رواء .. كتاب جديد للصدر – محسن حسن الموسوي

رواء .. كتاب جديد للصدر – محسن حسن الموسوي

النجف

الكتاب: رِواء

تأليف : سماحة العلاّمة السيد حسين السيد محمد هادي الصدر ، حفظه الله

الناشر : الكاظمية للتأليف والتحقيق

عدد الصفحات : ١٩٦ صفحة

الطبعة: الأولى/ ١٤٤٥هج – ٢٠٢٤م

هناك من الأشجار المثمرة التي لاتستطيع أن لا تُثمر ، مهما تمرُّ عليها من ظروف ، إنها رمز العطاء بلا حدود ، هكذا خلقها الله.

وفي المقابل ، هناك رجال عندهم العطاء سجيّة  ، ومهما اختلفت الظروف ، فإنّ عطاءهم مستمر ، ومتدفّق .

وخير العطاءات هي العطاءات الفكرية والتوعوية ، فهي الميزان الذي به يُقاس الفرد ، كما به تُقاس الأمة.

وسماحة سيدنا العلاّمة السيد حسين السيد محمد هادي الصدر ، حفظه الله ، متدفّق بالعطاء الفكري والتوعوي ، ورغم ظروفه الصحية التي قد تشغل سواه عن الكتابة ، ولكنه ، حفظه الله وبارك في عمره وجهده وجهاده ، متواصل في عطائه الذي يُنير به العقول ، ويُغذّي القلوب ، ويفتح هذه المحطات التوعوية الإسلامية الإنسانية ، ليكون القارئ على بصيرةٍ من دينه ودنياه ، وتلك مهمّة المصلحين ، وديدن المخلصين ، وواجب العارفين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذلك هو طريق الذين أمرنا به الله سبحانه وتعالى.

ولسيدنا الحجّة الصدر ، حفظه الله ، (موسوعة العراق الجديد) وهي موسوعة فريدة من نوعها ، وثريّة في موضوعاتها ، وغنيّة في اشاراتها ومعارفها ، وبين يدينا الآن الجزء الأول بعد المائة ، وقد ضمّ (31) مقالاً مكتنزاً بالثراء المعرفي المتنوع ، وهي خلاصات تجارب الحياة ، وملتقطات من مختارات القراءات في شتّى الموضوعات ، ويفتتحها سيدنا الصدر ، حفظه الله ، بهذين البيتين:

( إنّي لأزرعُ في قلوبِ أحِبتي

وبأحرفي شجر الفضيلةِ والهُدى

وأظلُّ أرويهم على طول المدى

بالعذبِ من ماءِ المكارم والنّدى )

وأنا أقولُ له :

شكراً لكم ياسيدي ، أتحفتنا

بالعلمِ ، تهدي الحائر المُتردِّدا

لازلت مِشعل فكرةٍ عملاقةٍ

لازلت في هذا الطريقِ مُسدّدا

ويأخذنا سماحته في جولةٍ مثمرةٍ ، ويُدخلنا في عالمِهِ الفكري الشيّق ، ويروي الظمأ الثقافي الذي تتلهفُ له عقولنا ، ويلتقط لنا من عصارات فكره النيِّر أحاديثاً فيها النور ، والحكمة ، ويفتح أبواباً من أدبه ، وثراء تجاربه الحكيمه ، ونحن نصغي إليه بمحبة واشتياق.

ينقل لنا سيدنا العلاّمة الصدر ، حفظه الله ، رحلة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم إلى الطائف ، وقد لاقى منهم الجفاء والعداء والأذى ، حتّى عاد إلى مكة ، وهي رحلة شاقّة على قلب الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وصحبه ، ويستخلص منها سيدنا الصدر ، حفظه الله العِبرة ، فيقول:

( ليس الطريق إلى إحداث النقلة المهمة من خنادق الضلال والانحراف إلى واحات الإيمان والاستقامة على خطِّ الصلة العميقة بالله مفروشاً بالورود والرياحين.

كما أنّ الطريق إلى تغيير الواقع الفاسد محاطٌ بألوان من المصاعب والعقبات ، وتلك حقيقة يؤكدها التاريخ والواقع المعاش) .

