‬أقول‭ ‬لهم‭ ‬انّ‭ ‬في‭ ‬بلدانكم‭ ‬يوجد‭ ‬فساد‭ ‬أيضاً،‭ ‬يزدادون‭ ‬سخرية‭ ‬وضحكاً‭ ‬،‭ ‬ويقولون‭ ‬انّ‭ ‬الفاسدين‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬غير‭ ‬منتخبين‭ ‬،‭ ‬ونحن‭ ‬لا‭ ‬ننتخب‭ ‬كل‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬نفس‭ ‬الفاسدين‭.‬

ثم‭ ‬قال‭ : ‬بتُ‭ ‬أراجع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬طبيب‭ ‬نفسي‭ ‬،‭ ‬أريد‭ ‬الخلاص‭ ‬من‭ ‬شعور‭ ‬المرارة‭ ‬والإهانة‭ ‬والاحباط‭ ‬والازدراء‭ ‬والفشل‭ ‬والغباء‭ ‬والضعف‭ ‬والانحراف‭ ‬،‭ ‬كلما‭ ‬سألني‭ ‬أحدهم‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬عام‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬بلد‭ ‬أنت؟‭.‬

يا‭ ‬أخي‭ ‬،اتهرب‭ ‬من‭ ‬الاجابة‭ ‬بشتى‭ ‬الطرق،‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬أنطق‭ ‬فتثور‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬تلك‭ ‬المشاعر‭ ‬المخزية‭ ‬،‭ ‬فأكون‭ ‬بحاجة‭ ‬لدواء‭ ‬الاكتئاب‭ ‬والتهدئة‭  ‬فوراً‭ ‬،‭ ‬و ‬أحياناً‭ ‬لاتكون‭ ‬الأدوية‭ ‬معي‭ ‬فيصعب‭ ‬عليّ‭ ‬الجواب‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬حظي‭ ‬انّ‭ ‬هناك‭ ‬دائماً‭ ‬متبرعين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مجلس‭ ‬ارتاده‭ ‬يعرّفون‭ ‬بي،‭ ‬فيقولون‭ ‬بثقة‭ ‬انه‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬،‭  ‬فتهيج‭ ‬الحالة‭ ‬النفسية‭ ‬السيئة‭ ‬وتمزقني‭ ‬من‭ ‬الخجل‭ ‬،‭ ‬وأحاول‭ ‬أن‭ ‬انقذ‭ ‬نفسي‭ ‬بجملة‭ ‬عاجلة‭ ‬احملها‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬لساني‭ ‬ليل‭ ‬نهار‭ ‬،‭ ‬لعل‭ ‬المقابل‭ ‬يرى‭ ‬فيها‭ ‬براءتي‭ ‬،‭ ‬فأقول‭ :‬أنا‭ ‬أعيش‭ ‬خارج‭ ‬العراق‭ ‬منذ‭ ‬عشرين‭ ‬سنة‭ .‬

لكنهم‭ ‬لا‭ ‬يتركوني‭ ‬بحالي‭ ‬،‭ ‬ويستمرون‭ ‬بالقول،‭ ‬هل‭ ‬ترى‭ ‬ماذا‭ ‬حصل‭ ‬لبلدك‭ ‬؟‭ ‬لماذا‭  ‬الشعب‭ ‬ينتخب‭ ‬الفاسدين‭ ‬لماذا‭ ‬يكرر‭ ‬المأساة‭ ‬عن‭ ‬سابق‭ ‬اصرار‭ ‬وتعمد؟‭ ‬نحن‭ ‬نعرف‭ ‬انّ‭ ‬العراقي‭ ‬عنوان‭ ‬الكرامة‭ ‬والعزة‭ ‬والشموخ‭ ‬والمقاومة‭ ‬والابداع‭ ‬،‭ ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬حصل‭ ‬؟،‭ ‬هل‭ ‬تغيّرت‭ ‬طبائع‭ ‬شعب‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬وضحاها،‭ ‬فبات‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬ولا‭ ‬يسمع‭ ‬ولا‭ ‬يتكلم‭ ‬،‭ ‬فقط‭ ‬ينتخب‭ ‬كل‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬نفس‭ ‬الجوقة‭ ‬،‭ ‬ثم‭ ‬يتنحى‭ ‬جانباً‭ ‬ليندب‭ ‬حظه‭ ‬وينتحب‭ ‬ليل‭ ‬نهار‭ .‬

يا‭ ‬أخي‭ ‬،‭ ‬هل‭ ‬عرفت‭ ‬الآن‭ ‬،‭ ‬سبب‭ ‬عزلتي‭ ‬وانقطاعي‭ ‬عن‭ ‬الاصدقاء‭ ‬والتاريخ‭ ‬والجغرافيا‭ ‬والوطنية‭.. ‬اتركني‭ ‬رحمةً‭ ‬بي‭ ‬،‭  ‬لا‭ ‬تسأل‭ ‬عني‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬أتذكر‭ ‬مصيبة‭ ‬العراق‭ ‬،‭ ‬فتنتكس‭ ‬صحتي‭ ‬كلما‭ ‬تشافيت‭.‬

رئيس التحرير – الطبعة الدولية