درس الصين العراقي

د. فاتح عبدالسلام

أي‭ ‬عالم‭ ‬معقد‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬تتحول‭ ‬فيه‭ ‬الصين‭ ‬إحدى‭ ‬أكبر‭ ‬القوى‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬شبه‭ ‬معزولة‭ ‬في‭ ‬خلال‭ ‬أيام‭ ‬قليلة‭ ‬بسبب‭ ‬فايروس‭. ‬دلالات‭ ‬عميقة‭ ‬تحتاج‭ ‬الى‭ ‬التأمل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نظرية‭ ‬الموامرة‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬دونها‭ ‬،‭ ‬لا‭ ‬فرق‭ ‬،‭ ‬مادام‭ ‬هناك‭ ‬واقع‭ ‬جديد‭ ‬يهز‭ ‬العالم‭ .‬

‭ ‬هذا‭ ‬الدرس‭ ‬الصيني‭ ‬نحتاج‭ ‬الى‭ ‬تقليبه‭ ‬وفهمه‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬تحديداً‭ ‬،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬طغت‭ ‬قوى‭ ‬وشخصيات‭ ‬سياسية‭ ‬كثيرة‭ ‬،‭ ‬وانتفخت‭ ‬بطريقة‭ ‬لم‭ ‬ينلها‭ ‬طاغية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬،‭ ‬وظنت‭ ‬انّ‭ ‬السياسة‭ ‬هي‭ ‬لعبة‭ ‬الاهرامات‭ ‬الحجرية‭ ‬الثابتة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنقلب‭ ‬فيها‭ ‬القاعدة‭ ‬على‭ ‬الرأس‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬مغادرتها‭ ‬لأرضها‭ ‬الراسخة‭.‬

‭ ‬وأصبح‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ناشز‭ ‬مستقراً‭ ‬كأساس‭ ‬ثابت‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬العمل‭ ‬والحياة‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬تواجه‭ ‬أزمات‭ ‬متداخلة‭ ‬في‭ ‬بنيتها‭ ‬الداخلية‭ ‬،وتستمر‭ ‬عن‭ ‬سابق‭ ‬اصرار‭ ‬وترصد‭ ‬في‭ ‬صم‭ ‬آذانها‭ ‬وتغطية‭ ‬عيونها‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬كان‭ ‬يشعل‭ ‬الأسئلة‭ ‬المقلقة‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اجابة‭ ‬من‭ ‬أحد‭ . ‬وبدأ‭ ‬التثقيف‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬انّ‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬تمّ‭ ‬بناؤه‭ ‬وتشكيله‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬نهائي‭ ‬،‭ ‬ولا‭ ‬فائدة‭ ‬تُرجى‭ ‬من‭ ‬رأي‭  ‬أو‭ ‬استشارة‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬التغيير‭ ‬الجوهري‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬ذهبوا‭ ‬الى‭ ‬انّ‭ ‬وصف‭ ‬دعاة‭ ‬تغيير‭ ‬أية‭ ‬مواضعات‭ ‬خاطئة‭ ‬بالمارقين‭ ‬عن‭ ‬النظام‭ ‬القائم‭ ‬بما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬بعضهم‭ ‬تحت‭ ‬طائلة‭ ‬بنود‭ ‬ارهابية‭ ‬أو‭ ‬سواها‭ .‬

الاحتجاجات‭ ‬الشعبية‭ ‬العارمة‭ ‬كانت‭ ‬الدليل‭ ‬على‭ ‬انّ‭ ‬لا‭ ‬حصانة‭ ‬لأحد‭ ‬تمادى‭ ‬سادياً‭ ‬في‭ ‬غيّه،‭ ‬متعالياً‭ ‬عن‭ ‬سماع‭ ‬صوت‭ ‬الناس‭ ‬وآلامهم‭ ‬التي‭ ‬تفاقمت‭ ‬أضعاف‭ ‬ما‭ ‬كانوا‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬الحصار‭ ‬والحروب‭ ‬الغابرة‭.‬

الآن‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬سياسي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬غير‭ ‬محاصر‭ ‬،‭ ‬وغير‭ ‬مقاطع‭ ‬،‭ ‬وغير‭ ‬منبوذ‭ ‬،‭ ‬وغير‭ ‬متهم‭ ‬،‭ ‬وغير‭ ‬مكروه‭ ‬،‭ ‬وغير‭ ‬مطلوب‭ ‬للمساءلة‭ ‬،‭ ‬وغير‭ ‬مشكوك‭ ‬في‭ ‬نزاهته‭ . ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تفاوتت‭ ‬الدرجات‭ ‬في‭ ‬ذلك‭.‬

الساحات‭ ‬والشوارع‭ ‬التي‭ ‬نزفت‭ ‬دماً‭ ‬طهوراً‭ ‬أسقطت‭ ‬القلاع‭ ‬الفارغة‭ ‬وأكاذيب‭ ‬الشعارات‭ ‬التجارية‭ ‬،‭ ‬وبات‭ ‬الجميع‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬فرصة‭ ‬للنجاة‭ .‬

القصة‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬بمهلة‭ ‬موعدها‭ ‬السبت‭ ‬وتمدد‭ ‬الى‭ ‬الاثنين‭ ‬أو‭ ‬الاربعاء‭ ‬أو‭ ‬مليونية‭ ‬تنطلق‭ ‬الجمعة‭ ‬وتتطلع‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬الثلاثاء‭. ‬

ما‭ ‬يجري‭ ‬يصعب‭ ‬فهمه‭ ‬من‭ ‬سياسيين‭ ‬أو‭ ‬برلمانيين‭ ‬قاصرين‭ ‬وخُدّج،‭ ‬ومن‭ ‬المستحيل‭ ‬،‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬المحاصصات‭ ‬الفاسدة،‭ ‬أن‭ ‬يعرفوا‭ ‬طريقاً‭ ‬واحداً‭ ‬لمواجهة‭ ‬استحقاقات‭ ‬الحقائق‭ ‬الجديدة‭ ‬،‭ ‬سوى‭ ‬العنف‭ ‬والتسويف‭.‬

رئيس التحرير – الطبعة الدولية

fatihabdulsalam@hotmail.com