رواية جاسم وجوليا لزيد الشهيد مثالاً
المنصات والإستثارة الدلالية
محمد يونس
مفارقة العنونة – العنونة في الرواية نسبيا تسعى الى الأقناع، ويكون ذلك بنسب اكبر من الانهمام في حس فني، وهذا كون الرواية قرينة الواقع، والعنونة المثال الأساس لتلك الصفة التي تمثل الأقتران، ولكن ذلك ليس سياقا، بل يدخل في مجال قناعات المؤلف بتمييز الواقعي على الفني في العنونة، وهناك من يتوجه الى تمييز عنونته ادبيا، ليثير البعد الجمالي بهالة تبرق من جهة، ومن اخرى يسعى لتحقيق اكثر من بعد تاويلي لدا المتلقي، والعضوي على وجه الخصوص، وعنونة رواية – جاسم وجوليا – لزيد الشهيد اوقفتنا بين الأتجاهين الواقعي والفني في منطقة وسطية مفترضة، فهي جانبها الأساس واقعية، لكن ليس صرفة هي هنا، بل تبتعد بنا وتقترب من جهة الفن، ولكن دون ولوجها، فناورت نبنسبة لا تخرجها من البعد الواقعي للعنونة الروائية .
مثّل بعد المفارقة احد العوامل الرئيسة في تمييز عنونة رواية – جاسم وجوليا – حيث يواجه القارىء باسم اجنبي بنسب واضحة وجلية، مع اسم يحتمل بعدا شعبيا في بيئته الى حد كبير، وهنا يكمن مقصد المؤلف من تسمية روايته بهذا الاسم، وإن اختفى مقصده تبئيرا، فقد وضح التزامه بعد المفارقة بشكل واضح، فتعارض البيئات بين الأسمين وتألفهما في عنونة روائية يشكل مفارقة، بحد ذاتها تحيل الى افق ما، فترجمت لنا افقا ابعد من تصوراتنا، وبذلك اكدت تميز العنونة في الصيغة المختلفة عما هو سائد بالشكل العام للعنونة تاريخيا . قدمت رواية – جاسم وجوليا – احد الأفتراضات الذاتية وليس بالعامة الأفق، حيث قدم لنا المؤلف اسمين من بيئتي لغتين مختلفتين، ورغم أنه قدمه بلغة كتابة الرواية وهي العربية، لكن يبقى لبيئة الأسم اثرها وانعكاسها، وشكلت كل بيئة تقابلا في حد ما مع البيئة الأخرى، لكن هما لم يتوافقا في بعدي التقابل الا عبر صيغة اللغة الكتابية، حيث كلا الأسمين درجا بذات اللغة، وهنا لغي اختلاف اليات ومرجعيات الأسمين، وهذا يعني أن المتن النصي قد احتمل ذات الصفة عبر عنصر اللغة الكتابية وما مهد ذلك العنصر من تأهيل لأسم من لغة اخرى، ويحسب للمؤلف ذلك التقدم الحيوي نحو منطقة غير مأهولة في اطار ما تشير اليه العنونة من مجالات قد تكررت مرارا في اختيارات متوافقة بشكل تام .
المناصات – تنسب اصطلاحيات المناصات الى علم النص، فهي تعني تراكب او تداخل نصوص جزئية فيما بينها، او قد تكون هناك نصوص جزئية متراكبة مع النص الأكبر، حيث يكون مجمل النصوص نصا كليا اجماليا يشتمل على نص واسع ونصوص هناك سبب موضوعي لتضمينها، فهي على الغالب من القيم الكبرى، او من القراءة المؤثرة على وعي المؤلف، وفي السياق التقني هناك توظيف، لكن لابد له من استثمار مساره التقني وفق القواعد الضامنة، ولابد من حسبان وحدة الزمن بشكل دقيق، فأي تخلخل في تلك الوحدة يربك بنية النص بمجملها، وايضا سياق استخدام الميتا سرد ضمن وجود استثارة خارجية تحرك المضامين الثانوية الساكنة، وهذا هو اساسا ما نسميه -الأستثارة الدلالية – التي لم يفسر سياق الميتا سرد وفقها، وحول الى مجاورات ليست ذات علاقة مباشرة، وهذا ما يجعل المناصات بعيدة عن تفسيرها الموضوعي، فجوليا كريستيفا والتي قد اسمتها – البنصوصية – مبتعدة عن التعقيدات التي لا يجد المصطلح مساحة من الوضوح، يعول عليها في يسر تفسيره .
إن تراكب مجموعة نصوص قاصرة بحد ذاتها أن تكون نصا كاملا، رغم إن مامن نص الا وهو يحتمل نقص ما، وتلك الصفة التي يعول عليها النص الأساس في التضمين، لسد ثغرات، ولاستثارة المضامين الثانوية الساكنة، والتي هي ليست في حسبانه تماما، ولا هي بالأصل من مجريات الحدث بشكل اولي، وهنا نقر بوجود قوة الزام في السياق التقني، وهنا تكون المضامين الفنية تتحرك وظيفيا دون خلخلة، والية البناء الروائي تضمن لهكذا توظيف بلوغ حدوده .أن عنصر اللغة هو احد اهم الأسس في تأهيل المناصات، فذلك العنصر الحيوي يملك زمام النشاط الأساس، حيث إن كل العوامل تعتمد على ذلك العنصر، وذلك يشمل حتى العوامل الخارجية، فبعد النحو بالرغم من أنه بعد خارجي، لكنه هو ملازم لعنصر اللغة، وطبيعي مجمل الوظائف المرتبطة باللغة، هي تؤكد بعدا بنيويا لعلائقها، وهذا ما يجعل تأهيل المناصات ايسر، وهذا البعد البنيوي هو ترجيح لساني، لكن ليس على بال نظرية التلقي، فهو ليس مقصد اساس، فأننا( عندما نقرأ نصا ما فأننا بالتأكيد لا نولي اهتماما الى ترابط عناصره وأجزائه المختلفة اهتماما كبيرا في اغلب الاحيان، وإنما الذي يشغلنا بشكل اساسي عن اي شيء يتحدث النص)1، وهذا ما يحيلنا الى معنى يشمل فكرتنا، فالمناصات هي او وحدات النص الجزئية صغيرة وكبيرة، هي حالة يقف عليها التحليل اللساني من جهة، ومن اخرى تفسير ابعاد اللغة بنيويا، وتكون اميز وظيفيا في علاقتها المتأصلة مع – ما واراء السرد-، وهي قد فعلت ذلك المنحى السردي، وكما دعمت توسيع قاعدته اصطلاحيا، فهو المقابل الموضوعي من منظومة السرد لتلك الوحدات النصية .
