رحلة المطبعي إلى بابل
في اول اشراقة للحضارة البشرية ، كان العراق الموطن الاول للانسان وتحتفظ المتاحف اليوم باثار تعود الى الاف السنين ، غير ان الانسان الموغل في عمق التاريخ لم يجمد على الحياة البدائية ، وانما عمل على النمو والتقدم فاصبحت الحياة في العراق تعني الحضارة ، وقد تجلى ذلك في الالف السادس قبل الميلاد ، حيث تشكلت التجمعات البشرية في وسط وجنوب العراق ، ويعد السومرين هم أول بناة الحضارة في تاريخ البشر ، في زياتي للمتحف البريطاني في لندن قبل سبع سنوات وجدت العراق تاريخا”تشمخ به شواخص الحضارة ، استفزني المشهد وأبكاني وأحسست ان الوطن مسروق ،وانهمار ألدموع لاتنصف المنهوب .. واليوم وبين يدي كتاب للباحث والمؤرخ حميد المطبعي (رحلة الى بابل التاريخية) رجل غني عن التعريف ، يعد من رعيل الرواد واسم كبير في الوسط الثقافي وله من المؤلفات أكثر من ثلاثين كتاب في الرحلات والحضارة والتاريخ ، كما اصدر عدة صحف ومجلات ، ولا تغيب عن ذاكرة المثقفين (الكلمة ) مجلة تعني بالادب الحديث تصدر كل شهرين حيث كنت من بين قراء هذه المجلة التي مازلت احتفظ ببعض منها حتى العدد الرابع لسنة 1971 .. والقلم يعجز عن وصف هذا الكاتب واهتماماته ودوره المتواصل في الابداع والعطاء الثر ، وهنا تجدر الاشاره للشهادة الموثقة لعالم الاجتماع الدكتور علي الوردي الذي قل ما أثنى على احد بقدر ما أشار الى المطبعي ، بمقال طويل بعنوان (بين اسلوبي واسلوب المطبعي ) يقول الوردي : (المطبعي في كفاحه الثقافي ، قد فتح لنا بابا” جديدا”.. واعترف اني استفدت من كتاباته كثيرا” ، في دراساته عن الشخصية او في رحلاته في انحاء العرق او غيرها …)
عندما تمسك الكتاب وتقرأ العنوان (رحلة الى بابل التاريخية ) وصورة المؤلف يقف أمام الملكة السومرية متأملا” ، يتبادر للذهن أن رحلة المطبعي الى بابل كأي شخص ركب السيارة وبعد مضي ساعة اواكثر وصل موقع الاثار المعروفه التي زارها اغلب المهتمين بتارخ وحضارة العراق واختزنت ذاكرتهم مشاهد تلك الاطلال ،وما جرى عليها من اصلاح وترميم ، ويعود بما سر ورأى من خلال تلك الزيارة التي قد تستغرق على الغالب ساعات قليلة ، اما رحلة المطبعي فهي على خلاف ذلك تماما”، يحملك المؤلف في صفحات كتابه ال 150 صفحة من الحجم المتوسط مع ملحق الصور.. وقبل البدء مع المطبعي في رحلته الميدانيه من بغداد الى بابل ،تخيلت رحلة بن بطوطه عندما امتطى دابته وغادر طنجه معتمدا” حج البيت وزيارة قبر الرسول ( ص ) وفارق وطنه مفارقة الطيور لاوكارها ، كان بعير بن بطوطه اسرع من سيارة المطبعي الذي يقول : (في بداية تموز توجهت الى بابل ولااحمل معي سوى مجموعة من الارقام والذكريات التاريخية عن بغداد) ويتسأئل هل كان العباسيون يجهلون تاريخ بغداد .؟ ويجيب بأدلة ووثائق تاريخية مقنعه وما غادرها ألا بعد ان البسها حلتها التاريخية والجغرافيه وتعمق في الوصول الى جذر التسميه ، وبما تعاقب عليها من غزاة وطامعون عبر العصور ، كان يمسك الارض بوصف الامكنه طرقها والدروب والشاخات و ما احاط بها من قرى ونواحي .