زهرة عباد الشمس لنبيل قديش.. تلك الكتابة المتجددة
عبدالله المتقي
1
” زهرة عباد الشمس ” هي الرواية الأولى للروائي التونسي ” نبيل قديش ” والصادرة دار سؤال اللبنانية ، والحائزة مؤخرا على جائزة الاكتشاف في الكومار الذهبي للرواية التونسية ، رواية قصيرة في حجمها لكنها كثيفة الكتابة في السرد والتناصات تروم الاقتصاد في اللغة والابتعاد عن الترهل البلاغي ، تقع في مئة وتسع صفحات من الحجم المتوسط ، غريبة في كتابتها وفي موضوعها ، إذ أن السارد أثبت بعد الإهداء مقتبس من ” الحب في زمن الكوليرا ” لغارسيا ماركيز :” قد تقولون هذا مجنون ، لكمه ليس بمجنون إذا تقبلتم أسباب جنونه ” ، ربما هي لمزة وغمزة منه شأنها تصيد القارئ ومن ثمة تهييئه وبرمجته لاستقبال نص روائي قد لا يكون مألوفا ، ولنقل نصا مغامرا ومجنونا ، لكنه جنون العقلاء .
إذن ، الرواية في مسعاها إلى تقليب هذه الأرض الروائية ، تجترح لنفسها شعرية روائية متقدمة جدا ، ومتقاربة في التركيب الفني المزاوج بين السرد الواقعي والفانطاستيكي والتشويق البوليسي ، لكن مع تعميق وتوسيع لتجديد الكتابة وأسئلتها .
2
ينطلق النص بمكالمة هاتفية من أسامة المخرج لنديم الكاتب الروائي ، يطلبه عاجلا ، في المقهى يطلب منه المخرج الذي يصور فيلما مقتبسا من روايته ” الإنجان ” ،طلباً في غاية الجنون، وهو أن يعيد كتابة سيناريو جديد لكن بمحو “عزا زير” ، أو بجعل دوره هامشياً. بدعوى ابتزاز الممثل الذي يتقمص شخصيته “إني أتعرض لعملية ابتزاز حقيرة ، الممثل الذي يتقمص شخصية البطل في روايتك طلب ترفيع أجره ، بصورة مشطة ” 13
وبعد إغرائه بالمال ” كل شيء بثمن سيد نديم ، وهذا مبلغ صغير مقابل السيناريو الجديد ، وبعد صراع نفسي يذعن نديم ويقبل بتنفيذ المطلوب ، بالرغم من العلاقة الروحية التي تربطه ” عزازير ” ، بعده الإذعان للمخرج تحدث أشياء غريبة وعجائبية i يصاب ممثل دور “عزا زير ” في الفيلم بالخرس فجأة، ويدخل مخرج الفيلم في غيبوبة، ويصاب هو الآخر بالخرس. عندئذ يدرك الكاتب أن ما يحصل لا يعدو أن يكون احتجاجا شديد الفعل من ” عزا زير ” الذي تحول إلى كائن حي ، لينتقم ممن ساهم في مسخه وتشويهه ، لما فيهم الكاتب نفسه، حيث ورطه في عملية سرقة السيناريو من بيت المخرج ، ليجد الكاتب نفسه متورطاً في جريمة سرقة ومحاولة قتل!
من ثمة نجد أن “زهرة عباد الشمس ” تحيلنا على ملامح وسلوكات روائية غير مألوفة ، وهي أيضا تستهدف تحرير الكتابة مما هو جاهز في سوق القراءة ، وتوريطها في كتابة جديدة وممتعة .
