
عبد الهادي كاظم الحميري
لمناسبة إدراج اليونسكو النخلة على لائحة التراث العالمي يتوجب علينا أن نذكّر بفضل هذه الشجرة المباركة على العرب عموما والعراقيين خصوصا ،إذ كان وجودها في بلادنا حافظا لوجودنا أيام القحط والمجاعة.
كان الناس في قرى العراق قبل عشرات السنين يعيشون من دون غاز أو نفط وكهرباء ولماء صاف، ولا سلع معمرة. و كانت مستلزمات الحياة تعتمد على ما تقدمه النخلة لهم، فقد وفرت لهم جذوعها أعمدة بيوتهم وحملت سقوفها ،ووفر سعفها أسرَّتهم ومستلزمات بيوتهم السلعية كالمهفة والحصيرة والأطباق وأوعية الخزن. كما وفر السعف والكرب وقود الطهي والتدفئة وكان تمرها عنصراً أساسياً في تغذية سكان المدن والقرى والبادية. فالتمر زاد البدوي الخفيف الحمل الكثير الفائدة ويشكل مع حليب الإبل والأغنام وجبة متكاملة ،كما يشكل الدبس خزين طاقة هائلة ورفيق درب جيداً في البوادي والقفار.
يدخل التمر في قائمة غذاء صغار وشباب أهل القرى مع إصفرار تمر الزهدي الذي يشكل غالبية نخل البلاد في بداية تموز تقريبا ولكن التمرة وتسمى ”خلالة ” في هذه المرحلة تكون قوية بعض الشيء على السن وخشنة المذاق وعالية الحلاوة ومن الصعب أن يأكل الفرد كفايته منها وعليه يعمد الصبية الى فرشها فوق رمل أو تراب ناعم (ان لم تتوفر صينية فافون) ورش بعض حبات الرمل عليها وتركها تحت شمس الظهيرة وعندما يتم جمعها بعد الظهر يكون قد تغير لونها الى جوزي ولان داخلها وقلت حلاوتها وطاب أكلها ويطلق على التمر المطبوخ بهذه الطريقة تحت أشعة الشمس بالمشمَّس.
بعد مرور أيام على إصفرار التمر الزهدي في عثق النخلة يبدأ جزء من الثمرة بالتحول الى اللون الداكن الليّن ويطيب أكله ويطلق عليه بالمنجّد وبحلول أيلول تجف الثمرة ويحين أوان قطافها مع أواخر ذلك الشهر ويشكل محصول تمر الزهدي (الجسب) المحصول النقدي الرئيسي من بساتين النخيل لأصحابها.
بعد نخيل الزهدي يأتي في الشيوع نخيل الخستاوي وثمة ميزات خاصة لهذا التمر إذ أنه طيب المذاق في مرحلة المنجّد المذكورة أعلاه وبعد إكتمال النمو والجفاف يكبس في جلود الأغنام (الكيشة) أو في الأواني الفخارية (الزير أو البستوكة) ليكون طعاما شهياً أيام الشتاء ومحتوى للكليجة أيام العيد. لنخلة الخستاوي تصرف غريب وفريد إذ أنها تزعل على البستاني إذا قطف من تمرها قبل حوالي نضوج ثلثي تمرعثوقها فتصدر أمراً الى حملها من التمر بالكامل ليجف فوراً ويتحول حشفاً غير قابل للأكل. ولا يعرف كيف تستشعر هذه النخلة بالعدوان وكيف ترسل أمر الجفاف الى عثوقها. وبالإضافة الى تمور الخستاوي والزهدي تنتشر فرادى في بعض البساتين نخيل المكتوم والبرحي والأشرسي والبربن . المكتوم والبرحي يطيب أكله من العثق عند إكتمال تحول الثمرة الى اللون الأصفر ويسوق عادة بعثوقه أما الأشرسي الذي يشبه الزهدي بشكل ثمرته عدا أنها أكبر حجما ومختلفة طعماً وأما البربن فهو زينة البستان تبدأ ثمرته حمراء كبيرة تتحول الى نصف سوداء ونصف حمراء ومن ثم كاملة السواد وأكلها يطيب في حالتيها الأخيرتين ولا تخزن عادة.



















