روسيا وإيران والنموذج اليمني في سوريا
فيودور لوكيانوف
منذ مدة قصيرة دعي كاتب هذه السطور للمشاركة في برنامج أعدته هيئة الاذاعة البريطانية بي بي سي حول الأزمة السورية. وطرح عليه السؤال الحاد لماذا تقف روسيا من جديد في الجانب الخطأ من التاريخ؟ ، مع الاضافة الأكثر حدة هل يشعر الروس بالخجل من أن الأطفال السوريين يقتلون بسببهم؟
أقول في بادئ البدء ان النقاش حول مسألة الصواب في التاريخ لا معنى له، خاصة عندما تتخذ القوالب الدعائية حجةُ فيه. ثم أن التاريخ ليس له الجانب الصواب أو الجانب الخطأ لأن مسيرة التاريخ تفرض نفسها بنفسها بكل ما لها من مآس ومنجزات واخفاقات تشكل مضمون التاريخ بالذات.
كما من الشيء المثير للضحك تلك الحماسة العالية التي يطرح السياسيون والصحفيون في الغرب بروحها مثل هذه الأسئلة الأخلاقية على روسيا، وهم على قناعة تامة بأنهم يعرفون الحقيقة ويسلكون مسلكا صحيحا على الدوام، محملين في الوقت ذاته آخرين غيرهم مسؤولية ما ينجم عن تصرفاتهم من مضاعفات وتكاليف وتداعيات. كما يدعون في الغرب أنهم حين يتدخلون في شؤون بلدان أخرى لدرجة تعريضها لأعمال قصف واسقاط أنظمة حاكمة، فلا ينطلقون الا من قيم انسانية خيرة، بينما يبقى العدو المختار مذنبا بكل شيء في جميع الأحوال
أقول هذا الكلام وتخطر ببالي مجزرة بلدة الحولة السورية التي راح ضحيتها العشرات من المواطنين المسالمين ومن بينهم الأطفال والتي قد تصبح نقطة فاصلة في مسار تطور الأزمة السورية. ومهما بدا الأمر فظيعا، ليس من المهم من يقف وراء هذه المجزرة. ذلك أنه حتى لو تبين أن مقتل هؤلاء الناس جاء نتيجة لعملية الاستفزاز المدبرة من قبل المعارضين للنظام ستقع مسؤولية ما حصل على عاتق الحكومة السورية في نهاية الصعيد، بحكم مسؤوليتها ــ بخلاف خصومها ــ عن حالة الأمن والسلام المدني في البلاد. واذا كانت السلطات غير قادرة على توفير هذه الظروف أو اذا احتاجت من أجل ذلك الى ممارسة العنف بشكل واسع، فهي تجد نفسها أمام خطر نسف شرعيتها ذاتيا.
وعودة الى دور موسكو لا بد من القول انها حققت الشيء الكثير في المسار السوري في الأشهر الماضية. ويمكن التذكير في هذا الصدد بأن روسيا استخدمت حق النقض الفيتو ضد مشروع قرار مجلس الأمن الدولي الذي تضمن انذارا فعليا موجها الى الرئيس السوري بشار الأسد، مما كلف روسيا وقتذاك تحولها الى بلد شبه منبوذ . وكانت درجة الاستهزاء الصريح الوارد في البيانات الرسمية الصادرة عن البلدان الغربية وفي الصحافة العربية بعيدة كل البعد عن اللباقة البروتوكولية الدبلوماسية. غير أن وزارة الخارجية الروسية أبدت صمودا مما ساعد على تغيير لهجة الهجمة النفسية المكثفة ضدها بعد مضي أسبوعين تقريبا، حتى أصبحت روسيا منذ آذار»مارس ــ نيسان»أبريل بلدا محوريا تتوقف عليه آفاق التسوية السورية. وفي حقيقة الأمر، ان الجهود التي بذلتها الدبلوماسية الروسية جعلت من الممكن ولادة خطة المبعوث الأممي كوفي عنان، أي التراجع عن فكرة الاطاحة بالرئيس بشار الأسد باعتبارها أسلوبا وحيدا لتسوية المسألة السورية. وأثبتت موسكو أنها تعتبر بحق لاعبا هاما وبارعا في الحلبة الدولية بنجاحها في اعادة الأمور الى الآليات الكلاسيكية لتسوية الأزمات بدلا من سيناريو تغيير النظام بالقوة . ولكن تبين فورا أن امكانيات موسكو ليست غير محدودة ، خاصة و خطة عنان ربما كانت فرص نجاحها أكبر بكثير لو رأت النور قبل نصف سنة من طرحها في ربيع العام 2012 حين بلغت ضراوة مواقف الطرفين وأعمالهما الميدانية وكذلك درجة الانجرار الهدام للقوى الخارجية ذلك المستوى الذي تبدو معه امكانيات اجراء الوساطة السلمية شبه وهمية، مهما كانت شكلا ومضمونا. وبالفعل، هناك أعداد كثيرة للغاية من الوجوه والجهات التي يكون نسف