المناصات التاريخية – حفلت رواية زيد الشهيد – جاسم وجوليا – نصيا بوحدات متفرقة من المتن التاريخي، وجميع تلك الوحدات كانت في مضمون النص الأكبر تشكل مضامين ثانوية، وهي تميز بعدها التاريخي، سيان في بعد اشاري او في سياق دلالي، وقد تنوعت ايقاعات تلك الوحدات النصية، فمنها ما هو يخص قضية بعيدة نسبيا، واخر ما يخص قضية لم تدخل في المتن التاريخي بشكل تام، مثل قضية المتحف الوطني، وما حل به من ظروف مهينة، فقد سرقت موجوداته المهمة ودون ادنى درجة ردع، وكان تناوله بشكل افقي، ليكون تفسيره عبر مجريات الحدث الأساس، متوافقا مع مجريات السرد، حيث يتوافق البعد الزمني بين النص الاكبر والنص الملحق اليه من المتن التاريخي، والشكل التاريخي برغم سرعة ايقاعات الأحداث اليومية، قد بقي رغم تعددها في المناصات ثابتا، و(لا يظن أحد أن الشكل لعبة محضة يمكن أن يغيره الروائي أو الكاتب ساعة يشاء. إن الشكل تعبير عن عملية تفاعلية تاريخية معقدة)2 .كان هناك سمتان للمتن التاريخي في الرواية، حيث مثلت السمة الأولى التاريخ مجسدا بالتداول الشفاهي، اي إن الشخوص قد تقولوا به نتيجة ردود افعال، او كانت تقولاتهم اجابة على اسئلة الواقع، وللتاريخ يكون من جهتهم رد فعل، فيه من جهة تفسير، ومن جهة اخرى تاويل، فحادثة سرقة المتحف الوطني، هي قد خضعت للتقولات التفسيرية ومن ثم تلتها التأويلية، واما السمة الثانية هي دلالة التاريخ عبر المكان، حيث هناك امكنة مثلت وجه التاريخ في تشكلها المكاني، وهي تعبير نوعي عنه ايضا، وتوظيف المؤلف للأمكنة عبر وصف تصوري يزيد من عمق بعدها الدلالي، فكان هناك وجهان للتاريخ في الرواية، حيث كان الأول وجهه المحض بكل واقعيته، ، وما تمثله حقيقته التاريخية، واما الثاني فكان هو متصورا حسب مقتضيات الخيال، والذي هو مرتبط بالتصور المحدد، وبذلك كان للتاريخ وجهان، الاول واقعي والثاني متصورا عن حقيقة الأول، وهذا يعطي للمناصات التاريخية قيمة اوسع واهمية اكبـــــــر .
المناصات الثقافية – قدمت رواية – جاسم وجوليا – تنوعا ايقاعيا في توظيف مناصات ثقافية داخلية منها، والتي هي بطبيعتها الحسية، وما يتميز فيها من معنى ادبي، ويشمل ذلك كلتا المناصات الداخلية، والتي اصلا هي جزء من النص، لكن ميزتها لغة شاعرية، او مستوى دلالي تعبيري، او سعي قيمة جمالية للتكامل، او اخرى خارجية ضمنت من حكم او اشعار او جمل بليغة لكتاب وفلاسفة، وطبعا هناك وعي تنفيذي للبناء وافقه الفني، وايضا سعى توظيف المناصات الثقافية بتمييز واع، وغاية وهدف ذاتي ليس بشخصي، وتلك الغاية ليست بخاضعة لمؤثر خارجي، بل هي تسعى لتمييز وعيها، فزيد الشهيد يميز بين المهم والأهم من المناصات، ومن الضروري ( التمييز بين الموضوعات الطبيعية التي تمتلك غاية داخلية وبين الموضوعات الثقافية الخاضعة لغاية خارجية)3، وهذا الراي يساند الى حدما، ما من مسألة مهمة في فكرتنا ازاء المناصات الداخلية والخارجية في الرواية،والجدير بالذكر أن الرواية من البعد البصري لقراءة العنونة تشير لنا عن وجود مناصات، وتلك المناصات اول ما مثلت الأسمين لك من – جاسم وجوليا، واختلاف اللهجات عدى البيئات المؤكد اختلاف لغاتها .
1- علم لسانيات النص – هايكوها وزندوف / فولفغنغ كسلمان – ت- ا د موفق محمد جواد حسين المصلح – دار المأمون
2- الفطرة الروائية – محمد يونس – دار تموز
3- ما الجنس الأدبي؟- جان ماري شيفير –



















