داعش.. وإشكالية الإنتصار الإعلامي بغير أدوات – مقالات – أحمد الخطاط
(إن الدعاية المجانية أشبه بالأوكسجين اللازم للإرهاب ولا يستطيع الاستغناء عنه)
هذا ما وصفت به ماركريت تاتشر ــ رئيسة وزراء بريطانيا السابقة ــ العلاقة الطردية بين الإعلام والإرهاب؛ فكل منهما يسعى وراء الآخر؛ لطالما يبحث الأول عن الإثارة كما يبحث الثاني عن التأثير.ربما لايختلف إثنان أنّ تنظيم داعش الإرهابي تفرّد ــ وبصورة ملفتةٍ ــ من بين التنظيمات الإرهابية الأخرى في تطويع الاعلام لتنفيذ مخططاته وتحقيق أهدافه. سيما، إنه أدرك منذ البداية أن الاعلام بات لغة العصر التي لايمكن تجاهلها، والأداة الأخطر التي تُسلّط الضوء على حجم الخسائر التي يلحقونها بخصومهم ويحقق من جرّاء ذلك مكاسب تكتيكية حسب إستراتيجيته الإعلامية المبنية على الحرب النفسية، والتي تُهيء لنصرٍ ميداني جديد.
إلا أنَّ الإشكالية تكمن في أن يحقق العدو إنتصاراً بغير أدواته، وهذا ما يلاحظة المتتبع للإستراتيجية الإعلامية لتنظيم داعش، التي تُسقِط الخصم في الإعلام قبل الميدان؛ عبرتنفيذها بأساليبَ علمية مدروسة تناقض الطبيعة الصحراوية المنعزلة عن الحضارة لهذا التنظيم الإرهابي. وفي ذات الوقت نجد أنّ هذه الإستراتيجية نفسها إثبتت قدرةً فائقة في كيفية توظيف أفكار داعش الرجعية وأفعاله البربرية لضمان وصولها للرأي العام والتأثير به ولو بنسبٍ متفاوتة.
لذا فمن المرجّح أن تكون تلك الآلة الإعلامية الواقفة بالظل، هي نتاج عمل مخابراتي إقليمي أو دولي يهدف لتحقيق أجندات خاصة من خلال تنظيم داعش. إنّ الأمر الذي يقودنا إلى هذا النمط من التفكير هو ذلك الهيكل الإعلامي الأكاديمي المتخصص الذي يعمل على تسويق الحدث الذي يصنعه داعش بطريقة مؤثرة نجحت في تخويف الرافض وتجنيد الناصر وإستمالة المتعاطف مع مشروع دولة الخلافة، من خلال رسالة إعلامية قسّمت الجمهور المستهدَف إلى ثلاثة أقسام هي:
القسم الأول: المناصرون وهؤلاء لابد من ديمومة تطبيعهم على منهج دولة الخلافة.
القسم الثاني: الخصوم وهؤلاء أعداء دولة الخلافة ولابد من قتلهم بأبشع صورةٍ وتحويلهم إلى مادة إعلامية تبين مدى قوة وبطش مقاتلي التنظيم.
القسم الثالث: الرأي العام وهؤلاء لابد من إسقاط تأثير الرسالة الإعلامية عليهم من خلال إيهامهم بأنّ تنظيم الدولة الاسلامية يحارب الظلم وينشر الحق في العالم؛ وذلك لتجنيدهم أو تحييدهم على أقل تقدير.أما الخريطة الإعلامية لرسالة تنظيم داعش فهي مرسومة بمساحتين إثنتين هما:
الأولى مساحة مغلقة: ويكون الإعلام فيها داخلياً يخاطب الناس محليًا ومناطقيًا ضمن الولايات التي يسيطر عليها التنظيم، وتبدأ الرسالة الإتصالية عبر المساجد والإصدارات المطبوعة كإنتاج عدد من الكتب مثل، (وجنودًا لم تروها)، (عز النفير وذل القعود) وكذلك قنوات البث التلفزيوني والإذاعي المحلي كأطلاق ترويج دعائي عن قناة مرتقبة باسم (قناة الخلافة)، و(إذاعة البيان) وهي أول إذاعة للتنظيم في مدينة الموصل العراقية.
الثانية المساحة المفتوحة: ويكون الإعلام فيها خارجياً موجهاً لجميع شعوب العالم من خلال الاستفادة القصوى من ثورة الاتصالات المتقدمة (الانترنت ووسائط المعلوماتية).
ويجدر القول أنّ المساحة الإلكترونية المفتوحة هي الأساس التي يعتمد عليها تنظيم داعش لتنفيذ إستراتيجيته الإعلامية في الحفاظ على الروحية الشبابية لدولة الخلافة وأمنها، حيث تُمكنه مواقع التواصل الاجتماعي من إستهداف فئة الشباب في الجماعات المهمشة مذهبياً وإجتماعياً وإقتصادياً… إلخ، لإستدراجهم بإسم العمل الجهادي. الامر الذي يؤكد أنّ الاعلام اصبح يمثل سلاحا خطيرا بيد الارهابيين. أضف إلى ذلك أنّ شبكة الأنترنت هي أحدث وسيلة إتصالية عالمية سريعة الانتشار، توفر بيئة تفاعلية بين المصدر والمتلقي كأبرز سمة إتصالية لها قابلية تحويل الأخير الى منتجٍ للأخبار أكثر من كونه مجرد مستهلك، مع إتاحة خاصية التحديث الفوري للمعلومات والأخبار وتعدد اللغات؛ في الوقت الذي تمكن مستخدميها من إخفاء هويتهم، موقعهم، توظيف الشائعات، المعلومات المغلوطة، وغيرها من التفاصيل المضللة لصالح فكرة معينة.لذا نرى تنظيم داعش يسعى للإغراق المعلوماتي عبر مواقع الفيسبوك وتويتر ويبث عبر موقع يوتيوب إصداراته المرئية التي توثق إنتصاراته داخل وخارج العراق بعد إنتاجها في المؤسسات الإعلامية الخاصة به، وأبرزها مؤسسة الفرقان ومؤسسة الاعتصام ومؤسسة أجناد.