ويتحدث سيدنا الصدر ، حفظه الله ، عن جزئية من حياة الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، وبها نتعلّم كيف تكون أصول المعاملة التجارية ، وذلك حينما أرسل أحد مواليه في تجارة الى مصر حيث استغلّ الظرف ليربح ربحاً فاحشاً غير متعارف عليه في السوق ، ربحاً بعيداً عن المروءة ، ثمّ لايقبل الإمام الصادق عليه السلام بذلك ، ويعلّمه أصول التجارة الصحيحة التي يرضاها الله تعالى ، ويقول سيدنا الصدر :

( من حقّ البائع أن يبحث عن الربــــح ، ولكن ليكن الربح معقولاً بعــــــيداً عــــن الاجحـــاف.

يستحب أن يكون البيع سمحاً ، وقد غاب السماح للأسف الشديد عن أسواقنا وعلت نبرة الشكوى من إرتفاع الأسعار وكل ما ذُكِر من التبريرات لا يقنع أحدا على الإطلاق) .

ويتساءل سيدنا الصدر ، حفظه الله ، عن السبب في قطع سبيل المعروف ، وقد تصل الحالة إلى جحود ذلك المعروف ، وهذه الحالة ليست بالجديدة ، وهي موجودة عند ذوي النفوس الضعيفة ، والهمم الواطئة ، وعند الذي ليس له قدر ، ولا يعرف قدر الآخرين!

ويقول سيدنا الصدر ، حفظه الله ، ذلك بمرارة ، وتعجّب  ، واستهانة من أولئك:

( لا أدري لماذا يبلغ التنكر للمعروف ذروته فيمتنع من أُسدي إليه المعروف حتّى عن كلمة شكر واحدة ؟

إنه الجفاء ، إنه الشحّ ، وإنه الإنقلاب على كل ما تقتضيه الأخلاق والآداب) .

في تاريخنا القديم هناك مصطلح يُسمّى ( الخواص) وفي المصطلح الجديد يُسمى المستشارون ، وهؤلاء يكونون ثقة المسؤول أو الحاكم الذي بيده الأمر والنهي ، ولذلك تحرص الدول الرصينة أن يكون المستشارون ، أو الخواص من ذوي الأحساب والانساب ، ومن الذين لاتميل بهم الأهواء ، ومن أصحاب التقوى والاستقامة والعقل الراجح ، وفي تاريخنا هناك الكثير من الخواص الذين صانوا الدول من الضياع ، وحموها من الأذى ، كما هناك منهم الذين أضاعوا الدول وعرّضوها للضياع والهلكة.

ويضرب لنا سيدنا الصدر ، حفظه الله ، مثلاً من مستشاري عبد الملك بن مروان ، أحدهما كان عاقلاً فهِماً ، والآخر نزِقاً ليس له بُعد نظر ، وفي ذلك يقول:

( تحيط بكبار الرجال ثلّة من الأصحاب والمقربين ، وهؤلاء هم من يستشارون غالباً في القضايا الخطيرة.

ولكل حاكم حاشية ومستشارون ، غير أنّ المستشارين ليسوا على درجة واحدة من الوعي وحُسن التقدير والتدبير.

ومن هنا قد يقع الحاكم في المطبّات فيما لو عوّل على آراء من لم يكن واجداً لشرائط المستشار الجدير بالمهمة) .

ظاهرة اللحن في اللغة العربية قديمة ، ربما تصل إلى زمن أمير المؤمنين علي عليه السلام ، حينما جاء أبو الأسود الدؤلي يشكو من لحن ابنته.

والقصة مشهورة ومعروفة ، حينما أعطى أمير المؤمنين علي عليه المبادئ العامة والمهمة لقواعد اللغة العربية ، وقد نحا أبو الأسود على ذلك النحو ، وابتدأ المشوار في تعلم قواعد اللغة العربية.

ولسيدنا الصدر ، حفظه الله ، رأي جازم ؛ أنّ إتقان قواعد اللغة العربية لا تحتاج أكثر من أسبوعين.

وفي ذلك يقول :

( اللغة العربية هي لغة القرآن ، ومن هنا وجب أن تُصان من قِبل أبنائها ، وليس ذلك بالأمر الصعب إذا ما صمموا على إتقانها) .

إنّ سماحة سيدنا العلاّمة الصدر ، حفظه الله ، مدرسة متكاملة في علوم الإسلام ، وفي عطائه الكثير من الفوائد التي لا يمكن حصرها في موضوع معيّن ، فلربّ كلمة واحدة تنقذ إنساناً ، وتفتح آفاقاً ، وتشعل شمعة وسط الظلام.

حفظ الله سيدنا العلاّمة الصدر ، وبارك الله له وله وعليه.