دفتر الخدمة – نصوص – حيدر علي الجبوري
أخيرا , قلت إني لم استعجل واحرقه فأتخلص من كل صوتٍ وحدثٍ وأزمنة تسكن فيه , وبرغم بحثي كل مرة بين أوراقي الثبوتية الكثيرة وكأني من كوكب آخر كلما أردت انجاز معاملة كان علي إثبات من أنا, وابن من ومن أين أتيت . قلت أني لم استعجل واحرقه , فهو الوحيد هذه المرة من سيثبت بأني كنت انشر السنين في هبوب العواصف .
كلما انظر الى صورتي في دفتر الخدمة العسكرية اشعر بشيءٍ مفقود , أضعته هناك , في مكان ما في هذي البلاد التعيسة , ثم أسرع في تقليب صفحاته وكأنها جبهات قتال ثابتة لا يتوقف فيها أزيز الرصاص واللهاث , تقول إحدى صفحاته : أكمل دراسته الجامعية , وتوجب حضوره للالتحاق بتاريخ كذا .وصفحة أخرى تقول : خدم بعدما انفق جزءاً من حياته بلا داع وأضاع ما يمكن إضاعته من فرص , فلم يقاتل إلا في معركة واحدة خرج منها مهزوما , كان يقاتل نفسه بنفسه , ثم تسرح, وذلك لا يعني إن الأمر قد انتهى . فالحرب لم تنته بعد , وسيعود يوما في خدمة الاحتياط , فربما نسي بعض من ذكريات إنفاق العمر والغور في سحيق آهات الجرحى و القصف والتوغل بحريق السنين , لذا وجب حضورك في حال استدعائك او طلب مواليدك . أكثر من عشرة أعوام مضت , وحين أعاود في البحث بين أوراقي أجده إمامي دوما , ولم يعد اكثر من مستمسك يثبت فقدان بعض سنين في مهب الريح , وتواريخ تشير لذكريات قديمة . وكأنه الحلم في ان يأتي يوم ونزوي لمسمى الهدوء فتستسلم تلك الذكريات لقوى النيسان , غير ان الهروب ما كان مجدٍ . بعدما سألني جندي انضباط في كراج من كراجات العمر عنه , فكنت ابحث عنه في جيوبي ولا أجده , وكنت , أحاول أن أقول له بأن ما تسأل عنه ما عاد ينفع , فقد خلص العمر , ولينظر لشيباتي التي عافها الدفتر ثم رحل , لكن , ذلك الجندي كان لا يريد ان يقتنع بما اقول , وانه يريد دفتر خدمتي العسكرية . فلم يعد الهروب مجديا, ولا بإمكاني النفاد من الحلم , تركت خلفي كل جنود الانضباط يركضون , في كراجات العمر الكثيرة , وكنت بينما اهرول ابحث عنه , ابحث لعلّي أجده بين طيات بذلة شهدت كل الحروب , وما هي الا عثرة سلمتني لأولئك الانضباط , فسبقتهم القول : ها هو , فأنا لست كما العمر . أنا ما فررت …