وبالحديث عن إصدارات داعش الإعلامية على إختلافها، نلمح ثمة سمات تبين القدرة الإحترافية للقائمين على إدارة الإستراتيجية الإعلامية للتنظيم، ومن هذه السمات:
1ـ وضع عناوين ذات وقع نفسي مؤثر روحياً لدى مستقبليها؛ من خلال إقتباس تلك العناوين من آيات القرآن الكريم مثل (وجنودًا لم تروها، حتى تأتيهم البينة)، أو صياغة تلك العناوين بدلالات ذات عمق يتصل بالماضي البطولي للإسلام؛ لتحفيز المتلقي مثل: (رسائل من أرض الملاحم، شفاء الصدور، صليل الصوارم).
2ـ إنتاج جميع الإصدارات الصوتية بتقنيات عالية الجودة مؤثرة في نفس المتلقي.
3ـ انتاج الاصدارات المرئية بإسلوب سينمائي يُضاهي ما تنتجه السينما العالمية من حيث إختيار التقنيات الفنية وزوايا الكاميرا والموسيقى التصويرية وكل ما يحقق عنصري الإثارة والتشويق ويثير إعجاب المُستقبِل ببطولات مقاتلي التنظيم.
4ـ إنّ درجة الاتقان والجودة لإصدارات التنظيم بمستوىً واحد في جميع الولايات الخاضعة لسيطرته؛ مما يدل على مركزية الجهة التي ترسم للتنظيم سياسته الاعلامية.
5ـ ترجمة إصدارات التنظيم للغاتٍ عالمية مختلفة، كالإنكليزية والفرنسية والروسية وغيرها، وهذا يبين لنا مدى التخصص الإكاديمي في تسويق إعلام تنظيم داعش للإستحواذ على أكبر عدد من عقول المتلقين وغسل أفكارهم. ومثال على ذلك إصدار مجلة دابق باللغة الإنكليزية، وأيضاً الترجمة التي ترافق أناشيد التنظيم الحماسية بواسطة السبتايتل.وبعد أن إتضح لنا أن اعلام تنظيم داعش الارهابي ليس إعلاماً عبثياً، فلابد من تشخيص مكامن الخلل في إستراتيجيتنا للمواجهة الإعلامية التي أتقن مديرو إعلام هذا التنظيم الإرهابي إستغلالها لصالحهم في خلق حالة من التيه والارباك فرضت نفسها على ساحة الاحداث المحلية والخارجية، وأعجزتنا عن تطويق ظاهرة الإرهاب.
1ـ إنعدام التنسيق المحلي والدولي المشترك لمكافحة ظاهرة الإرهاب برسالة فكرية تخرج من المساجد وتدخل في إستوديوهات القنوات الفضائية التلفزيونية والإذاعية لإصلاح المنظومة التربوية والقيمية والتعليمية للمجتمع.
2ـ تشتت الخطاب الإعلامي الوطني بشكلٍ أفقده وما يزال يفقده مركزيته، وغلبة التنافس الإعلامي من أجل السبق أثناء تغطية العمليات الإرهابية على إخلاقيات المهنة. 3ـ يعمل إعلامنا بقصد أو دون قصد على إحاطة ظاهرة الإرهاب بهالة دعائية فتضعها في واجهة المشهد الإعلامي؛ مما يُسهّل لتنظيم داعش الارهابي حرية الوصول لمنافذ الاعلام.
4ـ حصر الاضاءة الإعلامية للحوادث الإرهابية في الدائرة الإخبارية وعدم نقلها لدائرة التحليل والإستقصاء تحت أنظار متخصصين بهذا المجال؛ للحد من إستفحال البعد الدعائي للحدث الإرهابي ووضع المعالجة الإعلامية المناسبة التي يكون بمقدورها التغلغل في جذوره وفك طلاسمه الآنية.
5ـ عدم تقيد بعض وسائلنا الإعلامية بضوابط تغطية العمليات الإرهابية بشكل يكفل عدم الترويج للعنف والتطرف في ظل غياب المحاسبة الحقيقية لمن يثبت تقصيره في هذا المجال بإسم ممارسة مهنة الإعلام.
6ـ ضعف دعم وسائل الإعلام الوطنية للإعلام العسكري والأمني على المستويين المحلي والإقليمي؛ لطالما أن القضاء على ظاهرة الإرهاب ليس واجباً يُلقى على عاتق المؤسسة الأمنية والعسكرية فقط.
السؤال الذي يطرح نفسه في الختام، هل أن زئبقية إعلام داعش ستظل عصية على قبضة الإعلام الوطني؟ أم أننا ينبغي علينا أن نُسلّم لعبارة الخبير العسكري المصري نبيل فؤاد عندما قال:
(الأمن المطلق غير موجود في العالم)؟



