توقف في الجنوب الغربي من بغداد كانه يقود فرق مسح هندسيه وجيولوجيه وجغرافيه اثاريه ، ما غادر قرية ، رابيه ، شاخه ألا قدم عرضا”وافيا”عن ابعادها المكانية والزمانيه ولايساورني شك ان وصوله الى المحموديه استغرق اياما” في الصفحة 25 يقول : (كان عليّ ان اجتاز عشر كيلو مترات من اليوسفيه الى الشارع العام (بغداد – حلة) حتى اصل ناحية الرشيد، قطعتها في نحو الساعتين ، لكثرة الشاخات التى امربها) قلاع ، تلال ، جداول ، اراضي زراعيه ، مواقع اثريه ، وقفات طويله في سيبار ، اليوسفيه ، الرشيد ، المحموديه ، الاسكندريه ، كيش …؛ هناك تسميات غريبه للامكنة والمواقع التاريخية الاثريه ، التي لا يمكن احصاء اعدادها لكثرتها وانتشارها وغرابة تسمياتها ، اختلفت الاراء حول المسميات ، وللمطبعي ثوابت موثقه يتقاطع فيها مع بعض الاجانب المختصين في التنقيب عن الاثار ببعثاتهم المتعاقبه ، مثلما نجده يختلف عن ياقوت الحموي وبن بطوطه ، بن ماجد ،بن فضلان ، نجده بارعا” محترفا” جعل رحلته تغرق في حداثة خيال جديد ،كنتاج ما وصل اليه العالم من فلسفة وطرائق عيش ،يتحرك بهاجس الشوق الملح لكشف اللغز بين اطلال وخرائب كثيرة التراكيب والمشاهد ،والرؤى ، يبحث عن كنوز مفقوده غفل الكثير عنها ، ولرغبة المؤلف بالحصول عبر تراث كبير من المدونات اتسمت بالصدق والواقعيه ، ليسهم من خلال ترحاله في تقديم ما يشبع القارىء والباحث ،ويزيح الغبار والوهم بالادلة والبرهان .
وهنا اود ان اشير الى ص 83 يقول المؤلف : (وبما ان ( النصوص المسمارية ) هي اوثق الادلة في تاريخ بابل وفي معرفة حقائق الاشياء الاولى ، نورد نصين مسمارين ، يثبتان النشأة الاولى للبرج ، وهما نصان يزيلان الوهم الوارد في التوراة وفي نصوص المؤرخين من البرج … ) كي لااطيل واترك للقارىء متابعة ماورد في النصوص الكثيره التي تضمنها الكتاب .. ادرك المطبعي انه يمثل امتداد لعاطفة الوجود الحضاري وصيرورة التواصل ومعرفة معنى ان للفرات الذي توارثه اجداده في تلك العصور المرتبطة بهاجس الماء وسواقيه ونخيله ، وهو يميل الى التأمل وفهم الوجود وامتداده برؤى تختلف عن بقية البشر.
اذ انه عد الفرات الرمز الاساس في الخلق والتكوين فيقول في الصفحة 130 (لايمكن الحديث عن تاريخ الحلة الحديث ( اي منذ تأسست على يد صدقة ابن منصور 1102 م) دون معرفتنا عن النهر الذي انشأ الحلة ، وهو الفرات ، بل لولا هذا النهر لما وجدت الحلة او وجدت مدينة بابل القديمة ، فهو رمز اجتماعي واقتصادي في آن واحد ، ورمز الزراعة والثروة الحيوانية ورمز تعدد الانماط الاجتماعية في القرى والارياف التي تقع على ضفافه … ) المطبعي الذي يكاد يمسك سبعينات عمره مازال مثابرا” تخصص في الادب ، باحث ، مؤرخ ، رحاله يؤمن بالانسان فكرا” وفلسفة ومنهجا” جدليا” وهو من اسرة مسكت وعيها الثقافي والانساني وخدمت الثقافة ومجالس المجتمع ومن بين اول الاسر العراقية التي امتلكة مطبعة وجاءت كنيته المطبعي .
عبدالحسن علي الغرابي – بغداد
AZPPPL






