3
الميتانص ظاهرة عامة توجد في كل النصوص والأجناس الأدبية، وبناء على ذلك ظهرت مصطلحات مثل الميتاشعر والميتامسرح والميتارواية ، وهو مظهر من مظاهر حديث النص عن نفسه, وعن ظروف إنتاجه, ومعاناة منتجه,”فيأتي نقدا للنص ” يقول سعيد سقطين
بهذا المعنى يشمل الميتانص كل ما هو خارج على أحداث النص, من تعليق, أو تنظير نقدي يبديهما المؤلف, أو إشارة للعبة الكتابة،. فرواية ما بعد الحداثة تختلف عن سابقاتها بأنها تتعامل بأزرار مفتوحة مع المتلقي, ولا تعترف بقداسة النص وأسراره , ففي عالم الحداثة وما بعد الحداثة لا موقع للحقائق المطلقة والحدود الجمركية.
والميتانص حاضر بكثافة في رواية ” زهرة عباد الشمس ” كزوايا نقدية تهم السارد والشخصية والكتابة الراوائية كمواقف واختيارات.
4
وباستلامنا الفعلي لذا الأفق الذي يوجهنا إليه الميتانص ، نجد أن انتظارها لا يتم تكسيره بل تدعيمه ، وهكذا تورطنا قراءة الرواية إيجابيا في تجربة تمتح من اللغة المفهومية حيث تبدو الكتابة خاضعة لسلطة المقروء “
وهذا الاختيار الروائي ليس جديدا في حد ذاته ، فالعديد من الروائيين تعرضوا في كتابتهم لإشكاليات الكتابة الروائية تنظيرا ونقدا وتجريبا، نذكر من بينها:
-واسيني الأعرج في روايتيه: …حارسة الظلال، ومحمد برادة في روايته: …لعبة النسيان “، وفاطمة بن فضيلة في روايتها: “رواه العاشقان ” ، وغيرها من الروايات العربية التي يتدخل فيها صوت الروائي ليفصح عن نظرته للإبداع الروائي، أو يقدم تصورا روائيا مغايرا ، لكن ” زهرة عباد الشمس ” لنبيل قديش لها نكهة وإدهاش آخرين ، يتمثل في تحول الشخصية الروائية من كائن ورقي إلى كائن من لحم ودم ، وخروجها إلى الواقع بقصد الاحتجاج على مصيره ثم الانتقام من كل الذين ساهموا في تهميشه أو خيانتها وحتى ممن تقمص شخصيتها مشوهة .
5
هكذا تفضي بنا القراءة إلى أن نحدد خاصية نعتبرها من أهم ما يميز تجربة قديش في هذه الرواية ، ونقصد تحول الرواية لتشتغل روائيا انطلاقا من لغة واصفة تذوب في نسيجها مفاهيم ومصلحات منتمية إلى فنون أخرى ” الكاتب الروائي ، الراوي ، السارد ، الرواية ، الشخصية ، البطل ، الكتابة ، عجائبية ، متعة الخلق ، المخطوط ، الحكاية ….”
ليست هذه سوى نماذج لشيوع هذا الاختيار التعبيري ، وبذلك يكون نبيل قديش قد سعى إلى إبعاد الرواية من لغتها المألوفة وبخاصة اللغة المألوفة ولغة الأشياء المعتادة إلى لغة الخطابات اللغوية ذاتها ، اللغة المنطقية النقدية التي تصف اللغة الموضوع- العمل الأدبي
6
تتواصل القراءة ، كما يتواصل بروز الوجه النقدي للمبدع الروائي ، حيث ينتبه القارئ إلى حضور الناقد بمستوى حضور المبدع ، وهو يتلقى النص ، يصادف مجموعة من الانشغالات الميتانصية من قبيل التعليقات والتصورات النقدية المضمرة والواضحة :” احبس نفسي مع القلم والورق ، نهرب بعضنا من بعض ثم لا نلبث أن نرضخ ونلتقي ثلاثتنا ، ونبعث للحياة مخلوقات لطيفة وأحيانا لئيمة تسكن معنا الشقة “ص 23
نكون أمام تعليق نقدي ينصب على أدوات الكتابة وطقوسها ثم والتفاعل مع قواها الفاعلة حد الحلول ، وعلى لسان نفس نصادف هذا التعليق ” الكتابة كانت الاستثناء ربما لأن مفتاحها خيط عليه جرح قديم ، فنبت بين اللحم والعظم “ص 31
هذه التعليقات وغيرها ، لا يمكن ان تصدر عن شخصية عادية ، وقارئ مستهلك ، بل تنم عن امتلاء خلفية ثقافية وعن اشتغال يعي ما يكتب ، وتقديم مستويات من المعرفة والوعي في لفائف سردية وجمالية .