جهود صنع السلام من مصلحتها. أضف الى ذلك أن السلطات السورية أبدت عدم فعاليتها وجمودها في التعامل مع الأزمة باصرارها على تحقيق أملها في تغليب كفتها في نهاية المطاف. ويكفي القول ان كل محاولات اجراء الاصلاحات والتحولات وحتى الجزئية منها كانت تبذل بشكل متأخر جدا عندما لم يعد ممكنا لها أن تؤدي الى احداث تغيير جوهري في الوضع. نذكر على سبيل المثال الدستور الجديد الذي جرى اقراره في ظل رفض الاستفتاء من قبل المعارضة مما أفقد هذه الوثيقة الأساسية شرعيتها الكاملة بصورة مسبقة وأقحم السلطات في طريق مسدود يصعب الخروج منه دون فقدان ماء الوجه حاليا. ولا تغير أي شيء حقيقة استمرار العدد الكبير من سكان سورية وربما معظمهم في دعم بشار الأسد، لأن الأقلية متعددة أيضا ولها تأييد خارجي جدي ولاسيما درجة أعلى بكثير من الثقة في العالم. ويبدو في الظرف الناشئ أن الاشارة الوحيدة التي يمكن لروسيا بل ويتوجب عليها أن ترسلها الى بشار الأسد هي تلك التي تقول صراحة ان موسكو فعلت كل ما كان بوسعها من أجله ولا يمكنه أن ينتظر منها أكثر. ذلك أنه لو اندلعت في سورية موجة جديدة واسعة من أعمال العنف ومنيت خطة عنان بفشل ذريع من جراء ذلك فان العودة الى الحديث عن حوار و جهود وساطة دولية ستكون صعبة للغاية، وربما عديمة الجدوى على الاطلاق لضياع أي حجج وذرائع لتبرير استئنافها. بالطبع، لن تقدم روسيا أبدا على اعطاء موافقتها على خوض عملية باستخدام القوة العسكرية ضد سورية وفق النموذج الليبي ، ولكنها ستتوقف حتما عن أداء دورها كمخفف للصدمات يساعد على التقليل من آثار الضغوطات الدولية.
وحتى تطور روسيا نجاحها التي أحرزته في الأشهر الأولى من العام 2012، يجب عليها، كما يبدو، طرح خطة فعالة لتغيير الحكم في سورية ولكن ليس عن طريق تنحية بشار الأسد التي لا بد أن تسفر عن مزيد من الفوضى والبلبلة، بل ومن خلال اعتماد أسلوب تدريجي مرحلي. فالضمانات الضرورية في هذه الحالة لن يحتاج اليه بشار الأسد وأقرب المقربين منه فحسب اذا ما وافقوا عليها ، بل وتلك الفئات الاجتماعية والمجموعات الأثنية السورية التي تخشى من حدوث أعمال انتقامية تجاهها في حال اقامة حكم الأغلبية السنية في البلاد. ولا يدور الحديث عن العلويين ذوي الامتيازات حاليا، بل وعن المسيحيين وغيرهم أيضا الذين وفر النظام القائم لهم الحياة الأكثر أمنا من أي نظام جديد قد يحل محله في المستقبل.
ويستنتج من تحليل الواقع المعاش أن صياغة مثل هذه الضمانات أو بالأحرى وضع نموذج جديد للحكم في سوريا دقيق ومعقد كما في لبنان في أحسن أوقاته يجب أن تصبح محط أنظار العالم وموضع الجهود الدولية.
ومما لا شك فيه أن موافقة بشار الأسد على ترك السلطة لا بد أن تكون شرطا الزاميا لذلك. واذا أدت المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية وظيفة القوة المحركة الأساسية في الحالة اليمنية، فإن إيران وروسيا يمكنهما أن تتوليا الدور نفسه في التعاطي مع الملف السوري، وذلك للحيلولة دون انهيار التركيبة كلها الذي من شأنه أن يطمر مصالحها كافة في هذه البلاد. ويتشكل انطباع أن الضغط وحده الممارس من قبل أقرب شركاء دمشق يمكنه أن يحث السلطات السورية على استباق تطور الأحداث رغم أنها لم تظهر القدرة كهذه حتى الآن. أما في الحالة المعاكسة فسيزول السيناريو اليمني من قائمات الطروحات الممكنة ليلوح في الأفق خليط رهيب من السيناريوهات العراقي والليبي واللبناني من زمن الفلتان الأمني.
انباء موسكو
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
رئيس تحرير مجلة روسيا في السياسة العالمية
/6/2012 Issue 4217 – Date 4 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4217 التاريخ 4»6»2012
AZP07