7
إ ذا كان الناقدان فيالا وسميت قد أشارا في كتابهما “كيفية القراءة ” إلى أن الخطاب الروائي هو حقل مهم لتمظهر علاقات القوى ، فهذا من شأنه توليد أحداث وقوى فاعلة متلاطمة ، وفتح مسارات جديدة للمسرود ، بيد أن نبيل في زهرته ، ينقل هذا الصراع من عوالم التخييل إلى أرض الواقع ، حيث خروج “عزازير ” من رواية ” الإنجان ” لمؤلفها نديم الروائي ، احتجاجا على تآمر الكاتب والمخرج والممثل على تشويهه ، ومن الواضح أن هذه الشخصية مارست حقها في الواقع والسرد ، والراوي يعي من تكون:” عزازير هو ابني المدلل ، هو شيطاني الصغير المارق ” ص15
وإذا أردنا التوضيح أكثر ، قلنا إن هذا الخروج هو تضمين النص آراء وزوايا نظر نقدية حول إحدى مكوناته ، ونعني بها شخصية “عزازير” ، وهو المستوى الذي يمكن أن نطلق عليه ” الوجه النقدي للمبدع الروائي نبيل قديش”
8
تتفاعل رواية زهرة عباد الشمس مع مجموعة من النصوص تفضي إلى تنشيط فعل القراءة وكذا تنويع السياقات الحكائية وصيغها ، وهكذا تتخلل كثير من الفنون النسيج النصي وتلتحم مع مكونات السرد لتكون بمثابة أصوات لاختيارات ومواقف الشخوص .
هكذا تمتح الرواية من الحقل السينمائي ” المخرج ، السيناريست ، الممثل ، السيناريو ، البطل …” ، كما تمتح من الفنون التشكيلية والأسطورة “فقط تصوروا أن أحدهم قد إلى بيجماليون ليطلب منه إعادة نحت جالاتا بطريقة مشووهة ومرعبة …” ص 30
هذا بالإضافة إلى الحوار مع نصوص روائية حيث يعمد السرد إلى تكسير نموذجية النص الأول ، بتقمصه وتوجيهه وفق ما تنحاز إليه الذات ، حيث التفاعل مع رواية ” النفق “لأرنستو سباتو” وتقمص الراوي لشخصيته بطلها “خوان بابلو كاستيل ” الرسام الذي أصيب بالجنون نتيجة الوحدة القاتلة ، وهو الأمر الذي أدى به إلى ارتكاب جريمة قتل في حق ماريا إيريبارني، الوحيدة التي استطاعت أن تتواصل معه لكن وفق تقنية وبراعة المفارقة عبر تذويته “وتونسته “، لينحاز إلى ماترومه الرواية .
هكذا يتبنين التجديد لدى “نبيل قديش ” من خلال حوارية مفتوحة على نصوص من حقول معرفية متعددة ومتنوعة والتي من شأنها المساهة في حياة النص وتجديده ، والحد من رتابته .
9
إن رواية زهرة عباد الشمس ” تنطوي ورشة إبداعية ونقدية ، وما يزيد من قيمـــــــة رواية نبيل قديش إنها لا تعتمد على المفـــــــاهيم والمصطلحات الجاهزة ، بل تستثمر تفاصيل الحياة وتزاوج بين الواقع والفانتاســــــتيك لتقدم قضاء تخييليا متعدد الدلالات وقابلا لأكثر من قراءة .
وأعتقد أن الرواية قد نجحت ، من خلال سردها اللذيذ ومستوياتها اللغوية ، وحواريتها مع فنون أخرى ، وكذا من خلال الوعي الفوقي بالحكاية والكتابة .


















